المدخل إلى المسألة:
• نهى النبي ﷺ عن بسط الذراعين انبساط الكلب، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.
• ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويقصد به الذم الشديد. • أغلب نصوص الشريعة تشبه الكافر بالحيوان، وقد يشبه المسلم بالحيوان كما شبه الشارع العائد في هبته بالكلب، وهو يدل على تحريم الرجوع بالهبة بعد لزومها.
[م-٦٦٠] اختلف العلماء في رفع الذراعين عن الأرض إذا سجد:
فقيل: يكره أن يفترش ذارعيه في السجود، وحمله ابن نجيم على كراهة التحريم، ونقله ابن عابدين ولم يتعقبه، ولم أجده لغيره، وكل كتب الحنفية أطلقت الكراهة دون تفسير (^١).
وقال ابن حزم: «لا يحل للمصلي أن يفترش ذراعيه في السجود» (^٢).
وقيل: يستحب رفع ذراعيه، ويكره تنزيهًا افتراشهما حال السجود، وهو
_________________
(١) الحنفية يفرقون بين المكروه تحريمًا، وبين المحرم، فالأول ما ثبت النهي عنه من غير صارف بدليل ظني، والثاني: ما ثبت النهي عنه بدليل قطعي. وأما الكراهة التنزيهية: فهو في حق ما ثبت النهي عنه مع وجود صارف يصرفه عن التحريم. انظر: البحر الرائق (٢/ ٢٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٤)، ونص على الكراهة: الأصل (١/ ٦)، المبسوط (١/ ٢٢)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٦٩)، فتح القدير (١/ ٤١٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١٤١)، الهداية (١/ ٦٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٣).
(٢) المحلى، مسألة: (٣٩٠).
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).
قال ابن القاسم كما في المدونة: «قال مالك: كره أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود» (^٢).
• دليل من قال بالتحريم:
الدليل الأول:
(ح-١٨٢٨) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (^٣).
قال ابن رجب: «قوله: (اعتدلوا في السجود) يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنما يكون مع التجافي» (^٤).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن بسط الذراعين انبساط الكلب، ودلالته على التحريم من وجهين:
الأول: أن الأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.
الثاني: ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويحمل على الذم الشديد، ولم يشبه في الحيوان في كتاب الله إلا في الأمور المحرمة،
قال تعالى عن الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤].
_________________
(١) الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٧٠)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، شرح زروق (١/ ٢٣٠)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، المجموع (٣/ ٤٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٤٨)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، المغني (١/ ٣٧٣)، المبدع (١/ ٤٢٤)، الإقناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧)، كشاف القناع (١/ ٣٧١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٥).
(٢) المدونة (١/ ١٦٩).
(٣) صحيح البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٢٣٣ - ٤٩٣).
(٤) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٠).
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
وقال تعالى عن العالم الذي انسلخ من آيات الله، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقال عن علماء بني إسرائيل ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ومرتكب المكروه لا يستحق الذم حتى يشبه بالحيوان، وإن استحق تارك المكروه الثواب.
الدليل الثاني:
(ح-١٨٢٩) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء،
أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظَكم لصلاة رسول الله ﷺ … فذكر الحديث بطوله، وفيه: فإذا سجد وضع يديه غيرَ مُفترِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة … الحديث (^١).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٣٠) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، ﴿بالحمد لله رب العالمين﴾ … فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (^٢).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٣١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٢٨).
(٢) صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
ذراعيه افتراش الكلب (^١).
[صحيح] (^٢).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٣٢) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن
البراء، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (^٣).
_________________
(١) المسند (٣/ ٣١٥).
(٢) الحديث رواه أبو معاوية كما في مسند أحمد (٣/ ٣١٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)، وسنن الترمذي (٢٧٥)، ووكيع كما في مسند أحمد (٣/ ٣١٥)، وسنن ابن ماجه (٨٩١)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)، والثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٣٠، ٤٦٢٣)، وعنه أحمد (٣/ ٣٨٩)، ومحمد بن فضيل كما في مسند أحمد (٣/ ٣٠٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)، وحفص بن غياث كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)، وأبو خالد الأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)، وزائدة بن قدامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥٦). وجرير بن عبد الحميد كما في مسند أبي يعلى (٢٠٠٨)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)، وعبد الله بن نمير كما في مسند أبي يعلى (٢٢٨٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤). وأبو جعفر الرازي كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٩٨٨). وعمار بن رزيق كما في معجم ابن الأعرابي (٨٠٠)، وداود الطائي كما في المعجم الأوسط (١٧٣١)، والحلية لأبي نعيم (٧/ ٣٦٥). أخرجه الترمذي (٢٧٥). وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٦٢). وابن ماجه (٨٩١). وابن خزيمة (١/ ٣٢٥/ ٦٤٤). وابن حبان في الصلاة (٣/ ١٨٢/ ٢٧٨١ - إتحاف المهرة). وأحمد (٣/ ٣٠٥ و٣١٥ و٣٨٩). وعبد الرزاق (٢/ ١٧١/ ٢٩٣٠) و(٣/ ١٦/ ٤٦٢٣). وابن أبي شيبة (١/ ٢٣١/ ٢٦٥١) و(١/ ٢٣٢/ ٢٦٥٦) (٢/ ٤٧٥/ ٢٦٧١ - ط عوامة) (٢/ ١٠٤/ ٢٦٦٨ - ط الرشد). وأبو يعلى (٤/ ١٠/ ٢٠٠٨) و(٤/ ١٩١/ ٢٢٨٥). وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٩٨٨). وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٠/ ١٤٤١). وابن الأعرابي في المعجم (٨٠٠). والطبراني في الأوسط (٢/ ١٦٥/ ١٥٩١) و(٢/ ٢٠٣/ ١٧٣١) و(٤/ ٣٧٩/ ٤٤٨٣).
(٣) صحيح مسلم (٢٣٤ - ٤٩٤).
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
وفي الباب أحاديث أخرى، وأكتفي بما ذكرت اقتصارًا واختصارًا.
•دليل من قال: يستحب رفع الذراعين ويكره تنزيهًا بسطهما:
حملوا أحاديث النهي على الكراهة، والصارف لهم ما يلي، أن القول بالكراهة هو قول عامة أهل العلم، بما فيهم أهل الحديث.
قال الترمذي بعد أن ساق حديث جابر السابق: «حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع» (^١).
إلا أن ابن نجيم في البحر الرائق قد حمل الكراهة في المذهب على التحريم، فإن كان قد سبق إلى هذا في المذهب، فالخلاف في النهي يكون قديمًا، وظاهر الأدلة على التحريم، وإلا فكتب الحنفية ابتداءً من كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني إلى آخر كتب الشروح في المذهب يطلقون الكراهة بلا تفسير.
وإن كان تفسير ابن نجيم انفرد به، ولم يوافق عليه في المذهب لم يقبل منه؛ لتأخره، وكان التحريم من مفردات ابن حزم، ولا عبرة بما يتفرد به؛ لا لكونه من أهل الظاهر، ولكن لتأخره، فيكون محجوجًا باتفاق العلماء قبله، حتى ولو عُدَّ هذا الاتفاق من الإجماع السكوتي، والله أعلم.
_________________
(١) سنن الترمذي (٢/ ٦٥).
[ ١٠ / ٢٤٧ ]