المدخل إلى المسألة:
• المجافاة في السجود صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية.
• سنة المجافاة متفق على استحبابها، قال ابن عمر: اسجد كيف تيسر عليك.
• تطبيق السنن مقيد بشرط ألا يؤذي من بجانبه، فإن آذى حرمت المجافاة.
[م-٦٧١] يستحب للمصلي إذا سجد أن يجافي -أي يباعد- عضديه عن جنبيه، وهذه السنة متفق عليها بين الأئمة الأربعة (^١).
قال الحنفية والحنابلة: الاستحباب مقيد بشرط ألا يؤذي من بجانبيه، فإن آذى بسببها من بجانبيه لم تستحب؛ لأنه لا يرتكب سنة بفعل محرم،
_________________
(١) الأصل للشيباني (١/ ٦)، المبسوط (١/ ٢٢)، الهداية (١/ ٥١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣١، ٢١٠)، البحر الرائق (١/ ٣٣٨)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٥٧)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، الأم (١/ ١٣٧)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٤٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥١)، المغني (١/ ٣٣١)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
وأذية المؤمنين محرمة (^١).
• والأدلة على استحباب هذه الصفة كثيرة، نذكر منها:
الدليل الأول:
(ح-١٨٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جعفر بن ربيعة، عن ابن هرمز،
عن عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٨٦٢) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم،
عن ميمونة بنت الحارث، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه (^٣).
ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم،
عن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت (^٤).
ورواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم به، بلفظ:
كان رسول الله ﷺ إذا سجد خَوَّى بيديه -يعني جنح- حتى يرى وضح إِبْطَيْهِ من ورائه الحديث (^٥).
الدليل الثالث:
(ح-١٨٦٣) ما رواه أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم
_________________
(١) البحر الرائق (١/ ٣٣٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣٢٥)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤).
(٢) البخاري (٣٩٠)، وصحيح مسلم (٢٣٥ - ٤٩٥).
(٣) صحيح مسلم (٢٣٩ - ٤٩٧).
(٤) صحيح مسلم (٢٣٧ - ٤٩٦).
(٥) صحيح مسلم (٢٣٨ - ٤٩٧).
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
ابن كليب، عن أبيه،
عن وائل الحضرمي قال: صليت خلف رسول الله ﷺ، فكبر حين دخل، ورفع يده، وحين أراد أن يركع، رفع يديه، وحين رفع رأسه من الركوع، رفع يديه، ووضع كفيه، وجافى، وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه (^١).
ورواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة به، وفيه: (… وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده …). الحديث (^٢).
ورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، عن شعبة به، وفيه: ( وقال حين سجد: هكذا، وجافى يديه عن إبطيه ). الحديث (^٣).
[حسن] (^٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (ووضع كفيه، وجافى) يعني عن إبطيه في سجوده كما في رواية وهب بن جرير.
وقوله: (وخوَّى في سجوده)، قال ابن الأثير في النهاية: «أي جافى بطنه عن
_________________
(١) المسند (٤/ ٣١٦).
(٢) المسند (٤/ ٣١٦).
(٣) صحيح ابن خزيمة (٦٩٨).
(٤) رواه شعبة، فذكر رفع الأيدي للتكبير، ولم يذكر صفة الرفع وبيان منتهاه: فقد رواه أحمد (٤/ ٣١٦) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٠)، عن هاشم بن القاسم، ورواه أحمد (٤/ ٣١٦) وابن خزيمة في صحيحه (٦٩٧) عن محمد بن جعفر، ورواه أحمد مختصرًا (٤/ ٣١٩) حدثنا أسود بن عامر، والبخاري في رفع اليدين (٢٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، وفي الدعاء (٦٣٧)، عن مسلم بن إبراهيم، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، من طريق أبي الوليد الطيالسي، وابن خزيمة (٦٩٨) من طريق وهب بن جرير، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١) من طريق النضر (يعني ابن شميل) سبعتهم، رووه عن شعبة، به. وحديث عاصم قد رواه ما يقارب من عشرين نفسًا عن عاصم، وقد سبق تخريجها، انظر (ح ١٢٤٧).
[ ١٠ / ٣١٠ ]
الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه، حتى يخوى ما بين ذلك» (^١).
الدليل الرابع:
(ح-١٨٦٤) ما رواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،
عن أبي حميد الساعدي قال: كان النبي ﷺ إذا أهوى إلى الأرض ساجدًا جافى عضديه عن إبطيه، وفتخ أصابع رجليه (^٢).
ورواه أحمد مطولًا حدثنا يحيى بن سعيد به، وفيه: (… ثم هوى ساجدًا وقال: الله أكبر، ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه ) (^٣).
[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^٤).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن،
حدثنا أحمر، صاحب رسول الله ﷺ، قال: «إن كنا لنأوي لرسول الله ﷺ مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد (^٥).
[حسن] (^٦).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٩٠).
(٢) النسائي (١١٠١).
(٣) المسند (٥/ ٤٢٤).
(٤) سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٦١).
(٥) المسند (٥/ ٣٠).
(٦) الحديث مداره على عباد بن راشد، عن الحسن، عن أحمر بن جزء، ورواه عن عباد جماعة منهم: وكيع كما في مسند أحمد (٥/ ٣٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٤١)، وفي المسند (٦٠٤)، وابن ماجه (٨٨٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٥٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦). وعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (٤/ ٣٤٢)، وأبو يعلى (١٥٥٢)، والمفاريد لأبي يعلى (٦٤). وعفان بن مسلم كما في مسند أحمد (٥/ ٣١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤). ومسلم بن إبراهيم كما في سنن أبي داود (٩٠٠)، ومعجم ابن الأعرابي (١١٠٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤). وأبو نعيم الفضل بن دكين كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٧٩) ح ٨١٣، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤).
[ ١٠ / ٣١١ ]
وفي الباب أحاديث كثيرة، وما ذكرته كافٍ في الاحتجاج لهذه السنة.
قال ابن حجر: «وهذه الأحاديث ظاهرها وجوب التفريج المذكور لكن أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁، قال: اشتكى أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب» (^١).
وهذه الأحاديث التي ذكرتها لا تدل على الوجوب، لأنها حفظت عن النبي من السنة الفعلية، والفعل لا يدل بنفسه على الوجوب، ولو حفظ من النبي ﷺ الأمر بالمجافاة لم يكن ذلك وحده ليقتضي الوجوب حتى يكون ذلك هو ما فهمه الصحابة من كلام رسول الله ﷺ، وحفظ ذلك، ولو عن واحد منهم، فإذا لم يفهم الصحابة من كلام الرسول ﷺ الوجوب، ولم يفهم ذلك التابعون، ولا تابعوهم وكان القول بالوجوب عاريًا من أقوال القرون المفضلة، ثم ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب المجافاة لم يكن القول بالوجوب له حظ من النظر، وإن نزع إلى ذلك أحيانًا أهل الظاهر كما هي طريقتهم في فهم النصوص، واعتمادهم على اللغة فقط في فهم دلالة النصوص، واللغة إحدى الأدوات وليست الأداة الوحيدة،
فإذا أضيف إلى مسألتنا ما نقله بعض أهل العلم من الإجماع على استحباب المجافاة، كما سيأتي نقله في دليل خاص، فقد أغلق باب احتمال حكاية الوجوب، والله أعلم.
وانظر إلى حديث أم عطية في الصحيحين: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (^٢).
فقول أم عطية: (ولم يعزم علينا) هذا الفهم الذي تتحدث عنه أم عطية رضي
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٢٩٢).
(٢) صحيح البخاري (١٢٧٨)، وصحيح مسلم (٩٣٨).
[ ١٠ / ٣١٢ ]
الله عنها خارج دلالة النهي اللغوية، ولا يحيط به إلا من شاهد التنزيل، وسمع الخطاب من النبي ﷺ، لن يعطاه من تعامل مع دلالة النصوص اللغوية بمعزل عن فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وعن فهم من أَخَذَ عنهم واتبعهم بإحسان، وهم التابعون ﵏.
وقل مثل ذلك لو أن طالب علم جاء إلى لفظ (السفر) في اللغة وأراد أن يطبق أحكام القصر والفطر على دلالة النص اللغوية، فرخص في الفطر والقصر بمجرد الظهور عن البلد؛ باعتبار أن حقيقة السفر هو السفور والظهور، فلما كان مضطرًا في فهم حقيقة السفر إلى الرجوع إلى عمل الصحابة وفهم السلف كان ذلك واجبًا في التعامل مع بقية النصوص الشرعية، والله أعلم.
وحين قال عطاء في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. قال: ما أراه إلا واجبًا. أخذ ذلك فقط من دلالة الأمر، والأصل فيه الوجوب، ولم يأخذ ذلك من فهم الصحابة رضوان الله عليهم.
قال له تلميذه ابن جريج: أتأثره عن أحد؟ قال: لا (^١).
فأراد ابن جريج أن ينبه شيخه إلى أن القول بالوجوب يحتاج إلى أن يكون مأثورًا عن أحد من الصحابة، لأن ابن جريج لم يرد بسؤاله أن يكون مأثورًا عن أحد من التابعين لأن قول عطاء وهو إمام من التابعين كافٍ.
فإذا كان ذلك في حق عطاء، وقد أدرك مائتين من الصحابة، فما ظنك بغيره من المتأخرين.
ومما يدل على نفي الوجوب، ما حفظ عن ابن عمر ﵄،
(ث-٤٥٠) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو عاصم (هو النبيل) (^٢)، عن ابن جريج، عن نافع، قال: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد (^٣).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٧٦) بسند صحيح.
(٢) في المطبوع (حدثنا عاصم)، وهو خطأ، وفي المخطوط (حدثنا أبو عاصم) على الصواب.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٠).
[ ١٠ / ٣١٣ ]
[صحيح].
(ث-٤٥١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب، قال:
سأل رجل ابن عمر، أضع مرفقي على فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك (^١).
[صحيح].
الدليل السادس:
حكى الطحاوي إجماع المسلمين على الاستحباب (^٢).
وقال النووي في شرح مسلم: «وهذا أدب متفق على استحبابه» (^٣).
وقد ذكر العلماء من الحكمة في المجافاة أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، وليأخذ كل عضو من البدن بحظه من العبودية والخضوع، فيجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وعضديه عن جنبيه، ليستقل كل عضو منه بالعبودية، ويبقى الحكمة الأولى هي الاتباع، ولا أبلغ منها حكمة، فإن النبي ﷺ بعث في الأميين يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فكل تعاليمه ﷺ حكمة وتزكية (^٤).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦١).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٠).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩).
(٤) كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣٥٤).
[ ١٠ / ٣١٤ ]