المدخل إلى المسألة:
• خطاب الرجل في الأحكام تدخل فيه المرأة إما بشمول الخطاب أو بمقتضى القياس إلا بدليل.
• النساء دخلن في أكثر الأوامر المطلقة في الشرع كالأمر بالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك فدل أن دخولهن إما بمقتضى الشرع، أو بمقتضى اللغة.
• وضعت اللغة ضميرًا مذكرًا خاصًّا بالذكور، وضميرًا مؤنثًا خاصًّا بالإناث، ولم تضع ضميرًا له دلالة على الجمع بين الذكور والإناث، فإذا كانت العبادات لا تخص الذكور وحدهم ولا الإناث وحدهم كان الضمير المذكر يعم الجميع إلا بدليل.
• المرأة كالرجل في الصلاة إلا ما استُثْنِيَ، وقد صح استثناء التجافي من عموم خطاب: صلوا كما رأيتموني أصلي.
• المرأة خالفت الرجل في بعض العبادات، فلا ترمل في الطواف والسعي، ولا تصعد على الصفا والمروة، وتصفق إذا سها الإمام في الصلاة، ولا يشرع لها الأذان لصلاتها، فالقول بمفارقة المرأة الرجل في التجافي ليس بعيدًا عن الأثر ومقتضى القياس.
[م-٦٧٣] اختلف الفقهاء في المرأة أتجافي يديها عن جنبيها، وبطنها عن فخذيها كالرجل أم أن حكمها يختلف عن حكم الرجل؟
فقيل: لا تستحب المجافاة للمرأة، بل يشرع لها أن تلزق بطنها بفخذيها؛ وعضديها بجنبيها، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة،
زاد السمرقندي الحنفي في التحفة والكاساني في البدائع وابن عابدين في
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
حاشيته: وأن تفترش ذراعيها (^١).
قال السمرقندي: «أما المرأة فينبغي أن تفترش ذراعيها وتنخفض ولا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بطنها بفخذيها لأن هذا أستر لها» (^٢).
وقال ابن جزي في آداب السجود: «وهي ثمانية: أن يجافي بين ركبتيه، وبين مرفقيه وجنبيه، وبين بطنه وفخذيه، وهو التفريج، ولا تفرج المرأة» (^٣).
وقال الشافعي في الأم: «وأحب للمرأة في السجود أن تضم بعضها إلى بعض وتلصق بطنها بفخذيها وتسجد كأستر ما يكون لها» (^٤).
وقيل: هي كالرجل، وهو قول في مذهب المالكية، ومذهب الظاهرية (^٥).
جاء في شرح ابن ناجي التنوخي نقلًا من المختصر: «جلوسها، وكل شأنها في صلاتها كالرجل إلا في اللباس» (^٦).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، الثمر الداني على شرح الرسالة (ص: ١١٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٤٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، الثمر الداني على شرح الرسالة (ص: ١١٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٤٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٩)، الأم (١/ ١٣٨)، مختصر المزني (ص: ١٠٩)، الحاوي الكبير (٢/ ١٦١)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٠٩، ٥٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨١٢)، المغني (١/ ٤٠٣)، الفروع (٢/ ٢٢٢)، الإنصاف (٢/ ٩٠)، المبدع (١/ ٤٢١)، الإقناع (١/ ١٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٥).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، وانظر بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).
(٣) القوانين الفقهية (ص: ٤٦).
(٤) الأم (١/ ١٣٨).
(٥) لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٣٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٦)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦١)، تحبير المختصر لبهرام (١/ ٣٠٤).
(٦) شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦١).
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
• دليل الجمهور على استحباب ترك المجافاة للمرأة:
الدليل الأول:
(ح-١٨٧٣) ما رواه أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، أخبرنا حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان،
عن يزيد بن أبي حبيب، أن رسول الله ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فَضُمَّا بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل (^١).
[مرسل حسن، وهو حجة لمن يحتج بالمرسل، وهم الجمهور] (^٢).
الدليل الثاني:
(ث-٤٥٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا أبو عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أيوب، عن يزيد بن حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج،
عن ابن عباس أنه سئل عن صلاة المرأة، فقال: تجتمع وتحتفز (^٣).
[رجاله ثقات إلا أن بكير بن عبد الله بن الأشج لم يدرك ابن عباس] (^٤).
_________________
(١) المراسيل لأبي داود (٨٧).
(٢) ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٥). قال الذهبي في اختصار السنن (٢/ ٦٦٢): خرَّجه أبو داود في المراسيل، وهو من أضعف المراسيل. اه ولعل الذهبي اعتمد في حكمه على تجريح الدارقطني، فقد انفرد بتجريحه، قال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني (٢٠٥): متروك. وهو معارض بقول الإمام أحمد: ما أرى به بأسًا. العلل (٣٣٤٧)، الجرح والتعديل (٤/ ١٨٧). وقال أبو داود كما في سؤالات الآجري (٥٢٩): لا بأس به. وقال النسائي ليس به بأس. تهذيب الكمال (١٠/ ١٦٨). وذكره ابن حبان في الثقات (٨٣٣١)، ووثقه العجلي. وقال ابن يونس كما في تاريخه (٥٢٤): كان فقيهًا. وفي التقريب: ليس به بأس وقال الهيثمي في مجموع الزوائد في إسناد فيه سالم بن غيلان، قال: رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان، وهو ثقة. مجمع الزوائد (٨/ ٣٧). فجرح الإمام الدارقطني غير مفسر، وقد عورض بتوثيق جملة من الأئمة.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٧٨).
(٤) تفرد به عن ابن عباس بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، وليس له رواية عن ابن عباس إلا هذا الأثر، ولم يدركه.
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
فهذا الأثر الصحيح يعتضد به المرسل السابق، فيكون حجة حتى على مذهب الشافعية الذي يشترطون للاحتجاج بالحديث المرسل أن يعتضد.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٧٤) ما رواه البيهقي من طريق أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، عن عمر بن ذر، عن مجاهد،
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ إذا جلست المرأة في الصلاة وضعت فخذها على فخذها الأخرى، وإذا سجدت ألصقت بطنها في فخذيها كَأَسْتَرِ ما يكون لها، وإن الله تعالى ينظر إليها ويقول: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لها (^١).
[ضعيف جدًّا] (^٢).
الدليل الرابع:
(ث-٤٥٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي ﵁، قال: إذا سجدت المرأة فَلْتَحْتَفِرْ، ولتضم فخذيها (^٣).
[ضعيف جدًّا] (^٤).
الدليل الخامس:
من النظر، فإن المرأة إذا جمعت نفسها، وانضمت فإنه أستر لها والمرأة مأمورة
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣١٥).
(٢) ومن طريق أبي مطيع البلخي أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٠١)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٠٠). وفي إسناده أبو مطيع: الحكم بن عبد الله البلخي، صاحب أبي حنيفة، فقيه بصير بالرأي علامة كبير الشأن، كان ابن المبارك يعظمه ويبجله لعلمه ودينه، ولكنه واهٍ في ضبط الأثر، فالأثر ضعيف جدًّا. انظر: لسان الميزان (٣/ ٢٤٦).
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٢٧٧٧).
(٤) في إسناده الحارث بن عبد الله مجروح العدالة.
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
بالستر، فلا يؤمن أن يبدو شيء منها وقت التجافي.
ومقتضى هذا التعليل أنها لو كانت وحدها، أو مع نساء فيشرع في حقها التجافي كالرجل، كما قيل ذلك في الجهر بالقراءة إذا أمت النساء.
• دليل من قال: تستحب لها المجافاة:
(ح-١٨٧٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:
حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي … الحديث (^١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، فالخطاب شامل للرجال والنساء، ولم يرد في السنة ما يقتضي استثناء النساء من عموم هذا الخطاب، والأصل أن ما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل.
• ويناقش:
بأن هذا العموم صحيح في الجملة وقد ورد مرسل حسن، وأثر عن ابن عباس صحيح، فكان الأثر يعضد المرسل، فيكون المرسل حجة عند الأئمة الأربعة، وإذا صح الاحتجاج بالمرسل صح استثناء هذه المسألة من عموم موافقة المرأة للرجل في الأحكام.
يقول الشافعي، وهو الذي لا يرى الاحتجاج بالمرسل، يقول في الرسالة:
فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين، فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ، اعتبر عليه بأمور: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد كذلك كان دلالة يقوى له مرسله
وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، قولًا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ، كانت في هذه دلالة على أنه لم
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
يأخذ مرسله إلا عن أصل يَصِحُّ إن شاء الله، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي ﷺ» (^١).
وقد رأينا المرأة تخالف الرجل في بعض العبادات، فلا ترمل في الطواف والسعي، ولا تصعد على الصفا والمروة، وتصفق إذا سها الإمام في الصلاة، ولا يشرع لها الأذان لصلاتها، فالقول بمفارقة المرأة الرجل في التجافي ليس بعيدًا عن الأثر ومقتضى القياس.
• الراجح:
أن المرأة لا تجافي في صلاتها كما يجافي الرجل، وترفع مرفقيها عن الأرض، فقول بعض الحنفية أنها تفترش ذراعيها قول ضعيف، ولم يتفق عليه في المذهب، والله أعلم.
_________________
(١) الرسالة (ص: ٤٦١).
[ ١٠ / ٣٣٠ ]