المدخل إلى المسألة:
• مجافاة البطن عن الفخذين سنة متفق عليها بين الفقهاء.
• قال ﷺ اعتدلوا في السجود، والاعتدال أن تكون فيه وسطًا فلا تبالغ في مَدِّ الظهر، ولا تقبضه فيلصق البطن على الفخذ والفخذ على الساق.
• إمكان مرور البهيمة من تحته ﷺ إذا سجد فيه دلالتان على المجافاة:
مجافاة البطن عن الفخذ المأخوذ من إمكان مرور البهيمة بين يديه.
ومجافاة اليدين عن الجنبين، وهي من دلالة الالتزام، فإنه لو ألصق يديه بجنبيه ما أمكن للبهيمة مرورها بين يديه
[م-٦٧٢] ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب مجافاة البطن عن الفخذين في الصلاة (^١).
_________________
(١) الهداية (١/ ٥١، ٥٢)، كنز الدقائق (ص: ١٦٤)، الدر المختار (ص: ٦٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٦)، البحر الرائق (١/ ٣٣٨، ٣٣٩)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦١٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٥٧)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، الأم (١/ ١٣٧)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٤٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥١)، المغني (١/ ٣٣١)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).
[ ١٠ / ٣١٥ ]
قال ابن قدامة ﵀: «وجملته أن من السنة أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه إذا سجد؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في سجوده» (^١).
وقد استدلوا على هذه السنة المتفق عليها بما يلي:
الدليل الأول:
(ح-١٨٦٦) بما رواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يحدث،
عن وائل الحضرمي أنه رأى النبي ﷺ صلى فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده الحديث (^٢).
[حسن] (^٣).
وقوله: (وخوَّى في سجوده)، قال الجوهري في الصحاح: «خَوَّى البعير تَخْوِيَةً: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده، والطائر إذا أرسل جناحيه» (^٤).
وقال في أساس البلاغة: «خوى الرجل في سجوده … وهو أن يبقى بينه وبين الأرض خواء …» (^٥).
وقال ابن الأثير في النهاية: «أي جافى بطنه عن الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه، حتى يخوى ما بين ذلك» (^٦).
فهنا أطلق قوله: (وخوَّى) ليشمل مجافاة البطن عن الفخذ، ومجافاة العضد عن الجنب، ليجعل بينه وبين الأرض خواء: أي هواء وفجوة؛ لأن أصل الخواء كما
_________________
(١) المغني (١/ ٣٧٣).
(٢) المسند (٤/ ٣١٩).
(٣) سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٤٧).
(٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٣٣٣).
(٥) أساس البلاغة (١/ ٢٧٢).
(٦) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٩٠)، وانظر غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٣١٤).
[ ١٠ / ٣١٦ ]
قال الهروي: المكان الخالي، ومنه يقال: خوى الرجل: إذا خلا جوفه (^١).
وقال الشافعي في الأم: «أحب للساجد أن يكون مُتَخَوِّيًا، والتخوية: أن يرفع صدره عن فخذيه، وأن يجافي مرفقيه وذراعيه عن جنبيه، حتى إذا لم يكن عليه ما يستر تحت منكبيه رأيت عفرة إبطيه » (^٢).
وقال في اللباب في علوم الكتاب: «(… إذا سجد خوَّى) أي خلا عن عضده وجنبيه، وبطنه وفخذيه» (^٣).
الدليل الثاني
(ح-١٨٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق،
عن البراء بن عازب أنه وصف السجود، قال: فبسط كفيه، ورفع عجيزته، وخَوَّى، وقال: هكذا سجد النبي ﷺ (^٤).
[اختلف على شريك في ذكر كلمة (خَوَّى)، والأكثر على عدم ذكرها] (^٥).
_________________
(١) انظر الغريبين في القرآن والحديث للهروي (٢/ ٦٠٧)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٩٠).
(٢) الأم (١/ ١٣٧، ١٣٨).
(٣) اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٣٥٠).
(٤) مسند أحمد (٤/ ٣٠٣).
(٥) رواه أبو كامل كما في مسند أحمد (٤/ ٣٠٣)، عن شريك، وذكر كلمة (وخوى). وتابعه على ذكر كلمة (خوى) كل من: سعيد بن سليمان (سعدويه ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦)، وعبد الحميد الحماني في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣١)، والحماني في التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء. ورواه أسود بن عامر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥٠) عن شريك به، فقال: (فاعتمد على كفيه، ورفع عجيزته فقال: هكذا كان النبي ﷺ يسجد). وبنحو هذا اللفظ رواه كل من: الربيع بن نافع كما في سنن أبي داود (٨٩٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦). وعلي بن حجر المروزي كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٠٤)، وفي الكبرى (٦٩٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٦). =
[ ١٠ / ٣١٧ ]
فأطلق كلمة (خوى) لتشمل مجافاة البطن عن الفخذين ومجافاة اليدين عن الجنبين.
الدليل الثالث:
(ح-١٨٦٨) ما رواه أبو داود في السنن من طريق بقية، حدثني عتبة يعني ابن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي،
عن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ قال: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه (^١).
[انفرد عبد الله بن عيسى بقوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) وهو حرف شاذ] (^٢).
_________________
(١) = ومعلى بن منصور كما في مسند الروياني (٢٨٠)، وزهير كما في مسند علي بن الجعد (٢٥١٠)، فهؤلاء خمسة من الرواة رووه عن شريك، عن أبي إسحاق به، ولم يقل أحد منهم (خَوَّي). وشريك وإن كان سيئ الحفظ إلا أنه ثقة في أبي إسحاق، وسماعه قديم. قال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٣٤٨): سمعتُ أبي يقول: قال شريك، عن أبي إسحاق. فقال: كان ثبتًا فيه. قال شريك: وقال له إنسان: ما أكثر حديثك عن أبي إسحاق. فقال: وددت أني كتبت نَفَسَه، وكان يتلهف عليه. ولم ينفرد شريك بلفظ (خوى) فقد رواه ابن مخلد البزار في حديثه عن شيوخه (٢٩٧ - ٤٠) من طريق أبي الجواب الأحوص بن جواب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق به، ولفظه: (كان رسول الله ﷺ إذا سجد خوى).
(٢) سنن أبي داود (٧٣٥).
(٣) حديث أبي حميد الساعدي رواه كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل. أما محمد بن عطاء فرواه عنه اثنان. الأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، وحديثه في صحيح البخاري (٨٢٨)، وليس في لفظه قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه). والثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، رواه عن عبد الحميد بن جعفر، يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وأبو أسامة، حماد بن أسامة، وهشيم بن بشير، وعبد الملك بن الصباح المسمعي، وغيرهم وليس في رواية عبد الحميد بن جعفر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) وقد سبق تخريج رواية عبد الحميد بن جعفر، وهي خارج الصحيحين. وأما رواية عباس بن سهل، فرواها عنه ثلاثة: =
[ ١٠ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأول: فليح بن سليمان (صدوق كثير الخطأ). الثاني: محمد بن إسحاق، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨١)، وقد اتفق فليح وابن إسحاق على عدم ذكر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)، وقد سبق تخريج هذه الطرق فيما سبق، انظر (ص: ٤٧٣) من هذا المجلد. الثالث: عيسى بن عبد الله، عن عباس بن سهل، وقد اختلف عليه في إسناده، كما اختلف عليه في لفظه، فرواه الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله وليس فيه (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه). ورواه عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الله، فزاد قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)، فواضح شذوذ هذا الحرف حيث لم يذكر إلا في هذا الطريق. وسواء اعتبرنا العهدة في هذه الزيادة على عتبة بن أبي حكيم، أو كانت من شيخه عيسى بن عبد الله، فلا يحتمل التفرد بهذه الزيادة، والمخالفة لكل من روى حديث أبي حميد الساعدي. فعيسى بن عبد الله قليل الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقد وصمه بالجهالة كل من علي بن المديني، وابن القطان الفاسي، وفي التقريب: مقبول. وعتبة بن أبي حكيم، قال الآجري عن أبي داود، سألت يحيى بن معين عنه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد يوهنه قليلًا، وقد سئل عنه أبي، فقال: صالح، لا بأس به. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠، ٣٧١)، وقال النسائي: ضعيف، وفي موضع آخر: ليس بالقوي. وقال دحيم: لا أعلمه إلا مستقيم الحديث. وهو أعلم بأهل الشام من غيره. وعلى كل حال فحديثه من قبيل الحسن ما لم يخالف، كيف وقد تفرد بمثل هذا اللفظ الذي لم يرد في كل طرق حديث أبي حميد الساعدي. إذا علمت هذا، نأتي لتخريج طريق عيسى بن عبد الله، فهو الطريق الذي لم يخرج سابقًا من طرق حديث أبي حميد الساعدي. فقد اختلف عليه في إسناده: فقيل: عن عيسى بن عبد الله، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد. رواه أبو داود في السنن (٧٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٦)، ورواه الطبراني في الكبير (١/ ٤٣٣) ح ٧٦٣، كلاهما (أبو داود والطبراني) عن عمرو بن عثمان، عن بقية، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٠) من طريق إسماعيل بن عياش، كلاهما (بقية بن الوليد وابن عياش) عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى -وفي رواية الطبراني: عبد الله بن عيسى وهو خطأ، وفي رواية ابن عياش: عيسى بن عبد الرحمن- عن =
[ ١٠ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العباس بن سهل به، بذكر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه). والصواب في اسمه: عيسى بن عبد الله بن مالك الدار. وقيل: عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل أو عياش ابن سهل الساعدي، بذكر واسطة بين عيسى والعباس بن سهل. ولفظه بتمامه من طريق الوليد بن شجاع السكوني قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا الحسن بن الحر قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، أنه كان في مجلس كان فيه أبوه -وكان من أصحاب النبي ﷺ وفي المجلس أبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي، من الأنصار، وأنهم تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فأرنا، قال: فقام يصلي وهم ينظرون فبدأ يكبر، ورفع يديه حذاء المنكبين، ثم كبر للركوع، فرفع يديه أيضًا، ثم أمكن يديه من ركبتيه غير مقنع ولا مصوب، ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ثم رفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد، فانتصب على كفيه، وركبتيه، وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر، فجلس، وتورك إحدى رجليه، ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد الأخرى، فكبر، فقام، ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى، وكبر كذلك، ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام، كبر، ثم ركع الركعتين الأخيرتين، فلما سلم، سلم عن يمينه: سلام عليكم ورحمة الله، وسلم عن شماله: سلام عليكم ورحمة الله. قال الحسن بن الحر: وحدثني عيسى أن مما حدثه أيضا في المجلس في التشهد: أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم يشير في الدعاء بإصبع واحدة. اه روى أبو داود بعضه (٧٣٣، ٩٦٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٠) و(٤/ ٣٥٤)، وفي مشكل الآثار (٦٠٧١، ٦٠٧٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢٩) ح ٥٧٣٨، وابن حبان بتمامه (١٨٦٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (٢٤٠)، وأبو العباس في مسنده (١٠٠، ١٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٦)، من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد، حدثني زهير أبو خيثمة، حدثنا الحسن بن الحر، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء به. فأخطأ في إسناده في ذكر واسطة بين محمد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد، وهذا الخطأ من قبل عيسى بن عبد الله حيث لم يضبط إسناده، كما لم يضبط لفظه، وقد خالفه كل من: محمد بن عمرو بن حلحلة، كما في صحيح البخاري (٨٢٨). وعبد الحميد بن جعفر، فروياه عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ليس بينهما واسطة، وهو المحفوظ. قال البيهقي (٢/ ١٤٧): «روى عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن =
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
الدليل الرابع
(ح-١٨٦٩) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (^١).
قال ابن رجب: «قوله: (اعتدلوا في السجود) يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنما يكون مع التجافي» (^٢).
فالحديث أمر بالاعتدال في السجود، ونهى عن بسط الذراعين.
فالاعتدال في السجود لا يراد منه تسويته فإن ذلك يعني استواء أسفل الظهر بعنقه، ومعلوم أن أسفل الظهر في السجود أعلى من العنق، وإنما أراد بالاعتدال: التوسط بين الافتراش والقبض قاله ابن حجر.
فلا يمد ظهره مدًّا مبالغًا فيه يخرجه عن حد الاعتدال، ولا يقبضه بحيث يبسط ذارعيه على الأرض ويلصق بطنه بفخذيه، بل يكون وسطًا بينهما وذلك برفع البطن
_________________
(١) = سهل، عن أبي حميد، ولم يذكر محمدًا في إسناده، والصحيح أن محمد بن عمرو بن عطاء قد شهده من أبي حميد الساعدي». وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٢٥٥): «رواه الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب (يعني: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل الساعدي). وخالفه عتبة بن أبي حكيم فرواه عن عيسى، عن العباس نفسه، لم يذكر محمد بن عمرو. ورواه عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، وأسقطا العباس من إسناده». قلت: والمعروف في إسناد الحديث، أن عيسى بن عبد الله، وفليحًا، وابن إسحاق يروونه عن العباس بن سهل، عن أبي حميد، ليس فيه محمد بن عمرو بن عطاء. وأن محمد بن عمرو بن حلحلة، وعبد الحميد بن جعفر يرويانه، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ليس فيه العباس بن سهل، وكل من خالف ذلك فقد أخطأ في إسناده، والله أعلم.
(٢) صحيح البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٢٣٣ - ٤٩٣).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٠).
[ ١٠ / ٣٢١ ]
عن الفخذين، ورفع المرفقين عن الأرض.
يقول شيخنا ابن عثيمين ﵀ في تفسير الاعتدال في السجود: «اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تهصرون فينزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون كما يفعل بعض الناس إذا سجد، يمتد حتى يقرب من الانبطاح، فهذا لا شك أنه من البدع، وليس بسنة فما ثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة فيما نعلم أنَّ الإنسانَ يمدُّ ظهره في السجود، إنَّما مَدُّ الظهر في حال الركوع، أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده» (^١).
الدليل الخامس:
(ح-١٨٧٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، واسع بن حبان،
عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله ابن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين، مستقبلًا بيت المقدس لحاجته. وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله.
قال مالك: «يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض» (^٢).
فقول ابن عمر موقوفًا عليه: (لعلك من الذين يصلون على أوراكهم) قال ذلك على وجه التحذير له من الصلاة عليها، وقد فسر مالك الصلاة على الأوراك بأن يلصق بطنه بفخذيه إذا سجد، وهو خلاف هيئة السجود المشروعة، من مجافاة البطن عن الوركين.
الدليل السادس:
نقل الإجماع الشوكاني في نيل الأوطار بأنه لا خلاف في مشروعية التفريج
_________________
(١) الشرح الممتع (٣/ ١٢١).
(٢) صحيح البخاري (١٤٥).
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
بين الفخذين في السجود، ورفع البطن عنهما (^١).
الدليل السابع:
(ح-١٨٧١) فقد روى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم،
عن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت (^٢).
قال في الهداية: «ويجافي بطنه عن فخذيه؛ لأنه ﵊ كان إذا سجد جافى حتى إن بهمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت» (^٣).
وقال الشوكاني: «والمراد أنه لم يجعل شيئًا من فخذيه حاملًا لبطنه، بل يرفع بطنه عن فخذيه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت» (^٤).
فإن قيل:
(ح-١٨٧٢) قد رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم به، بلفظ:
كان رسول الله ﷺ إذا سجد خَوَّى بيديه -يعني جنح- حتى يرى وضح إِبْطَيْهِ من ورائه الحديث (^٥).
ورواه مسلم من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم،
عن ميمونة بنت الحارث، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه (^٦).
فلماذا لا يحمل مرور البهيمة بين يديه على المجافاة،
قيل: إن إمكان مرور البهيمة من تحته إذا سجد فيه دلالتان على المجافاة:
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار (٢/ ٢٩٧).
(٢) صحيح مسلم (٢٣٧ - ٤٩٦).
(٣) الهداية شرح البداية (١/ ٥١، ٥٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩).
(٤) نيل الأوطار (٢/ ٢٩٧).
(٥) صحيح مسلم (٢٣٨ - ٤٩٧).
(٦) صحيح مسلم (٢٣٩ - ٤٩٧).
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
مجافاة البطن عن الفخذ المأخوذ من إمكان مرور البهيمة بين يديه.
ومجافاة اليدين عن الجنبين، وهي من دلالة الالتزام، فإنه لو ألصق يديه بجنبيه ما أمكن للبهيمة مرورها بين يديه، والله أعلم.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]