المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل صحيح في رص العقبين، والأصل عدم الاستحباب.
• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون المصلي على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل
• غياب النص عن حكم مسألة ما يراد منه التوسعة على المصلي، وما كان ربك نسيًا.
[م-٦٧٥] اختلف العلماء في استحباب التفريج بين القدمين في السجود،
فقيل: ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب التفريج بين القدمين تفريجًا وسطًا، قدره الشافعية بمقدار شبر.
قال النووي: «قال الشافعي والأصحاب: يستحب للساجد أن يفرج بين ركبتيه، وبين قدميه، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: يكون بين قدميه قدر شبر» (^١).
وقال في الإقناع: «ويفرق بين ركبتيه ورجليه» (^٢).
وفي المستوعب: «يكره أن يلصق كعبيه» (^٣).
_________________
(١) مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٦)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٣١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٦، ٨١٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، المغني (١/ ٣٧٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، المبدع (١/ ٤٠٥)، الروض المربع (ص: ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، الفروع (٢/ ٢٠٣).
(٢) الإقناع (١/ ١٢١).
(٣) نقله في الفروع، وحمله على صفة السجود (٢/ ٢٠٣)، ونقله صاحب الإنصاف (٢/ ٦٩) وظاهره أنه في حال القيام.
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
وقال بكر أبو زيد: «لم أر في كتب الحنفية والمالكية شيئًا، ورأيت في كتب الشافعية والحنابلة استحباب التفريق تحصل من هذا أنه لا ذكر لجمع العقبين حال السجود في شيء من المذاهب الأربعة » (^١).
وقيل: السنة أن يلصق عقبيه، اختاره أبو السعود من الحنفية، وترجم ابن خزيمة من الشافعية في صحيحه فقال: باب ضم العقبين في السجود، واختاره ابن تميم من الحنابلة (^٢).
• دليل من قال: لا يستحب أن يلصق عقبيه:
الدليل الأول:
(ح-١٨٧٩) ما رواه أبو داود في السنن من طريق بقية، حدثني عتبة يعني ابن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي،
عن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ قال: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه (^٣).
[ضعيف] (^٤).
وجه الاستدلال:
أن القدمين تبع للفخذين ما دام لم يرد في القدمين سنة صحيحة تبين صفة وضعهما.
• وأجيب:
بأنه لا يلزم من تفريج الفخذين تفريج القدمين، فيمكن للمصلي أن يفرج بين فخذيه ويضم قدميه.
الدليل الثاني:
لا يوجد دليل صحيح في رص العقبين، والأصل عدم الاستحباب.
_________________
(١) لا جديد في أحكام الصلاة (ص: ٦٩).
(٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٢٨)، مختصر ابن تميم (٢/ ١٤٦).
(٣) سنن أبي داود (٧٣٥).
(٤) سبق تخريجه. انظر: (ح ١٨٦٨)، وانظر أيضًا (ح ١٧٤٨، ١٨٥١).
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
الدليل الثالث:
إذا عدم الدليل كان الإنسان حرًّا في وضع قدميه، إما أن يضعهما على طبيعتها تبعًا لفخذيه؛ لأن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل
وإما أن يكون مخيرًا بأن يضعهما كيف تيسر له، لأن غياب النص فيه توسعة للمصلي فيكون الخيار له، وما كان ربك نسيًّا.
• دليل من قال: يستحب أن يرص عقبيه:
(ح-١٨٨٠) ما رواه ابن خزيمة من طريق ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن غزية قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عروة بن الزبير يقول:
قالت عائشة زوج النبي ﷺ: فقدت رسول الله ﷺ وكان معي على فراشي، فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: أعوذ برضاك من سخطك الحديث (^١).
[غريب من حديث عروة، وفي إسناده يحيى بن أيوب، وقد تفرد بقوله: (راصًّا عقبيه)، والحديث في مسلم من طريق آخر، وليس فيها قوله: (راصًّا عقبيه)] (^٢).
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٦٥٤).
(٢) رواه ابن خزيمة (٦٥٤)، وعنه ابن حبان (١٩٣٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٢)، والحاكم في المستدرك (٨٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٤٨)، من طريق سعيد بن أبي مريم به. ولم يتابع يحيى بن أيوب المصري على قوله: (راصًّا عقبيه)، وهو صدوق سيئ الحفظ. قال أحمد في رواية: سيئ الحفظ. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. والحديث أصله في صحيح مسلم بغير هذا الإسناد، وينظر كيف تفرد بهذا الحديث أبو النضر سالم ابن أبي أمية عن عروة بهذا الحديث، وهو مقل في روايته عنه، وعروة له أصحاب يعتنون بروايته، وقد يكون الحمل على يحيى بن أيوب المصري في إسناد الحديث مع ما تفرد به من لفظه. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، لا أعلم أحدًا ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث». =
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
• ويجاب:
قال بكر أبو زيد: لا يعرف في رصِّ الساجد عقبيه آثار عن السلف من الصحابة ﵃، فمن بعدهم، وأنه لم يتم الوقوف على تفريع لأَحد من الفقهاء بمشروعية رَصِّ العقبين حال السجود سوى كلمة ابن تميم، ومن معه ممن لم يُسَمَّ من الحنابلة، ولَعَلَّها من شاذ التفقه.
فبقي أن يقال: المشروع للساجد: هو تفريج القدمين؛ استصحابًا للأَصل حال القيام في الصلاة ولأَن سنة السجود: الاعتدال في الهيئة، والمجافاة، والتفاج، وتفريق الأَعضاء، أعضاء السجود، ومنها التفريق بين الركبتين، والفخذين، والقدمان تابعان للفخذين، فتكون السنة فيهما كذلك.
_________________
(١) = علق الشيخ بكر أبو زيد في كتابه لا جديد في أحكام الصلاة (ص: ٧٤): وهذه كلمة استقرائية مفيدة شذوذ هذه اللفظة ونكارتها، وأن ترجمة ابن خزيمة لهذه الرواية بقوله: «باب ضم العقبين في السجود» تعني فقه هذه الرواية التي أَسندها مع صرف النظر عن صحتها من عدمها، لا أنها صحيحة في نفس الأَمر ويقع هذا كثيرًا في تراجمه فتدبر». قال الشيخ ابن باز ﵀ كما في فتاوى نور على الدرب (٨/ ٢٩٤): «أما ما يروى أنه ﷺ كان ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبل بأطراف أصابعه القبلة) فهذا فيه نظر، الظاهر أنه شاذ، ومخالف للأحاديث الصحيحة … والمحفوظ أنه ﷺ كان يقيم قدميه، كل واحدة منفردة عن الأخرى». اه والحديث في مسلم من طريق أصح، وليس فيه قوله: (راصًا عقبيه). فقد رواه مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦) من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك … الحديث. قال شيخنا ابن عثيمين كما في فقه العبادات (ص: ١٦١): «معلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضها قد ضم إلى بعض، وكذلك جاء صريحًا في صحيح ابن خزيمة ﵀ أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود». اه ولا يلزم من وقوع اليد على القدمين أن تكون ملتصقتين، نعم قد يدل على أنه لا يفرج بينهما تفريجًا شديدًا هذا إذا فسرنا قوله: (فوقعت يدي) أنها إحدى يديها، واليد نكرة مضافة إلى معرفة، فقد تريد بها كلتا يديها، واللغة تحتمله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ف (نعمة) مفردة مضافة إلى معرفة، فعمت.
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
فثبت بهذا: أن السنة في القدمين حال السجود هو التفريق باعتدال على سَمْتِ البدن، دون غلو في التفريج، ولا جفاء في الإِلصاق ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والله تعالى بأَحكامه أَعلم.
• الراجح:
أن الأمر واسع، ليس فيه سنة كاشفة، بقاء القدمين على طبيعتهما أقرب.
[ ١٠ / ٣٣٨ ]