المدخل إلى المسألة:
النية شرعت لتمييز العبادة عن العادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز الفريضة من النافلة.
الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهما بالنية.
الخروج تختلف أحكامه باختلاف أنواعه، فكانت الحاجة إلى النية لتمييز خروج السفر عن غيره، فليس كل من فارق عامر قريته كان مسافرًا.
الإقامة هي الأصل، فلا ينتقل عنها إلا بنية السفر مع الشروع فيه.
الانتقال إلى حكم السفر لا يحصل إلا بشرطين: العمل والنية، بخلاف الإقامة فإنها تصح بالنية دون العمل.
السفر فعل، فلا يتحقق بمجرد النية، فيشترط قران النية بأدنى فعل.
نية الإقامة وحدها تقطع حكم السفر؛ لأن الإقامة ترك ضدها، وترك الفعل لا يحتاج إلى فعل.
نية السفر وحدها لا تكفي للترخص؛ لأن الرجل قد ينوي السفر، ولا يسافر.
[م-١١١٦] لما كان خروج الرجل ومفارقته عمران بلده يتنوع، فقد يكون خروجًا للسفر، وقد يكون خروجًا لما دون السفر، كما لو خرج لإصلاح ضيعته، أو خرج هائمًا على وجهه دون أن يقصد مكانًا معينًا أو مسافة معينة، أو خرج في طلب جمل شارد ليرجع من أين وجده، أو كان خروجه طلبًا للكلأ متى وجده قرَّ مكانه، وأحكامهم مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهم بالنية.
[ ١٨ / ١٤٢ ]
ولأن الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهما بالنية.
ولأن الإقامة هي الأصل، فلا ينتقل عنها إلا بنية السفر مع الشروع فيه.
فالشروع في السفر من غير نية السفر لا يكفي للترخص؛ لأنه قد يخرج لمسافة لا تقصر فيها الصلاة.
ولأن الدابة والسفينة قد تجري بالراكب وتخرج به عن البلد، فإذا لم يكن مع هذا الخروج نية السفر لم يكن مسافرًا.
ونية السفر وحدها من غير الشروع في السفر لا تكفي للترخص أيضًا؛ لأن الرجل قد ينوي السفر ولا يسافر، فكان الشرط: نيةَ السفر مع الشروع فيه (^١).
ولحديث عمر بن الخطاب المتفق عليه: (إنما الأعمال بالنيات) (^٢).
وكما أنه لا يدخل الصلاة بمجرد النية حتى يكبر، ولا يدخل الإحرام بالنية حتى يتلبس بالنسك، فكذلك لا يدخل أحكام السفر بمجرد النية، بل لا بد أن يقترن ذلك بالشروع في السفر.
قال الحنفية: لو قطع مسافة بعيدة، لا لنية السفر لم يترخص (^٣).
وقال السغدي في النتف: «ويصير الرجل مسافرًا بشيئين: بخروجه من بلده مع نية السفر» (^٤).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
فاشترط لنفي الجناح عن القصر الضرب في الأرض، وهو لا يكون ضاربًا في الأرض بمجرد النية.
_________________
(١) المخارج في الحيل من الأصل لمحمد بن الحسن (ص: ١١٩)، بدائع الصنائع (١/ ٩٤)، التنبيه على مبادئ التوجيه (٢/ ٧٢٩)، شرح التلقين (٢/ ٩٣٠)، شرح البخاري لابن بطال (٤/ ٢١٩)، التوضيح لخليل (٢/ ٧٠)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٦٨)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ٢٩٩).
(٢) رواه البخاري (١)، واللفظ له، ورواه مسلم (١٩٠٧).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ٩٤)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٢، ٢٣٩، ١٩٨)، النتف في الفتاوى (١/ ٧٦).
(٤) النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٧٦).
[ ١٨ / ١٤٣ ]
قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «والضرب في الأرض لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل» (^١).
وقال ابن الملقن في شرح البخاري: «السفر يحتاج إلى عمل ونية، وليس كالإقامة التي تصح بالنية دون العمل» (^٢).
وإذا كان جمهور الفقهاء يشترطون أن يقصد في سفره جهة معينة، فلا يقصر من كان هائمًا على وجهه، كما سيأتي بحثه في شرط مستقل، فإن ذلك يلزم منه اشتراط نية السفر؛ لأن التمييز بين خروج الهائم وخروج المسافر لا يكون إلا بالنية (^٣).
وذكر الزركشي في القواعد والمازري في شرح التلقين: أن المسافر إذا نوى الإقامة صار مقيمًا بمجرد النية؛ بخلاف السفر فلا يحصل إلا بالنية والفعل (^٤).
وجه الفرق بينهما:
أن الإقامة هي الأصل، والسفر عارض.
ولأن نية الإقامة وجد معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار.
ونية السفر، وهو بالمدينة لم يوجد معها ما يلائمها؛ لأن الذي يلائمها ويطابقها السير الذي يجاوز البنيان؛ لأن البنيان حكمه حكم الاستيطان والقرار (^٥).
واشترط الحنفية أن ينوي الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية، فإن نوى الإقامة في المفازة أو في البحر لم ينقطع سفره، وهو وجه عند الشافعية (^٦).
_________________
(١) المعونة على مذهب عالم المدينة (١/ ٢٦٩).
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٤٧٦).
(٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥١)، جامع الأمهات (ص: ١١٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٨١)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٢)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٥٩)، فتح العزيز (٤/ ٤٣٢)، المجموع (٣/ ٢٤٠)، الفروع (٢/ ١٢٠)، المبدع (١/ ٣٥٤)، الإنصاف (٢/ ٥)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٦٧)، الإقناع (١/ ١٠٠)، معونة أولي النهى (٢/ ٦١).
(٤) شرح التلقين (٢/ ٩٣٠)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ٢٩٩).
(٥) انظر: شرح التلقين (٢/ ٩٣٠).
(٦) جاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٤٤): «ولو نوى قطع السفر بالإقامة صار مقيمًا وبطل سفره بخمس شرائط: ترك السير حتى لو نوى الإقامة سائرًا لم تصح، وصلاحية الموضع للإقامة، فلو نواها في بحر، أو جزيرة لم تصح، واتحاد الموضع، والمدة، والاستقلال بالرأي. فلا تصح نية التابع كذا في معراج الدراية. وإذا نوى المسافر الإقامة في أثناء صلاته في الوقت تحول فرضه إلى الأربع سواء نواها في أولها، أو في وسطها، أو في آخرها، وسواء كان منفردًا، أو مقتديًا، أو مدركًا، أو مسبوقًا». وانظر: غمز عيون البصائر (١/ ١٨٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٣٩)، الغاية في اختصار النهاية (٢/ ١٤٧).
[ ١٨ / ١٤٤ ]
واشترط الشافعية: أن ينوي الإقامة، وهو نازل، فإن كان سائرًا لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته (^١).
والمعتبر في النية هو نية الأصل دون نية التابع حتى يصير العبد مسافرًا بنية مولاه، والزوجة بنية الزوج، وكل من لزمه طاعة غيره، كالسلطان وأمير الجيش؛ لأن حكم التبع حكم الأصل، وعلى ذلك جمهور الفقهاء (^٢).
وفصل الشافعية، فقالوا: إذا اتبع العبد أو الزوجة السيد أو الزوج في السفر ولا يعرف كل واحد منهم مقصده، فلا قصر لهم؛ لأن الشرط لم يتحقق: وهذا قبل بلوغهم مسافة القصر، فإن قطعوها قصروا؛ وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم (^٣).
فلو نوت الزوجة أو العبد الإقامة مدة تمنع من القصر، ولم ينو الزوج، ففي المسألة قولان:
الأول: لا يلزمها الإتمام؛ لأنه لا اختيار لها في الإقامة، وهو مذهب الحنفية، وأقوى الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٤).
_________________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٣٩).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١٤٨)، بدائع الصنائع (١/ ٩٤)، المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٤)، البيان للعمراني (٢/ ٤٧٥)، بداية المحتاج (١/ ٣٦٠)، منهاج الطالبين (ص: ٤٥)، كفاية النبيه (٤/ ١٧١)، الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٦٠)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٠)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٤)، دقائق أولى النهى (١/ ٢٩٤)، التنقيح المشبع (ص: ١١٣)، غاية المنتهى (١/ ٢٣٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٠). وقد نقل زروق في شرحه على الرسالة (١/ ٣٦٠) كلام النووي فالظاهر أن المالكية ليس لهم نص في هذه المسألة.
(٣) انظر: مغني المحتاج (١/ ٥٢٤)، المنهاج (ص: ٤٥).
(٤) تحفة الفقهاء (١/ ١٤٨)، بدائع الصنائع (١/ ٩٤)، المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٤)، البيان للعمراني (٢/ ٤٧٥)، بداية المحتاج (١/ ٣٦٠)، منهاج الطالبين (ص: ٤٥)، كفاية النبيه (٤/ ١٧١)، الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٦٠)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٠)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٤)، دقائق أولى النهى (١/ ٢٩٤)، التنقيح المشبع (ص: ١١٣)، غاية المنتهى (١/ ٢٣٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٠). وقد نقل زروق في شرحه على الرسالة (١/ ٣٦٠) كلام النووي فالظاهر أن المالكية ليس لهم نص في هذه المسألة.
[ ١٨ / ١٤٥ ]
جاء في روضة الطالبين: «ولو نوى العبد إقامة أربعة أيام، أو الزوجة، أو الجيش ولم ينو السيد، ولا الزوج، ولا الأمير، ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى: أن لهم القصر؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم. والله أعلم» (^١).
وجاء في الإنصاف: «تقصر الزوجة والعبد تبعًا للزوج والسيد، في نيته وسفره، على الصحيح من المذهب» (^٢).
والثاني: يلزمهما الإتمام؛ لأنهما قد نويا الإقامة فصارا كغيرهما، وهو وجه عند الحنابلة، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٣٨٤).
(٢) الإنصاف (٢/ ٣١٦).
(٣) البيان للعمراني (٢/ ٤٧٥)، الإنصاف (٢/ ٣١٦).
[ ١٨ / ١٤٦ ]