المدخل إلى المسألة:
الضرب في الأرض عبارة عن سير يصير به الإنسان مسافرًا، لا مطلق السير.
شرط القصر: الخروج بنية قطع مسافة يقصر في مثلها الصلاة.
الهائم إذا عزم على قطع مسافة تبيح القصر من حين خروجه أو من نيته فله الترخص.
لا يقصر الهائم والراعي وطالب الآبق والشارد إلا إن علموا قطع مسافة القصر قبل بلوغ غايتهم.
لو طاف رجل الدنيا من غير قصد إلى قطع مسافة تبيح القصر لم يقصر.
[م-١١١٧] الهائم على وجهه في الأرض، ويسميه بعض الفقهاء راكب التعاسيف، فهما عبارتان عن شيء واحد.
وقيل: الهائم: الضائع، وراكب التعاسيف: من لا قصد له معلوم (^١).
وقيل: الهائم: وهو الذي لا يدري أين يتوجه، وإن سلك طريقًا، وراكب التعاسيف: وهو الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقًا، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان مقصدًا معلومًا (^٢).
يقال: هو يركب التعاسيف: إذا لم يسلك الطريق المستقيم (^٣).
وقد اختلف الفقهاء في ترخص الهائم:
فاشترط المالكية والشافعية والحنابلة في الأصح أن يربط سفره بمقصد معلوم
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه (٤/ ١١٢).
(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٨٥)، شرح مشكل الوسيط (٢/ ٢٥٤)،.
(٣) تهذيب اللغة (٦/ ٢٤٧)، وانظر: مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٨٩٧).
[ ١٨ / ١٤٧ ]
فلو خرج هائمًا على وجهه لم يترخص (^١).
والمعنى: أن يقصد مسافة تبيح القصر.
قال مالك: «فيمن طلب حاجة على بريدين، فقيل له: هي بين يديك على بريدين، فلم يزل كذلك حتى سار مسيرة أيام وليال: إنه يتم الصلاة ولا يقصر، فإذا أراد الرجعة إلى بلده قصر الصلاة إذا كان بينه وبين بلده أربعة برد فصاعدًا» (^٢).
واشترط الحنفية أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها (^٣).
جاء في البحر الرائق: «أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام، فلو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص» (^٤).
وجاء في خزانة المفتين: «لو طاف جميع العالم، بلا قصد سير ثلاثة أيام لا يصير مسافرًا» (^٥).
وصرح القدوري في التجريد صحة القصر لمن سافر ابتداء لغير غرض إذا قصد مسافة ثلاثة أيام، وهي المسافة التي يقصر فيها الصلاة عندهم (^٦).
وقال ابن شاس: «والمراد بالسفر، ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم لا يترخص» (^٧).
وقال الغزالي: «والسفر: هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص: وهو الذي لا يقصد موضعًا معينًا» (^٨).
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥١)، جامع الأمهات (ص: ١١٨)، القوانين الفقهية (ص: ٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٨١)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٢)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٥٩)، فتح العزيز (٤/ ٤٣٢)، المجموع (٣/ ٢٤٠)، الفروع (٢/ ١٢٠)، المبدع (١/ ٣٥٤)، الإنصاف (٢/ ٥)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٦٧)، الإقناع (١/ ١٠٠)، معونة أولي النهى (٢/ ٦١).
(٢) المدونة (١/ ٢٠٧).
(٣) البحر الرائق (٢/ ١٣٩)، مختصر القدوري (ص: ٣٨)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٩)، المبسوط (١/ ٢٣٦)، بدائع الصنائع (٢/ ٩٤)، بداية المبتدئ (ص: ٢٥)، الهداية للمرغيناني (١/ ٨٠).
(٤) البحر الرائق (٢/ ١٣٩).
(٥) خزانة المفتين (ص: ٧١٦).
(٦) التجريد للقدوري (٢/ ٨٩٨)، وانظر: بدائع الصنائع (١/ ٩٤).
(٧) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥١).
(٨) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٦٠).
[ ١٨ / ١٤٨ ]
وعلل المالكية والشافعية المنع: بأنه لما خرج لا يدري، أهو في سفر طويل أم قصير (^١).
قال خليل: «فسره ابن راشد وشيخنا بالذي لا يعزم على مسافة معلومة. قال شيخنا: كالفقراء المجردين، فإنهم يخرجون على غير موضع معلوم، وحيث طابت لهم بلدة أقاموا بها» (^٢).
وقال إمام الحرمين: «ولو أنه خرج لردِّ عبد آبق، أو طلب غريم، وكان لا يدري أنه يُدرك على القرب أو على البعد خصمَه، فحكمه حكم الهائم في بعض السفر؛ لأنه ليس له مقصد معيّن، ولا نحكم عليه بأنه في سفر طويل أو قصير، والقصرُ الذي نحن فيه مختص بالسفر الطويل» (^٣).
وقيل: الهائم إذا بلغ مسافة قصر يقصر، وهو وجه عند الحنابلة في مقابل الأصح (^٤).
جاء في المبدع: «لا بد من الجزم ببلوغ المسافة، فلو علم صاحبه في بلد بعيد، ونوى إن وجده قبله لم يقصر، وقيل: إن بلغ مسافة قصر قصر، وكذا سائح وتائه» (^٥).
وجه القول بأن له الترخص:
الكتاب العزيز لم يشترط إلا الضرب في الأرض، والهائم يضرب في الأرض،
ولأنه لا يشترط في الترخص أن يكون السفر قربة، ولا أن يربط خروجه لغرض، فالسير على وجهه في الأرض من السياحة المباحة، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١].
فإن كان منع الهائم على وجهه من القصر معللًا بأن الهائم لا يدري أسفره طويل أم قصير، كما ذكر المالكية والشافعية، فهذا يمكن أن يمنع من القصر حتى يتحقق أنه قطع من المسافة ما يصير به مسافرًا؛ ثمانية وأربعين ميلًا فأكثر على مذهب الجمهور، ومسيرة ثلاثة أيام على مذهب الحنفية، فقبل أن يقطع مسافة يباح
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٤٢٨)، فتح العزيز (٤/ ٤٣٢).
(٢) التوضيح (٢/ ٢٢).
(٣) نهاية المطلب (٢/ ٤٢٨).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٢٠)، المبدع (٢/ ١١٧).
(٥) المبدع (٢/ ١١٧).
[ ١٨ / ١٤٩ ]
له فيها الترخص لا يحق له الترخص؛ لأنه لم يقصد مسافة يباح له فيها الترخص حتى يباح له القصر بمجرد مفارقة عمران القرية.
ولأنه إذا عزم على الرجوع فالمسافة المتبقية عليه تبيح له الترخص، فكذلك المسافة التي قطعها.
ولأن الحكمة من قصر المسافر هو المشقة، والهائم إذا قطع تلك المسافة التي تبيح القصر فإن المشقة تلحقه.
والفرق بين الهائم وغيره: أن الهائم لا يباح له الترخص بمجرد مفارقة العمران حتى يتحقق من قطع تلك المسافة التي تبيح القصر، بخلاف غير الهائم فإنه لما قصد مسافة القصر أبيح له القصر من حين مفارقة العمران، فإذا كانت نية قطع المسافة تبيح له الترخص فمن باب أولى أن يكون قطع المسافة حقيقة تبيح الترخص؛ لأنها أبلغ من مجرد نية قطع المسافة؛ لأن نية قطع المسافة مظنة القطع، فقد يقطع المسافة، وقد يعرض له مانع يمنعه من إكمال سيره فيدخلها الفسخ بخلاف الهائم إذا تحقق له قطع مسافة القصر، فلا يدخلها الفسخ.
ولهذا قال الإمام إسحاق: «إذا خرج في طلب غريم له أو ما أشبهه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يكون سفره أربعة برد وهو ستة عشر فرسخًا» (^١).
فهذا لم يقصد مسافة تقصر فيها الصلاة، ومع ذلك لما تحقق من قطع مسافة القصر أباح الإمام إسحاق له القصر، فكذلك الهائم وطالب الشارد ونحوهما.
ويرد على هذا:
بأن الجمهور لا يبيحون الترخص إلا إذا عزم من أول خروجه على قصد مسافة يحق له فيها الترخص، فما دام أن انتقاله من مكان إلى مكان ليس مرتبطًا بهذا العزم، لم يتحقق له السفر، ولم يُبْنَ بعضُ سيره على بعض.
قال الكاساني: «لأن الإنسان قد يخرج من مصره إلى موضع لإصلاح الضيعة ثم تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى موضع آخر ليس بينهما مدة سفر ثم وثم
_________________
(١) الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٥٥١).
[ ١٨ / ١٥٠ ]
إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر لا لقصد السفر فلا بد من النية للتمييز» (^١).
فلو كان في نية الهائم من حين خروجه ألا يرجع إلى موضع إقامته إلا وقد قطع أكثر من المسافة التي يباح له فيها القصر، فإن له القصر؟ وقد نص على ذلك المالكية.
جاء في تحبير المختصر: «كل واحد من الهائم والراعي لا يقصر إلا إذا علم قطع المسافة قبل منتهى سفره. يريد: وقد عزم عليه عند خروجه» (^٢).
فهذا هو المقصود من منع الهائم من القصر، والله أعلم.
وقال المالكية في طالب الآبق لا يقصر إلا أن يعلم قطع المسافة دونه، والهائم مثله (^٣).
ولو كان المطلوب مطلق الضرب في الأرض لاعتبرت مسافة الرجوع؛ لإباحة الترخص، فلما لم يجمع للمسافر مجموع ما يطرقه ذهابًا وإيابًا علم أن المطلوب للترخص أن يقصد ذهابًا مسافة يباح في مثلها القصر، وأن يعزم على ذلك من حين خروجه. والله أعلم.
الراجح:
الوجه المرجوح عند الحنابلة فيه قوة؛ إلا أن ما اتفق عليه الأئمة الأربعة أكثر اطمئنانًا للنفس من جهة العمل، وإذا تردد الإنسان في إباحة القصر، فالأصل الإتمام، والقصر ليس بواجب فالإتمام فيه احتياط، والله أعلم.
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٩٤).
(٢) تحبير المختصر (١/ ٤٦٤).
(٣) انظر: التوضيح لخليل (٢/ ٢٢).
[ ١٨ / ١٥١ ]