المدخل إلى المسألة:
المسافر ضد المقيم، والسفر خلاف الإقامة.
لا يتصور السفر إلا بمفارقة الوطن محل الإقامة.
من كان وطنه سفينته لم يتصور سفره؛ لملازمته محل إقامته.
السفر ما جمع وصفين: وطن يفارقه ثم يرجع إليه، وغاية يقصدها قصدًا مؤقتًا بنية السفر في مسافة تبيح القصر، فإذا فقد أحدهما كالملاح والهائم لم يكن مسافرًا.
إذا أفطر دائم السفر فقد فوت عليه الشهر بلا حاجة؛ لأنه سيقضيه في السفر، وإذا منع من الفطر منع من القصر.
[م-١١٢٠] اختلف العلماء في السفر المبيح للقصر، هل يشترط كونه منقطعًا، فالمَلَّاح إذا كان وطنه سفينته، فهل يباح له القصر؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: يقصر، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، واستحب الشافعية له الإتمام (^١).
_________________
(١) وجاء في البناية (٣/ ٢٤): «وفي (المجتبى): «ذكر البقال والملاح مسافر، وإن كان أهله وعياله في السفينة، وبه قال الشافعي: السفينة ليست بوطن له». وانظر: المحيط البرهاني (٢/ ٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ٢١٣)، البحر الرائق (٢/ ١٤٥)، البناية شرح الهداية (٣/ ٢٣)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٢٦)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٦)، المدونة (١/ ٢٠٧)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٢٨)، مختصر خليل (ص: ٤٣)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٢)، شرح الخرشي (٢/ ٥٩)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٥)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦١)، لوامع الدرر (٢/ ٥٧٥)، فتح العزيز (٤/ ٤٧٥)، المجموع (٤/ ٣٢٢)، كفاية النبيه (٤/ ١٢٢)، البيان للعمراني (٢/ ٤٦٥)، روضة الطالبين (١/ ٤٠٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٩٢)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٧١).
[ ١٨ / ١٧٤ ]
جاء في البحر الرائق نقلًا من المجتبى: «والملاح مسافر إلا عند الحسن وسفينته أيضًا ليست بوطن» (^١).
وقال النووي: «والملاح الذي معه أهله وماله ويديم السير في البحر والمكاري وغيرهم فكلهم لهم القصر» (^٢).
وقال الأوزاعي: «إذا كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ينتهي إلى حيث أكراها، فإذا انتهى أتم الصلاة» (^٣).
وقيل: الملاح إن كان له وطن أو منزل يأوي إليه قصر الصلاة، وإذا لم يكن له وطن، ولم ينو الإقامة ببلد، وكان معه أهله وتنوره وحاجته فإنه لا يقصر ولا يفطر، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، والحسن البصري، والحسن بن صالح، واختاره شيخ الإسلام (^٤).
قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي الفضل: «والملاح إذا كان معه أهله وبنوه أتم الصلاة، وإن لم يكن أهله معه قصر الصلاة، مثل الراعي، يروى عن الحسن وعطاء، قالا في الملاح: إذا كان معه أهله أتم الصلاة» (^٥).
وفي النكت على المحرر: «وأما إن كان للملاح ونحوه وطن أو منزل يأوون إليه في وقت ترخصوا بلا إشكال» (^٦).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٤٥).
(٢) المجموع (٤/ ٣٢٢).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٦١).
(٤) مسائل أحمد رواية عبد الله (٤٢٧)، مسائل أحمد رواية أبي الفضل (١٣٠٦)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ١٠٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ١٠٤)، المغني (٢/ ١٩٥)، المقنع (ص: ٦٥)، الكافي (١/ ٣١١)، مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢١٣).
(٥) مسائل أحمد رواية أبي الفضل (١٣٠٦).
(٦) المحرر ومعه النكت (١/ ١٣٤).
[ ١٨ / ١٧٥ ]
فظاهر مذهب الإمام أحمد: أنه لا يقصر بشرطين:
أحدهما: أن يكون معه أهله، فإن لم يكن أهله معه ترخص.
الثاني: ألا يتخذ مكانًا وطنًا لإقامته يأوي إليه.
فلو انتفى أحدهما لم يمنع من الترخص؛ قال في المبدع: لأن الشبه يعني بالمقيم لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين (^١).
وقال القاضي أبو يعلى: لا يشترط أن يكون مع الملاح أهله؛ فإذا كان لا وطن له أشبه المقيم (^٢).
قال التنوخي: وليس بجيد؛ لأن الشبه لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين (^٣).
وفي النكت على المحرر: وقال أبو المعالي بن منجا: شرط أبو الخطاب أن يكون معهم أهليهم، ولا نية لهم في المقام في مقام يقصدونه.
وقال القاضي: ليس ذلك بشرط بل المعتبر ألا يكون له وطن يأوي إليه ويقصده. وهذا منه يوهم أن المسألة على وجهين.
وقد يقال: ليس كذلك؛ لأن المراد من ذكر الأهل إذا كان له أهل؛ لأنه لا فرق بين السائحين المجردين الذين يتسمون بالفقراء العزاب الذين دأبهم السير في الأرض غير ناوين إقامة ببلد، وبين الملاح ونحوه الذين معهم أهلهم (^٤).
ولعل هذا أقرب، وهو معنى ما ذكره القاضي.
دليل من قال: لا يقصر الملاح ونحوه:
لا يتصور السفر إلا بمفارقة الوطن محل الإقامة، وهذا وطنه سفينته، معه أهله وتنوره، وبالتالي من لا وطن له إلا سفينته لا يتصور وقوع السفر منه.
ولأنه إذا أفطر في رمضان فقد فوت عليه الشهر بلا حاجة؛ لأنه سيقضيه في السفر، وإذا منع من الفطر منع من القصر.
_________________
(١) المبدع (٢/ ١٢٤).
(٢) انظر: الممتع في شرح المقنع (٣/ ٣٢)، التعليقة الكبرى للقاضي أبي يعلى (٣/ ٣٢)،.
(٣) الممتع في شرح المقنع (١/ ٥١١).
(٤) انظر: النكت على المحرر (١/ ١٣٣).
[ ١٨ / ١٧٦ ]
ولأن امرأته تعتد مكانها كمقيم وفاقًا للأئمة.
دليل من قال: يقصر:
أن السفينة ليست موضعًا صالحًا للإقامة، وهو يقطع المسافة التي تبيح له الترخص، والحكمة من مشروعية الترخص وجود المشقة في السفر، وهذا المعنى موجود في تنقلات السفينة.
الراجح:
ليس في المسألة نص يمكن التحاكم له، فإن نظرت إلى أنه لا يتصور مفارقته محل إقامته ألحقته بالمقيمين، ولذلك الشافعي استحب له الإتمام، مع أن القصر سنة ملازمة للسفر خروجًا من الخلاف.
وإن نظرت إلى المسافات التي يقطعها في السفينة ألحقته بالمسافرين، والسفر: هو قطع المسافة، ولأن من كان مثله يأوي إلى بلد فهو يترخص بالإجماع.
فإذا ألحقناه بالمسافرين هل نعد وقوف السفينة في البحر في حكم الإقامة؟ لأن اللبث في مكان ما يعد إقامة، فإذا جرت إلى غاية تبيح القصر أصبح ذلك سفرًا في حقه، كما لو نوى إقامة مطلقة في مفازة، وكان من البادية، وكالراعي يتتبع الكلأ، فإذا وجده قر، فمكثه في المرعى يعد إقامة في حقه، ومغادرته إلى مرعى آخر يعد سفرًا يترخص فيه، وليس له وطن يأوي إليه، والله أعلم.
[ ١٨ / ١٧٧ ]