المدخل إلى المسألة:
شروط العبادة صفة فيها، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، والأصل عدم الاشتراط.
الأصل في صلاة السفر القصر؛ لأن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أتم في سفره مطلقًا، سواء أكان السفر طويلًا أم قصيرًا، وسواء أكان مقيمًا في أثنائه أم جادًّا في سيره.
إذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر.
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر.
القصر والإتمام يتعلق بعدد الركعات، لا بكنه الفرض، واستحضار المصلي لعدد الركعات في نية الصلاة عند الإحرام ليس بشرط.
إذا صحت نية الإتمام في أثناء الصلاة على الصحيح، مع تخلف نية الإتمام عن الإحرام صحت نية القصر كذلك.
التخيير بين القصر والإتمام لا يجعل نية القصر شرطًا في القصر، بدليل أنه لو دخل بنية القصر فله أن يتم صلاته على الصحيح.
خرج النبي ﷺ في حجة الوداع فصلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وصلى خلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، ولم يأمرهم بنية القصر.
[م-١١١٩] اختلف النَّاس في قصر المسافر، هل تشترط له نية القصر؟
فقيل: نية القصر ليست بشرط، فلو دخل في الصلاة، ولم ينو القصر، فصلى ركعتين صحت صلاته، وهذا مذهب الحنفية، واختاره اللخمي من المالكية،
[ ١٨ / ١٦٥ ]
والمغربي من الشافعية، ورواية عن أحمد رجحها أبو بكر الخلال وابن تيمية من الحنابلة، وبه قال ابن حزم (^١).
وقيل: نية القصر شرط عند تكبيرة الإحرام؛ لجواز القصر، فإن ترك نية القصر
_________________
(١) قال القدوري من الحنفية في التجريد (٢/ ٨٨٩): «قال أصحابنا: يجوز للمسافر أن يصلي ركعتين، وإن لم ينو القصر». ومذهب الحنفية مبني على أن فرض المسافر ركعتان، تمام غير قصر، فلم تشترط له النية، كالإتمام في حق المقيم لا تشترط له النية، فإذا لم تلزمه نية الإتمام لم تلزمه نية القصر، حتى لو صلى المسافر أربع ركعات، وجلس للتشهد بينهما فإن فرضه الركعتان الأوليان، والباقي نفل، وهو مسيء لخروجه من الفرض ودخوله في النفل لا على وجه مسنون، وإن لم يقعد في الثانية قدر التشهد بطلت؛ لانشغاله بالنفل قبل إكمال الفرض .. وقد تكلمت على هذه المسألة في حكم القصر. انظر في مذهب الحنفية: الأصل للشيباني، ت: الأفغاني (١/ ٢٧٠)، اختلاف العلماء للطحاوي، اختصار الجصاص (١/ ٣٥٨). وقال صاحب الهداية (١/ ٨٠): «وإذا فارق المسافر بيوت المصر صلى ركعتين … ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة». وانظر: المحيط البرهاني (٢/ ٣٧)، النهاية في شرح الهداية (٤/ ٥٥). وفي مذهب المالكية: نقل الدسوقي في حاشيته (١/ ٣٦٧) عن اللخمي قوله: إن ترك نية القصر خير بين إتمامها وقصرها. وقال المازري في شرح التلقين (١/ ٩٠٩): «قال بعض أشياخي: لا يصح أن يلتزم القصر أو الإتمام قبل الشروع في الصلاة، ويصح أن يدخل في الصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام، وكأنه رأى أن عدد الركعات لا يلزم المصلي أن يعقد في نيته حين الإحرام». وقال ابن شاس المالكي في عقد الجواهر (١/ ٩٧): «هل يلزمه التعرض في نيته لعدد الركعات؟ فيه خلاف ينبني عليه الخلاف في ثلاثة فروع: وذكر منها: من افتتح بنية القصر فأتم، أو بالعكس». وجاء في المجموع (٤/ ٣٥٣): «حكى أبو حامد، وصاحب البيان عن المغربي أنه لو نوى الإتمام، ثم نوى في أثنائها القصر كان له أن يقصر». وانظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٦٦). وانظر: قول أبي بكر الخلال في كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٨١)، الكافي (١/ ٣٠٧)، المغني (٢/ ١٩٦). وقال ابن حزم: في المحلى (٣/ ٢٣٠): «بيَّنا أن صلاة السفر ركعتان، فلا يلزمه إلا أن ينوي الظهر، أو العصر، أو العتمة فقط، ثم إن كان مقيمًا فهي أربع، وإن كان مسافرًا فهي ركعتان ولا بد، ومن الباطل إلزامه النية في أحد الوجهين دون الآخر».
[ ١٨ / ١٦٦ ]
أو شك أنه نواه لزمه الإتمام، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وهو ظاهر نص المدونة، ونسبه كثير من المالكية للفقيه سند من أصحاب مالك (^١).
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت مسافرًا افتتح الصلاة المكتوبة، ينوي أربع ركعات، فلما صلى ركعتين بدا له فسلم؟ قال: لا يجزئه في قول مالك. قلت: من أي وجه قلتَ لا يجزئه في قول مالك؟ قال: لأن صلاته على أول نيته» (^٢).
قال الشافعي: «وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام، فإن أحرم، ولم ينو القصر، كان على أصل فرضه أربع» (^٣).
وجاء في المغني: «نية القصر شرط في جوازه، ويعتبر وجودها عند أول الصلاة، كنية الصلاة. وهذا قول الخرقي واختاره القاضي» (^٤).
وقال المزني: «نية القصر شرط، ولكن يجوز في أثناء الصلاة، حتى لو نوى القصر مع سلامه جاز» (^٥).
_________________
(١) جاء في شرح الخرشي (٢/ ٦٦، ٦٧): «دخل بنية الظهر مثلًا من غير قيد بأحد الوصفين (يقصد: الإتمام أو القصر) ساهيًا، أو معرضًا عنها متعمدًا تردد: أي هل يلزمه الإتمام كما قاله سند، أو يخير كما قاله اللخمي». وانظر: شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٨٢)، التمهيد لابن عبد البر، ت: بشار (٧/ ٣٣٣)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٥)، وانظر في مذهب الشافعية: التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٠٨)، المهذب (١/ ١٩٤)، التهذيب (٢/ ٣٠٧)، المجموع (٤/ ٣٥١)، نهاية المطلب (٢/ ١٢٣)، منهاج الطالبين (ص: ٤٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٧)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٦٩). وانظر في مذهب الحنابلة: مختصر الخرقي (ص: ٣٠)، التعليقة الكبرى لأبي يعلى (٢/ ٤٨٣)، كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٨١)، المغني (٢/ ١٩٦)، المقنع (ص: ٦٥)، الكافي (١/ ٣٠٧)، الإنصاف (٢/ ٣٢٤)، المنهج الصحيح (١/ ٣٨٢)، الإقناع (١/ ١٨١)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٧)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٧٥).
(٢) المدونة (١/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٣) مختصر المزني، ت: الدغستاني (١/ ١٤٢).
(٤) المغني (٢/ ١٩٦).
(٥) بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٣١)، البيان للعمراني (٢/ ٤٦٥)، فتح العزيز (٤/ ٤٦٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٧).
[ ١٨ / ١٦٧ ]
جاء في فتح العزيز: «وقال المزني: لا بد منها -يعني: نية القصر- لكن لا تجب في الابتداء، ويجوز أن ينوي القصر في الأثناء، ولو نوى الإتمام، ثم أراد القصر جاز» (^١).
وقال النووي: «قال المزني: لو نواه -يعني: القصر- في أثناء الصلاة، ولو قبل السلام جاز القصر» (^٢).
وقول المزني يؤول إلى القول بأن نية القصر ليست شرطًا؛ لأنه يتفق مع القول الأول بأن نية القصر ليست شرطًا عند تكبيرة الإحرام، ويختلف معهم أنه لو صلى قصرًا، وقد ذهل عن نية القصر في أثناء الصلاة لا تصح صلاته.
وسبب الخلاف:
ذكر المازري أن سبب الخلاف الاختلاف في حكم القصر، فمن قال: إن القصر فرض، لم يفتقر القصر إلى نية كالإتمام في الحضر، فإذا لم يلزمه نية الإتمام لم يلزمه نية القصر؛ ولأن المصلي لا يلزمه استحضار عدد ركعات الصلاة عند عقد النية، فإذا نوى الظهر صح فرضه قصرًا أو إتمامًا. ومن قال: القصر ليس بفرض، قال: من شرط جوازه أن ينويه عند عقد الإحرام (^٣).
وأحسن منه أن يقال: من قال: إن القصر هو الأصل في صلاة المسافر لم يلزمه نيته عند عقد الصلاة، ومن قال: الأصل الإتمام، حمل التحريم المطلق بالصلاة على أربع ركعات، وهذا أدق من قول المازري ﵀؛ لأن هناك من يرى القصر سنة، ويذهب إلى القول بأن نية القصر ليست شرطًا.
دليل من قال: لا تشترط نية القصر:
الدليل الأول:
شروط العبادة صفة فيها، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، ولا يوجد خطاب من الشارع ينص على اشتراط نية القصر عند تكبيرة الإحرام، ولم ينعقد الإجماع في حكم هذه المسألة، والأصل عدم الاشتراط.
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٦٦).
(٢) المجموع (٤/ ٣٥٣).
(٣) انظر: شرح التلقين (٢/ ٩٠٩).
[ ١٨ / ١٦٨ ]
الدليل الثاني:
خرج النبي ﷺ في حجة الوداع فصلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وصلى خلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، ولم يأمرهم بنية القصر، ولو كانت نية القصر شرطًا لأمرهم بذلك.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٦٦) ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين (^١).
وفي رواية لابن حبان، وفيه: (… لو حدث في الصلاة شيء لأخبرتكم به، ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به)، ولو كانت نية القصر شرطًا لقال لهم: لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر (^٣).
الدليل الرابع:
(ث-٩٤٧) روى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٨٩ - ٥٧٢) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁.
(٢) صحيح ابن حبان (٢٦٥٦).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢١).
(٤) الموطأ، رواية يحيى، ت: عبد الباقي (١/ ١٤٩).
[ ١٨ / ١٦٩ ]
[صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح] (^١).
وجه الاستدلال من الأثر:
أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يخبرهم عند الدخول في الصلاة أنه يريد القصر، وقد صلى خلفه المقيم والمسافر، ولو كانت نية القصر شرطًا لنبه على ذلك كما نبه المقيمين على إتمام الصلاة بعد الانصراف.
الدليل الخامس:
(ح-٣٤٦٧) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة أم المؤمنين قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بالبناء على ما لم يسم فاعله، وهذا لفظ مالك في الموطأ، وهو رواية الأكثر (^٢).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على أن الأصل في صلاة المسافر هو القصر، وإذا كان ذلك كذلك لم يفتقر القصر إلى نية خاصة، فنية الصلاة متضمنة له كنية الإتمام، وإذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر.
الدليل السادس:
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر؛ لأن القصر يتعلق بعدد الركعات، وتعرض المصلي لعدد ركعات الصلاة في أصل نيته عند الإحرام ليس بشرط كالإتمام، فكلاهما متعلق بعدد الركعات؛ لا بكنه الفرض.
_________________
(١) سبق تخريج الحديث المرفوع من مسند عمران بن حصين، ومداره على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٢) صحيح البخاري (٣٥٠)، صحيح مسلم (١ - ٦٨٥).
[ ١٨ / ١٧٠ ]
الدليل السابع:
من دخل الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام في أثناء الصلاة صحت صلاته على قول جمهور أهل العلم خلافًا لأحد أقوال المالكية، وإذا صح ذلك مع أن نية الإتمام طارئة، والأصل في النية الحادثة في أثناء الصلاة أنها واقعة في غير موضع النية، صحت نية القصر إذا طرأت على الصلاة.
ونوقش:
قال إمام الحرمين: «المسافر وإن نوى القصرَ، فالإتمام ضمن نيته على أصلنا؛ فإن الأصل الإتمام، ونية القصر قصد إلى الترخص، والترخص مشعر بالتعرض للتمام، وكأنَّ تقديرَ النية فيه: إني أترخصُ، فأقصر إن لم يطرأ ما يقتضي الإتمام، فإن طرأ، فالإتمام جار على أصله» (^١).
ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الأصل في صلاة المسافر هو الإتمام، بل الأصل في صلاة المسافر هو القصر؛ لأنه لم يحفظ أن النبي ﷺ أتم في السفر مطلقًا، سواء أكان السفر طويلًا أم قصيرًا، وسواء أكان مقيمًا في أثنائه أم جادًّا في سيره، فمن أين يصح أن يقال: إن الأصل في صلاة المسافر الإتمام.
وإذا جاز أن ينوي القصر في أول الصلاة، وينصرف منها على الإتمام، جاز العكس بجامع أن كلا الصلاتين تبعضت النية فيها بين الإتمام والقصر.
قال العز بن عبد السلام: «إذا نوى المسافر القصر، ثم نوى الإتمام، فإن الركعتين الأولتين يجزئانه بالنية الأولى، والركعتان الأخريان يجزئانه بالنية الثانية؛ لأن المقصود بالنيتين تمييز رتبة الظهر عن غيرها، وقد تحقق ذلك بالنيتين» (^٢).
ولو خشي المصلي بالليل الصبح فدخل بنية أن يوتر بركعة، ثم تبين له أثناء الصلاة أن الوقت ما زال فزاد في وتره حتى صلى ثلاث ركعات صح الوتر، فصحت الركعة
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٤٤٩).
(٢) قواعد الأحكام (١/ ٢١٦).
[ ١٨ / ١٧١ ]
الأولى بالنية الأولى، وصح ما زاد على وتره بالنية الثانية في أثناء الصلاة، فإذا صحت الزيادة بالنية على ما نواه أولًا صح النقص بالنية على ما نواه، وإنما صحت العبادة بنية تقع في أثنائها؛ لأن الأمر يتعلق بعدد ركعات الصلاة، وهذا لا يغير من حقيقة الفرض.
الوجه الثاني:
من قال: إن نية القصر تتضمن نية الإتمام، فلو قيل العكس لكان أقرب؛ لأن الإتمام يتضمن القصر وزيادة، فمن نوى أربع ركعات دخلت الركعتان فيهما، بخلاف القصر فهو لا يتضمن الإتمام.
قول إمام الحرمين بأن من نوى القصر فكأنه نوى القصر ما لم يطرأ ما يقتضي الإتمام، هذا التقدير لا يتصوره كثير ممن نوى القصر في الصلاة.
دليل من قال: نية القصر شرط:
الدليل الأول:
الأصل في الصلاة الإتمام، وهو كون الصلاة أربع ركعات، فإذا أحرم بالصلاة تحريمًا مطلقًا انصرف إلى الأربع إلا أن ينوى القصر فينعقد على الرخصة.
سبق مناقشة دعوى أن الأصل في الصلاة الإتمام.
الدليل الثاني:
لما كان المصلي مخيرًا أن يصلي الرباعية على الأصل: أربع ركعات، وبين أن يصليها قصرًا ركعتين باعتبار أن القصر ليس بفرض، كان من شرط جواز القصر أن ينويه عند عقد الإحرام، وإلا بقي على الإتمام.
ويناقش:
التخيير بين القصر والإتمام لا يجعل نية القصر شرطًا في القصر، بدليل أنه لو دخل بنية القصر فله أن يتم صلاته على الصحيح، مع تخلف نية الإتمام عن الإحرام، وتخيير المحرم بين التعجيل في يومين أو التأخير إلى الثالث عشر، لا يجعل نية التعجيل شرطًا في جوازه، فلو رمى اليوم الثاني عشر، وهو عازم على التأخير، ثم بدا له التعجيل بعد الرمي فله ذلك.
[ ١٨ / ١٧٢ ]
الدليل الثالث:
نية القصر نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية الجمع.
ونوقش:
نية الجمع مختلف في اشتراطها، وقد بحثت هذه المسألة وبينت أن الجمع جائز، ولو حدث بعد الفراغ من الصلاة الأولى، فارجع إليها غير مأمور.
وأما قياس نية القصر على نية الصلاة فلا يصح القياس؛ لأن نية الصلاة لتمييز العبادة عن العادة، وتمييز الفرض عن النفل، فلا يدخل في الصلاة إلا بنية، وهذا مجمع عليه، وأما القصر فهو لا يتعلق بتعيين الفرض، فهو يدخل ليصلي الظهر أو العصر، وإنما يتعلق بعدد الركعات، واستحضاره بأصل النية ليس بشرط، فكان القياس الصحيح أن تقاس نية القصر على نية الإتمام، فإذا كانت نية الإتمام ليست بشرط، فكذلك نية القصر.
الراجح:
أن القصر كالإتمام لا يشترط لجوازهما نية مع تكبيرة الإحرام؛ لأن الأصل في صلاة المسافر أن تكون ركعتين، كالأصل في صلاة المقيم أن تكون أربع ركعات، والله أعلم.
[ ١٨ / ١٧٣ ]