المدخل إلى المسألة:
القضاء يحكي الأداء من جهر وإسرار، وقصر وإتمام.
كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل، فإذا خرج الوقت ولم يصلِّ لنوم أو نسيان استقرَّ الفرض في ذمته استقرارًا لا يتغير بتغير حاله.
من ذكر صلاة نسيها صلاها متى ما ذكرها على نحو ما وجبت عليه.
من وجبت عليه صلاة سفرية قضاها ركعتين، أو حضرية قضاها أربعًا، ولا عبرة في وقت القضاء في حضر أو سفر.
من فاتته الصلاة صحيحًا، ثم مرض صلاها على قدر استطاعته، ومن فاتته مريضًا ثم صحَّ قضاها على أتم وجوهها؛ لأن حالة المرض بدل، والبدل لا يؤتى به إلا عند العجز عن المبدل، والقصر ليس بدلًا عن الإتمام.
الناسي والنائم مكلفان في أصح قولي أهل العلم، وإنما سقط عنه الأداء لتعذره، ولذلك صح الصوم منهما، ولم يصح من المجنون.
وجوب القضاء على الناسي فرع عن تعلق الوجوب في الذمة وقت الصلاة، فكان عليه قضاء الصلاة على نحو ما وجبت عليه.
الإجماع منعقد على أن من حدثت له الأهلية بعد خروج الوقت بإسلام أو بلوغ، أو طهارة من حيض لا يجب عليهم القضاء؛ لعدم الوجوب في الوقت.
[م-١١٢٥] اختلف العلماء في الرجل إذا نسي الصلاة أو فاتته في الحضر فذكرها في السفر:
[ ١٨ / ٢٠٩ ]
فقيل: يصلي أربعًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).
وقيل: يصليها صلاة سفر، روي ذلك عن الحسن البصري، والمزني، وعبيد الله العنبري، ورجحه ابن حزم الظاهري (^٢).
قال المازري: «قال جمهور الفقهاء: إن من نسي صلاة في الحضر، فذكرها في السفر أنه يقضيها حضرية كما وجبت عليه، خلافًا لداود، والمزني، وإحدى الروايتين عن الحسن … إلى أنها تقضى سفرية» (^٣).
قال ابن حزم: «إن نسيها في حضر فذكرها في سفر فإنه يصليها سفرية» (^٤).
دليل من قال: يصليها تامة:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من نسي صلاة في حضر، فذكرها في السفر أن عليه صلاة حضر، إلا ما اختلف فيه الحسن البصري» (^٥).
ويجاب:
هو قول عامة أهل العلم، ولكن ليس إجماعًا؛ لأن الخلاف محفوظ، وقد استثنى
_________________
(١) مختصر القدوري (ص: ٣٨)، بداية المبتدي (ص: ٢٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٨٨)، فتح القدير (٢/ ٤٥)، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري (ص: ١٨٣)، البحر الرائق (٢/ ١٤٨)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٣٥)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٨٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٤٢)، التبصرة للخمي (٢/ ٤٧٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٣١٠)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٢٦)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٩٢)، متن الأخضري في العبادات (ص: ١٥)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٩).
(٢) نوادر الفقهاء (ص: ٤٢)، عيون المسائل (ص: ١٤٤)، نهاية المطلب (٢/ ٤٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٩)، المحلى (مسألة: ٥١٧).
(٣) شرح التلقين (١/ ٧٤٨).
(٤) المحلى (٣/ ٢٣٠).
(٥) الإجماع، ت: فؤاد (ص: ٤٢). وقال في الأوسط (٤/ ٣٦٨): «أجمع أهل العلم، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا على أن من نسي صلاة في حضر، فذكرها في السفر، أن عليه صلاة الحضر، لا يجزيه غير ذلك، إلا شيء اختلف فيه عن الحسن».
[ ١٨ / ٢١٠ ]
ابن المنذر الحسن البصري، وحفظ القول به عن غيره بعده ممن ذكرت في الأقوال.
الدليل الثاني:
الصلاة واجب موسع، فكل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل، فإذا خرج الوقت، ولم يصلِّ لنومٍ أو نسيانٍ استقر وجوبها في ذمته على نحو ما وجبت عليه في الوقت، إن كان في الحضر وجبت عليه حضرية، أو في السفر وجبت عليه ركعتين، وكذا لو كانت جهرية أو سرية قضاها على نحو ما شرعت، ولا ينظر إلى وقت القضاء، ولذلك قال الفقهاء: القضاء يحكي الأداء.
دليل من قال: يصليها ركعتين:
الدليل الأول:
أن الصلاة وجبت عليه بالذكر، والذكر حصل في السفر فيصليها ركعتين.
(ح-٣٤٧٩) روى البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
فجعل النبي ﷺ وقتها وقت أدائها، لا الوقت الذي نسيها فيه، أو نام عنها، فكل صلاة تؤدى في سفر، فهي صلاة سفر، وكل صلاة تؤدى في حضر فهي صلاة حضر ولا بد.
ونوقش:
بأن الرجل إذا دخل عليه الوقت، وهو نائم أو ناسٍ حتى خرج وقتها، إما أن يكون دخل وقتها وخرج، وهو غير مكلف، وإما أن يكون مكلفًا، وسقط عنه الأداء للعذر. فإن كان غير مكلف، فكيف يطالب بالقضاء، فالمجنون لو دخل عليه الوقت وخرج، وهو مجنون، ثم زال عنه الجنون لم يخاطب بالقضاء.
وإن كان مكلفًا وقت النوم والنسيان، وإنما سقط الأداء لعذر النسيان، فقد وجبت عليه الصلاة، وهو في الحضر، فيجب أن يقضيها على الصورة التي وجبت عليه في وقتها. وسوف أزيد هذه النقطة توضيحًا فيما بقي إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
أن العبرة في وقت الأداء، فمن فاتته صلاة الجمعة، فإنه لا يصليها إلا أربع
[ ١٨ / ٢١١ ]
ركعات، ولا يقال: وجبت عليه جمعة فيصليها كما وجبت.
ومن فاتته في حال مرضه صلوات كان حكمها لو صلاها أن يصليها قاعدًا أو مضطجعًا أو مومئا فذكرها في صحته، فإنه لا يصليها إلا قائمًا.
ومن نسي الصلاة وهو صحيح، ثم مرض، صلاها على قدر طاقته، ولو قاعدًا أو مضطجعًا، ولو نسيها، وهو مريض، ثم شفي، قضاها على أتم وجوهها، فالعبرة في وقت الأداء.
ونوقش هذا:
بأن صلاة الظهر بدل عن الجمعة، وحالة المريض بدل عن الواجب، والبدل لا يؤتى به إلا عند العجز عن المبدل، والقصر ليس بدلًا عن الإتمام.
ولأن المريض لا يمكنه فعلها على الوجه الذي وجبت عليه، وفي تأخيرها إلى زمن الصحة تفويت. والمسافر يمكنه فعلها في الحال تامة على حسب ما وجبت عليه.
واختلفوا في الرجل ينسى صلاة سفر، فيذكرها في الحضر:
فقيل: يصليها صلاة مسافر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والقديم من قولي الشافعي (^١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن القضاء يحكي الأداء، وقد وجبت عليه في السفر، فيقضيها على نحو ما وجبت عليه.
وقيل: يصليها أربعًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).
وجه هذا القول:
أن الناسي كالنائم غير مكلف، وهو قول الجمهور، ونسبه النووي لأهل الفقه والأصول (^٣).
_________________
(١) بداية المبتدي (ص: ٢٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٨١)، شرح مشكلات القدوري (١/ ٢٧٥)، تبيين الحقائق (١/ ٢١٥)، العناية شرح الهداية (٢/ ٤٥)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٤٢)، التبصرة للخمي (٢/ ٤٧٦).
(٢) الأم (١/ ٢١٠).
(٣) عمدة القارئ للعيني (٣/ ٣٠١)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٠٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٢)، شرح القسطلاني (١/ ٣٥٩)، قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ٣٧٣)، طرح التثريب (٢/ ١٤٩)، البحر المحيط (٢/ ٦٤)، الاصطلام (٢/ ١٩٦).
[ ١٨ / ٢١٢ ]
فإذا ذكر صلاة سفر في حضر فقد وجبت عليه الصلاة ساعة تذكرها، وقد خوطب بها، وهو في الحضر، فوجب عليه الإتمام.
(ح-٣٤٨٠) فقد روى البخاري من طريق همام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
ورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. هذا لفظ سعيد.
ولفظ المثنى: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (^١).
ونوقش:
لا نسلم أن الناسي غير مكلف، فالناسي غير مخاطب بالأداء وقت النسيان، وأما أهلية التكليف فباقية؛ لأن وجوب القضاء فرع عن تعلق الوجوب في الذمة وقت الأداء؛ لأن الصلاة إذا لم تجب في الوقت لم يجب قضاؤها بعد خروجه، فالإجماع منعقد على أن من حدثت له الأهلية بعد خروج الوقت بإسلام أو بلوغ، أو طهارة من حيض لا يجب عليهم القضاء؛ لعدم الوجوب في الوقت، فلما وجب على النائم القضاء إجماعًا دل على أن الصلاة عليه واجبة، وهذا معنى التكليف، سواء اعتبرنا هذا القضاء واجبًا بأمر جديد، أو بالخطاب السابق، فالشرع لم يعتبر النوم والنسيان بمنزلة الجنون، وإنما سقط الأداء عن النائم والناسي لتعذره حال النوم والنسيان، فإذا زال العذر قضى تلك الصلاة، وقضاء الصلاة لا يعني إلا التكليف وقت النوم والنسيان، فمناط التكليف العقل، والنوم والنسيان لا يرفعانه، فلا يوصف النائم بأنه غير عاقل، ولا الناسي كذلك، بخلاف المجنون، فإنه فاقد للعقل، لهذا لم يجب عليه القضاء إذا عاد إليه عقله بعد خروج الوقت، يوضح ذلك أكثر صحة
_________________
(١) صحيح مسلم (٦٨٤).
[ ١٨ / ٢١٣ ]
الصوم من النائم، ولو كان غير مكلف لم يصح الصوم منه، بخلاف المجنون (^١).
فالموانع من الأداء منها ما يرفع الأهلية كالجنون، ومنها ما يرفع أهلية الأداء والقضاء كالصلاة في حق الحائض والنفساء، ومنها ما يسقط الأداء، ولا يسقط القضاء، كالنوم والنسيان للصلاة، وكالصيام في حق الحائض والنفساء.
الوجه الثاني:
أن القصر رخصة، وليس بعزيمة، فإذا زال السفر ذهبت الرخصة.
ولأن علة القصر هي السفر، وقد زال.
ونوقش:
الأصح أن القصر ليس رخصة، وإنما هو سنة ملازمة للسفر، بخلاف الجمع والفطر في السفر فهما رخصة، يستحبان مع الحاجة، وتركهما أفضل مع عدم الحاجة، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التقرير والتحبير على تحرير الكمال لابن الهمام (٢/ ١٢٠).
[ ١٨ / ٢١٤ ]