المدخل إلى المسألة:
القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به، كالقراءة، والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه، ومثله يقال في الجلوس.
لا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.
العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدل عن القيام، والإيماء بدل عن الركوع والسجود، والأذكار بدل عن العجز عن القراءة، والبدل له حكم المبدل. وإن لم يكن له بدل سقط.
[م-١١٤٤] اختلف العلماء في المصلي يكون قادرًا على القيام والجلوس ويعجز عن الركوع والسجود:
فقال الحنفية: إن قدر على القيام والجلوس، ولم يقدر على الركوع والسجود صلى قاعدًا يومئ إيماء، وإن صلى قائمًا أجزأه (^١).
وقال الجمهور: إن قدر على القيام والجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود
_________________
(١) جاء في تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢): «القيام وسيلة إلى السجود، فصار تبعًا له فسقط بسقوطه؛ ولهذا شرع السجود بدون القيام، كسجدة التلاوة، ولم يشرع القيام بدون السجود فإذا لم يتعقبه السجود لا يكون ركنًا، فيتخير بين الإيماء قاعدًا وبين الإيماء قائمًا، والأفضل هو الإيماء قاعدًا إلا أنه أشبه بالسجود؛ لكون رأسه فيه أخفض وأقرب إلى الأرض، وهو المقصود». الأصل، ط: القطرية (١/ ١٨٧)، مختصر القدوري (ص: ٣٦)، بداية المبتدئ (ص: ٢٤)، الهداية في شرح البداية (١/ ٧٧)، العناية شرح الهداية (٢/ ٦)، البحر الرائق (٢/ ١٢٦).
[ ١٨ / ٤٠٨ ]
أومأ بالركوع قائمًا، وأومأ بالسجود جالسًا، وبه قال زفر من الحنفية (^١).
وقال المازري: «لا يخلو القائم: أن يقدر على الجلوس ليسجد، أو لا يقدر على ذلك. فإن قدر على ذلك وعجز عن الركوع أيضًا صلى قائمًا وأومأ للركوع، ثم جلس وأومأ للسجود» (^٢).
وقال اللخمي: «وإذا كان بالمصلي ما يمنعه من الركوع والسجود دون القيام والجلوس؛ فإنه يستفتح الصلاة قائمًا، فيقرأ، ثم يومئ للركوع، ثم يجلس، ثم يومئ للسجود» (^٣).
وجاء في دقائق أولي النهى: «ومن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود، أومأ بركوع قائمًا؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه، وأومأ بسجود قاعدًا؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، وليحصل الفرق بين الإيماءين» (^٤).
حجة الحنفية:
الحجة الأولى:
أن القيام ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة؛ لما فيه من نهاية التعظيم.
_________________
(١) التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤٤)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٢٣)، التفريع في فقه الإمام مالك (١/ ١٢٥)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٤)، عقد الجواهر (١/ ١٠١)، الذخيرة للقرافي (١/ ١٨٨)، مختصر خليل (ص: ٣٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٩)، شرح الزرقاني (١/ ٣٩٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٩)، منح الجليل (١/ ٢٧٦)، لوامع الدرر (٢/ ١٨٢)، التهذيب (٢/ ١٧٣)، نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، المهذب (١/ ١٩١)، المجموع (٤/ ٣١٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٢، ٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٧)، أسنى المطالب (١/ ١٤٦)، التعليقة الكبرى (٢/ ٣٠٤)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٤)، المقنع (ص: ٦٤)، المغني (٢/ ١٠٧)، المبدع (٢/ ١١٠)، المحرر (١/ ١٢٧)، المنهج الصحيح في الجمع بين المنقع والتنقيح (١/ ٣٧٧)، الإقناع (١/ ١٧٧)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٥٥).
(٢) شرح التلقين (٢/ ٨٦٤).
(٣) التبصرة للخمي (١/ ٣٠٣).
(٤) دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٩).
[ ١٨ / ٤٠٩ ]
قال في الهداية: «وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، ويصلي قاعدًا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيه من نهاية التعظيم» (^١).
وقال الكاساني: «ولأن السجود أصل، وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا كان السجود معتبرًا من دون القيام، كما في سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرًا بدون السجود، بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة» (^٢).
الحجة الثانية:
وقال ابن نجيم: «القيام ليس بركن مقصود؛ ولهذا جاز تركه في النفل من غير عذر» (^٣).
ولأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، فسقط فيها القيام كصلاة النافلة على الراحلة.
ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
أن طول القيام أفضل من كثرة السجود، وهو قول الإمام أبي حنفية، وأحد القولين عن محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره ابن رشد في التحصيل، وهو رواية عن أحمد (^٤).
_________________
(١) الهداية (١/ ٧٧).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ١٠٧).
(٣) البحر الرائق (١/ ٣٨٧).
(٤) سأل محمد بن الحسن أبا حنفية كما في الأصل (١/ ١٥٩)، فقال: «طول القنوت والقيام في التطوع أحب إليك أم كثرة السجود؟ قال: طول القيام أحب إلي، وأي ذلك فعل فحسن». وانظر: تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي (ص: ٤٠٩) بدائع الصنائع (١/ ٢٩٥)، فيض القدير (٢/ ٤٢)، البحر الرائق (٢/ ٥٩)، المبسوط (١/ ١٥٨)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٨)، النهر الفائق (١/ ٢٩٩)، البيان والتحصيل (١/ ٣٧٩)، مواهب الجليل (٢/ ٨١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٩)، المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٥٠)، إكمال المعلم (٣/ ٨٨، ٨٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٧)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٤٢)، المجموع (٣/ ٢٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٢٠)، المغني (٢/ ١٠٣)، الإنصاف (٢/ ١٩٠)، الفروع (٢/ ٤٠٢).
[ ١٨ / ٤١٠ ]
فكيف يكون طول القيام أفضل عند الحنفية على كثرة السجود، مع قولهم: إن القيام عندهم تبع للسجود، وليس مقصودًا لذاته، وإذا لم يستطع السجود لم يلزمه القيام؟
وقد بحثت في مبحث مستقل: في تفضيل القيام على كثرة السجود، فارجع إليه إن شئت (^١).
الوجه الثاني:
لا تلازم بين وجوب الركوع ووجوب القيام، فالنافلة يجب فيه الركوع، ولا يجب فيها القيام، وصلاة الجنازة لا سجود فيها، ويجب فيها القيام.
الوجه الثالث:
اختلف الفقهاء في القيام، أهو مقصود لذاته أم مقصود لغيره؟ وإذا كان مقصودًا لغيره، فما هو المقصود من القيام؟
فقال الحنفية: المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة.
وقال المالكية: المقصود من القيام هو القراءة؛ ولذلك كان القيام مقدرًا بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود.
وقال الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية: القيام والقراءة كل منهما ركن مقصود بذاته، وهو الراجح؛ لأن القيام جزء من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه فيجب فعله عند تعذر غيره، ولا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.
(ح-٣٥٣٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
عن جابر، قال: قال رسول الله: أفضل الصلاة طول القنوت (^٢).
وقد بحثت هذه المسألة على وجه الاستقلال في المجلد السابع، وبينت الراجح فيها فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (^٣).
_________________
(١) انظر: المجلد العاشر (ص: ١٨٣).
(٢) صحيح مسلم (١٦٤ - ٧٥٦).
(٣) راجع المجلد السابع عند مباحث أحكام القيام.
[ ١٨ / ٤١١ ]
قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (^١).
ولأن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما.
دليل من قال: يلزمه القيام والسجود ويومئ بالركوع قائمًا وبالسجود جالسًا:
الدليل الأول:
أمر الله بالقيام فقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٣٥) وروى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^٢).
[تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (^٣).
وجه الاستدلال:
علق الشارع جواز الصلاة قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن السجود كما هو مذهب الحنفية، ولا بشرط العجز عن القراءة كما هو مذهب المالكية.
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٣٦) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر قال: إذا كان المريض لا يستطيع ركوعًا ولا سجودًا أو مأ برأسه في الركوع والسجود وهو يكبر.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٦).
(٢) صحيح البخاري (١١١٧).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١٨ / ٤١٢ ]
[صحيح] (^١).
ولأن القيام إذا كان ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه، فلا يسقط الركن بالعجز عن إدراك ركن آخر، ومثله يقال في الجلوس.
وليس القيام جزءًا من القراءة حتى يسقط بالعجز عنها، ولا جزءًا من السجود حتى يسقط بالعجز عن السجود.
الراجح:
قول الجمهور، وأن العاجز عن الركوع والسجود فقط يلزمه القيام والسجود لقدرته عليهما، ويومئ بالركوع قائمًا، ويومئ بالسجود جالسًا، والله أعلم.
_________________
(١) المصنف، ط: التأصيل (٤٢٧١).
[ ١٨ / ٤١٣ ]