المدخل إلى المسألة:
العجز عن القيام لا يراد به عدم الإمكان، وحكي إجماعًا.
كل ما لم يرد ضبطه في الشرع على وجه التحديد فالعمل به على وجه التقريب.
ما لم يرد ضبطه بالتحديد من قبل الشارع أريد منه التوسعة؛ لتفاوت الناس في تحمل المشاق، فكان المصلي هو المحكم، لا ذات المشقة.
قاعدة: المشقة تجلب التيسير؛ من القواعد المتفق عليها في الجملة.
الضابط في المشقة: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة.
المشقة الخفيفة وما قرب منها لا تسقط القيام، والعجز عن القيام وما قرب منه يسقطه، والاجتهاد فيما بين ذلك من المشاق.
المشقة ليست علة لسقوط القيام، وإلا لسقط القيام عن الصحيح إذا شق عليه القيام، وإنما العلة هو المرض إذا كان مظنة لزيادة الألم، أو المرض، أو تأخر البرء، أو الذهول عن الخشوع والتدبر.
المشقة التي لا تنفك عن العبادة كالوضوء في البرد والصوم في الحر والمخاطرة في النفس بالجهاد لا توجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنه فرض معها.
يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذر أشق من الانتقال من القيام إلى القعود؛ لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات، بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد، ولأن القعود أقل كلفة على المريض من القيام.
قال إمام الحرمين في ضابط المشقة: أن تلحقه مشقة تذهب بخشوعه.
الخشوع في الصلاة: قدرة المصلي على استحضار قلبه لما يقرأ وطمأنينته
[ ١٨ / ٣٣٣ ]
في صلاته، فلو كان إذا قام في الصلاة توجع من قيامه، وأشغله الألم عن إقامة حق الصلاة من خشوع وتدبر فهو لم يستطع شرعًا، وإن كان قادرًا على القيام.
دفع المشقة عن المكلف مقصود للشارع تارة بالإبراد في شدة الحر، وتارة بالتخلف عن الجماعة كالتخلف لشدة البرد وبلل المطر وانتشار الوحل.
المشقة وإن عسر ضبطها، فيمكن للمجتهد تقريبها بالقياس على نظائرها مما ورد فيه نصٌّ، تحصيلًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة.
الأولى في ضابط مشاق العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة.
من أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة، فكيف إذا كان ألم المشقة مع القيام يذهب بأصل الخشوع أو أكثره؟
التأذي بالريح والبرد مسقط لصلاة الجماعة، وقد اجتمع فيه سببان للتخلف: ذهاب الخشوع أو كماله ومشقة التعرض للسع البرد، والأول مقيس على حضور الطعام، والثاني مقيس على مشقة التأذي بالمطر والوحل.
قال النووي في ضابط المرض المبيح للتخلف عن الجماعة، قال: ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر.
إذا كان المريض في الحضر يفطر إذا شق عليه الصوم مشقة تُرْبِي على مشقة الصوم في السفر مع قدرته عليه، فكذلك إذا شق القيام على المصلي صلى قاعدًا، وإن لم تنتف مطلق القدرة.
المسافر أقوى على الصوم من المريض على القيام بالصلاة، والصوم أحد أركان الإسلام، فتقاس عليه الصلاة بجامع المشقة، وإن لم يتعذر عليه القيام.
التأذي بالقمل مبيح للحلق في حق الناسك، فينبغي أن يعتبر تأذيه بالأمراض بمثل مشقة القمل.
[م-١١٣٧] المصلي الذي لا يقدر على القيام فهذا لا خلاف أنه يصلي قاعدًا ضرورة، ولا يكلف بالقيام؛ لأنه تكليف بما لا يطاق.
[ ١٨ / ٣٣٤ ]
وأما المشقة الخفيفة التي لا يُخْشَى منها زيادةٌ في المرض، ولا تَأَخُّرٌ في البرء، ولا تلهي عن الخشوع في الصلاة، ولا عن تدبر الأذكار، فهذه لا تسقط القيام.
وهناك مشقة بين هاتين المرتبتين، فما دنا من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا، كحمى خفيفة لم يوجبه، ولا يوجد ضابط يمكن الرجوع إليه إلا بالتقريب.
وقد ذكر القرافي أن المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة.
وقد أشار الشيخ العز بن عبد السلام إلى أن الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة، وإن كانت أدنى منها لم توجب التخفيف.
ولذلك اعتبر في مشقة المرض المبيح للفطر في الصوم: أن يلحقه مشقة في الحضر بسبب المرض كمشقة الصوم في السفر.
وفي إباحة محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها، مثل مشقة القمل الوارد فيه الرخصة.
وفي إباحة ترك القيام إلى القعود: أن يحصل به ما يشوش الخشوع وتدبر الأذكار، ولا يشترط فيها الضرورة، ولا العجز عن صورة القيام اتفاقًا (^١).
قال القرافي: «لا تشترط الضرورة، ولا العجز عن إيقاع صورة القيام إجماعًا (^٢).
فإذا كان العجز لا يراد به معناه اللغوي: أي عدم الإمكان، فمتى يسمى المصلي عاجزًا شرعًا عن القيام؟
اختلف العلماء في هذا:
فقيل: إذا غلب على ظن المصلي زيادةٌ في مرضه، أو تَأَخُرٌ في برئه، أو تَعَرُّضٌ لمشقة شديدة بسبب المرض صلى جالسًا، وهذا هو ضابط العجز عند الجمهور
_________________
(١) الفروق للقرافي (١/ ١١٩، ١٢١)، قواعد الأحكام (٢/ ١١، ١٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨١)، وانظر: حاشية الجمل (١/ ٣٤٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨)، كفاية النبيه (٤/ ٩٢).
(٢) القرافي في الذخيرة (٢/ ١٦٢)، وحكاه ابن عبد السلام في القواعد (٢/ ١٢)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٧٢).
[ ١٨ / ٣٣٥ ]
من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والأصح عند الحنابلة (^١).
وقيدت (المشقة) بسبب المرض؛ لأن الصحيح إذا لحقته مشقة فادحة بسبب القيام لا يسقط عنه القيام؛ لأن المشقة مشقة حالية تنقضي بانقضاء الصلاة، فهي خفيفة، فإن كان مع المشقة مرض صلى جالسًا؛ لأن المشقة مع المرض يخشى منها حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر برء ونحوه (^٢).
وقيل: ضابط العجز: أن يلحقه بالقيام مشقة تلهيه عن الخشوع وتدبر الأذكار، اختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية (^٣).
قال إمام الحرمين: «أن تلحقه مشقة تذهب بخشوعه. قال في المجموع: إن المذهب خلافه … وجمع بينهما: بأن ذهاب الخشوع ينشأ عن مشقة شديدة» (^٤).
وقال ميمون بن مهران: «إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلى جالسًا» (^٥).
وذلك يعني: أنه ما دام قادرًا على القيام، وإن كان بمشقة، فالقيام واجب، وهذا القول أضعفها.
وقد سبق لي بحث هذه المسألة في المجلد السابع، تحت عنوان: ضابط العجز المسقط للقيام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد (^٦).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٢١)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٦)، فتح القدير (٢/ ٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٤)، الموافقات (١/ ٣٣١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٥٨)، منح الجليل (١/ ٢٧٣)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٨)، الإنصاف (٢/ ٣٠٥)، المبدع (٢/ ١٠٨)، كشاف القناع (١/ ٤٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٠٦).
(٢) حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٦).
(٣) الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٢)، قواعد الأحكام بمصالح الأنام (٢/ ١٢)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٧٢)، المجموع (٤/ ٣١٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨)، حاشية الجمل (١/ ٣٤٠).
(٤) مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨).
(٥) الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٧٣)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٠٦).
(٦) المجلد السابع (ص: ٤٥٣) مسألة (٤٩٤).
[ ١٨ / ٣٣٦ ]