المدخل إلى المسألة:
القيام ركن بالاتفاق والجماعة مختلف في وجوبها، والأئمة الأربعة على عدم وجوبها في المسجد.
قال في حديث أبي هريرة: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. رواه البخاري.
مراعاة الواجب في العبادة أولى من مراعاة الواجب لها، هذا على القول بأن الجماعة في المسجد واجب.
الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها.
تركت الجماعة لحضور الطعام، ولشهوة أكل الكراث والبصل، فالمريض أولى بالعذر إذا ترك الجماعة لمصلحة ركن القيام.
من ترك الجماعة معذورًا، حسب له الأجر كاملًا، فكيف إذا كان ذلك أيضًا لمصلحة ركن من أركان الصلاة.
[م-١١٤٨] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى منفردًا صلى قائمًا، وإن صلى في جماعة صلى جالسًا، فأيهما يقدم؟
فقيل: يصلي منفردًا وجوبًا، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، واختاره بعض الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة، قدمه أبو المعالي، وصوبه في الإنصاف، قال في التنقيح: وهو أظهر (^١).
_________________
(١) وجاء في تبيين الحقائق (١/ ٢٠٣): «ولو كان يطيق القيام إذا صلى وحده، ولا يطيقه مع الإمام يصلي وحده عندنا؛ لأن القيام فرض والجماعة سنة». ومقتضى التعليل الوجوب، وهو خلاف ما نقله ابن مفلح في الفروع (٣/ ٧٩)، جاء فيه: «ومن قدر قائمًا منفردًا وجالسًا جماعة خير (وه ش)» يعني: وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. وجاء في تحرير الفتاوى لأبي زرعة العراقي (١/ ٢٤٠): «وقال أبو الخير المقدسي في (شرح المفتاح): يتعين الانفراد، ولا يجوز له ترك القيام؛ لأن القيام فرض والصلاة في الجماعة نافلة، والفرض أولى من النافلة». وجاء في معونة أولي النهى (٢/ ٤١٥): وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا منفردًا؛ لأن القيام ركن بخلاف الجماعة. وجاء في الإنصاف (٢/ ٣٠٩): «وقيل: تلزمه الصلاة قائمًا. قلت: وهو الصواب؛ لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر، والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها، وقعودهم خلف إمام الحي لدليل خاص ثم وجدت أبا المعالي قدم هذا». وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٤)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٧٥)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٢٢٢)، المغني (٢/ ١٠٧)، التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ص: ١١٢)، الفروع (٣/ ٧٩)، المبدع (٢/ ١١١)، المنهج الصحيح في الجمع بين المقنع والتنقيح (١/ ٣٧٧).
[ ١٨ / ٤٢٤ ]
وقال مالك: لا يعجبني أن يصلي في المسجد، وظاهر العبارة تفضيل الانفراد (^١).
وقال الشافعي: إن قدر أن يصلي قائمًا منفردًا، وإذا صلى مع جماعة قعد في بعضها جاز له إيقاعها في جماعة، ولكن الانفراد أفضل (^٢).
وهل قوله: (قعد في بعضها) قيد بحيث لو قعد في كلها مع الجماعة وجب أن يصليها كلها قائمًا منفردًا، فيه احتمال.
وقد جاء في كفاية النبيه: «إذا قدر على أن يصلي قائمًا منفردًا، وإن صلى في
_________________
(١) جاء في النوادر والزيادات (١/ ٢٥٨): «ومن (الْعُتْبِيَّة)، من سماع ابن القاسم، وعن المريض، قريب من المسجد يأتيه ماشيًا، أيصلي فيه جالسًا. يريد: الفريضة. قال: لا يعجبني، ولو حدث عليه شيء بعد أن أتاه لم أر بذلك بأسًا». وقال صاحب الطراز نقلًا من الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٤): «لو كانت داره بمقربة من المسجد، فيأتيه ماشيًا، ويصلي فيه جالسًا، قال مالك: لا يعجبني». والظاهر أنه كرهه.
(٢) روضة الطالبين (١/ ٢٣٦)، المجموع (٤/ ٣١٢)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٧٥)، البيان للعمراني (٢/ ٤٤٤)، مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق (الإسنوي) (٢/ ١١٤)، الأشباه والنظائر لابن الملقن (٢/ ١٧١)، القواعد للحصني (١/ ٤٤٩)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٣٣٩).
[ ١٨ / ٤٢٥ ]
جماعة قعد، قال الشافعي: أمرته أن يصلي منفردًا» (^١).
وأخشى أن يكون ابن الرفعة نقل قول الشافعي بالمعنى.
وقال ابن مفلح في النكت على المحرر: «وإطلاق كلامه أيضًا يقتضي: أنه إن أمكنه الصلاة قائمًا منفردًا، وفي الجماعة جالسًا أنه يصلي قائمًا منفردًا، وقدمه الشيخ وجيه الدين» (^٢).
وقيل: يصلي قاعدًا جماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).
وقيل: يخير بينهما، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٤).
جاء في الإنصاف: «لو قدر على الصلاة قائمًا منفردًا، وجالسًا في الجماعة: خير بينهما، على الصحيح من المذهب» (^٥).
فصارت الأقوال إلى أربعة أقوال تؤول إلى ثلاثة:
يصلي قائمًا منفردًا، على خلاف في وجوبه.
وقيل: يصلي جالسًا جماعة.
وقيل: يتخير بينهما. والله أعلم.
دليل من قال: يصلي قائمًا منفردًا:
الدليل الأول:
أن القيام ركن بالاتفاق؛ وجزء من ماهية الصلاة؛ لقول النبي: (صلِّ قائمًا).
وأما أداء الصلاة جماعة فالجمهور على أن ذلك سنة خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد.
وعلى القول بوجوب الجماعة فإنه لا يجب فعلها في المسجد، وهو قول الأئمة الأربعة، حتى أوجب الحنابلة الصلاة في البيت جماعة على الصلاة منفردًا
_________________
(١) كفاية النبيه (٤/ ٩٣).
(٢) النكت على المحرر (١/ ١٢٥).
(٣) النكت على المحرر (١/ ١٢٥)، المبدع (٢/ ١١٠)،.
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٠٩)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٧٧).
(٥) الإنصاف (٢/ ٣٠٩).
[ ١٨ / ٤٢٦ ]
في المسجد؛ لأن الجماعة واجبة عندهم، وفعلها في المسجد سنة في أصح الروايتين، لقوله ﷺ: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ) متفق عليه، وقوله: (رجل) نكرة في سياق الشرط فتعم كل رجل، فذًّا كان أو جماعة، ولم يقيد ذلك على عدم إمكان فعلها في مسجد.
وقال ﷺ: (حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ) متفق عليه، اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة في أي مكان، ولو لم يكن مسجد، فله أن يصلي إلا ما استثني بدليل، كالمقبرة، والحمام، وأعطان الإبل.
ولأن قوله: (فصلِّ) أمر، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، ومن قال: لا تصل إلا في المسجد ففيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث المتفق على صحتها.
وقد قال ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، متفق عليه، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره.
فإذا كان المريض يستطيع الصلاة جماعة في البيت قائمًا وإذا ذهب إلى المسجد صلى جالسًا فإنه يصلي في البيت، لأنه لا يمكن أن تقدم فضيلة المكان على ركن من أركان الصلاة، وقد بحثت في المجلد الخامس عشر حكم صلاة الجماعة، وحكم وجوبها في المسجد، فارجع إليهما إن شئت.
وعلى التنزل أن الصلاة جماعة واجبة في المسجد، فيقدم تحصيل القيام على تحصيل الجماعة؛ لأن القيام فرض فيها، فلو تركه مع القدرة عليه بطلت صلاته، والجماعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فلو تركه مع القدرة عليه لم تبطل صلاته، وما وجب فيها مقدم على ما وجب لها، والفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٣٩) ما رواه الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم،
عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال:
[ ١٨ / ٤٢٧ ]
فما رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (^١).
غضب النبي كان موجهًا للإمام، وليس للمتخلف، وكان من قبل أن يسأل المصلي المتأخر، أكانت إطالة الإمام موافقة للسنة أم مخالفة لها؟ وإذا كانت الزيادة مخالفة للسنة، أكانت كثيرة شاقة أم يسيرة محتملة، فإذا أقر النبي الرجل على تركه الجماعة للمشقة، ولم يعاتبه على تأخره، ولم يطلب منه تحمل مثل ذلك طلبًا للأجر، فالمريض الذي يشق عليه الذهاب إلى المسجد حتى يحمله ذلك على الصلاة جالسًا إذا سعى إليها، وإن صلى في بيته بقيت له من قوته ما يقدر معه على الصلاة قائمًا هذا الرجل المريض أولى بالمراعاة من ذلك الصحيح الذي ترك الجماعة لإطالة الإمام.
دليل من قال: يصلي جالسًا جماعة:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٤٠) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم،
عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (أتسمع النداء) فهذا الرجل مأمور بإجابة النداء، والنداء سابق على الصلاة، فيأتي بالسابق، فإذا وصل إلى المسجد، فإن قدر صلّى قائمًا، وإلا فلا، وقد يظن أنه إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، ثم يمده الله ﷿ بنشاط ويستطيع القيام.
وأجيب:
بأن الحديث معلٌّ متنًا وسندًا.
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٠٢)، وصحيح مسلم (٤٦٦).
(٢) صحيح مسلم (٢٥٥ - ٦٥٣).
[ ١٨ / ٤٢٨ ]
أما المتن، فالأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (^١).
وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟!
ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وأن بينه وبين المسجد شجرًا ونخلًا جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم، فليس البحث في العمى، أهو عذر بنفسه في إسقاط الجماعة أم لا، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، ولكن البحث في أعمى لا قائد له، فأصبح غير قادر، لا بنفسه، ولا بغيره إلا بمشقة وأذى قد يتعرض له.
والنبي ﷺ رخص للمبصر إذا أقيمت الصلاة وقُدِّمَ العَشاءُ أن يبدأ بالعشاء، ولو فاتته الجماعة، ولم يشترط لتقديم العشاء على الصلاة غلبة الجوع، ولا الخوف على الطعام من الفساد لو أخره إلى ما بعد الصلاة، ورخص في المطر للمؤذن أن ينادي: (صلوا في رحالكم) عند جمهور أهل العلم، والمطر ليس مخوفًا على الحياة كالسباع والهوام، بل وأسقط الشارع الجماعة لشهوة أكل كراث، أو بصل، أو ثوم، فإذا اشتهى الرجل أَكْلَ شيء منها، فله أكله، ويدع الجماعة، أيكون أولئك أولى بالعذر من الرجل المريض الذي ترك الجماعة لمصلحة ركن من أركان الصلاة وهو القيام، أو يكون هؤلاء أولى من الأعمى الذي لا قائد له يقوده إلى المسجد،
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ٦٢٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٥٨)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٣/ ٥٥٢)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٨٣٤)، فتح الباري (٢/ ١٣٠)، شرح القسطلاني على البخاري (٢/ ٣٨).
[ ١٨ / ٤٢٩ ]
ويخشى على نفسه من السباع، وبينه وبين المسجد نخل وشجر يخشى أن يتعثر فيها.
وهذا ما جعل الجوزجاني يقول فيما نقله الحافظ ابن رجب عنه وأقرَّه: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره، بمعنى: لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن مكتوم. والله أعلم» (^١).
ولو كان الاعتراض على الحديث من جهة المتن فحسب لكنت كرهت هذا الاعتراض على الحديث، خشية أن يقدم النظر على النص، ولكن حين يجتمع الإعلال بالحديث سندًا ومتنًا، فإن هذه علة قادحة في صحة الحديث.
أما الإسناد، فقد سبق تخريج الحديث في المجلد الخامس عشر، وأنه لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، وهذا أصح إسناد روي فيه هذا الحديث، وما عداه مما روي مسندًا فلا يصح، وأكثرها لا يصلح للاعتبار.
وعبيد الله بن عبد الله ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب، مقبول.
والحديث غريب من حديث أبي هريرة، وأبو هريرة له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين كبار أصحابه عن هذا الحديث المهم، والذي يتعلق بأهم العبادات، وهي الصلاة، والسلف لهم عناية بأحاديث الصلاة، فأين سعيد بن المسيب، وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة، ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة.
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٨٥). والفقهاء مختلفون هل العمى عذر في سقوط الجماعة أو ليس بعذر، على قولين، لكن إذا أضيف إلى العمى كونه لا قائد له، وخاف على نفسه تلفًا، أو ضررًا حرم عليه حضور الجماعة، ولا يكفي أن يقال: لا تجب عليه الجماعة، ولا ينبغي الخلاف في ذلك؛ لأن حفظ النفس واجب بأدلة قطعية.
[ ١٨ / ٤٣٠ ]
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٤١) ما رواه الإمام مسلم من طريق أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله قال: من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن حتى قال: … ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (^١).
ونوقش هذا:
هذا الخطاب من ابن مسعود ﵁ في مقام الترغيب في صلاة الجماعة، ويظهر أنه رأى في التابعين من يصلي في بيته، ويتخلف عن صلاة الجماعة، والظاهر أيضًا أن هذا الفعل من آحاد الصحابة وليس من غالبهم، بدليل أن النبي وهو القدوة قد سقط من فرسه حتى جحش شقه، وصلى بالبيت، والظاهر أنه لم يبلغ به المرض حتى لا يستطيع أن يأتي إلى الجماعة يهادى بين رجلين، ولم يذكر ابن مسعود ﵁ أن النبي قد رأى هذا الرجل المريض وأقرَّه، وغايته أن يدل على تفضيل الجماعة، ولا يؤخذ منه وجوبها؛ لأن مثل هذا الرجل لا تجب عليه الجماعة بالإجماع، كما يظهر من حالته أنه سوف يصلي جالسًا إن صلى في بيته أو صلى في المسجد، فخرج من الاستدلال به في هذه المسألة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن الرجل إذا جاء المسجد، ثم افتتح الصلاة قائمًا قدر استطاعته امتثالًا لقوله: في حديث عمران بن الحصين: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، فإذا شعر بالضعف شرع له الجلوس، وكتب له العمل قائمًا؛ لأنه إنما جلس للعذر، فحصل له فضيلتان: أجر القيام، وأجر الجماعة، وإذا صلى في بيته جالسًا لم يحصل له أجر الجماعة.
ونوقش هذا:
بأن الرجل الذي صلى في بيته منفردًا للعذر يحسب له أجر الجماعة أيضًا؛
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٥٧ - ٦٥٤).
[ ١٨ / ٤٣١ ]
لأنه إنما ترك الجماعة من أجل العذر.
ثم إن هذا الكلام متوجه في حق رجل لا يشق عليه المشي إلى الصلاة، فإذا جاء إلى المسجد كان فيه بعض القوة ليصلي بعض الصلاة قائمًا وبعضها جالسًا، أما إذا كان المشي إلى المسجد يشق عليه حتى يتسبب له في افتتاح الصلاة قاعدًا خلف الإمام لا يتوجه له القول بالجمع بين القيام والجلوس في الصلاة، فيصلي في البيت قائمًا أولى من صلاته في المسجد جالسًا.
جاء في الذخيرة للقرافي: «قد رأينا من يطيق المشي، ولا يطيق القيام، فيصلي هذا جالسًا، فإن كان يطيقه إلا أن الإمام يطول صلى وحده؛ لأن القيام فرض والجماعة سنة» (^١).
فجعل القرافي المرضى على قسمين:
أحدهما: لا يشق عليه المشي، ويشق عليه القيام، فهذا يصلي جماعة جالسًا؛ لأنه إن صلى في البيت أو صلى في المسجد سوف يصلي جالسًا.
والثاني: رجل يطيق القيام إلا أن الإمام يطول حتى يشق عليه القيام، فيضطر إلى الصلاة جالسًا، فهذا عند الإمام القرافي يصلى وحده.
الدليل الرابع:
الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام: فصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
وصلاة الجماعة: تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وفي رواية بخمس وعشرين درجة، فكانت المضاعفة بالجماعة أكثر.
ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
القيام فرض بالإجماع، وما تقرب العبد إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه، بخلاف الجماعة، وقد تقدم لك في أدلة القول الأول وجوه ترجيح القيام.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٤).
[ ١٨ / ٤٣٢ ]
الوجه الثاني:
أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم إنما يكون هذا بشرطين: أن يكون ذلك في صلاة النافلة، وأن يكون مع القدرة على القيام، وأما في الفرض فلا تصح الصلاة قاعدًا بلا عذر، ومع العذر فإن له الأجر كاملًا لا فرق بين الفرض والنفل.
دليل من قال: يخير بينهما:
تعارض هنا واجبان: واجب الجماعة، وواجب القيام، وليس أحدهما أولى بالترجيح من الآخر، ولأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا، فاستويا.
الراجح:
أن المصلي يلزمه مراعاة القيام على مراعاة الجماعة في المسجد.
[ ١٨ / ٤٣٣ ]