المدخل إلى المسألة:
الفعل إن ذُمَّ على تركه مطلقًا فهو الواجب المضَيَّق، وإن لم يُذَمَّ على تركه مطلقًا، فهو المندوب، وإن ذُمَّ على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولم يُذَمَّ على تركه إلى بعض أجزاء الوقت فهو الواجب الموَسَّع، والصلاة من الواجب الموَسَّع.
من فعل الصلاة في أول الوقت أو في وسطه، أو في آخر وقت الاختيار، فقد أدى ما فرض الله عليه بالإجماع.
المكلف مخير بين فعل الصلاة أول الوقت وبين تأخيرها إلى آخر الوقت، والتأخير إذا كان بإذن الشارع لا يسمى تركًا.
لو كان وجوب الصلاة يتعلق بأول الوقت لما وجبت الصلاة على الحائض والكافر والصبي إذا ارتفع عنهم المانع في وسط الوقت أو في آخره، فلما وجبت الصلاة عليهم عُلِم أن أول الوقت كآخره في سبب الوجوب.
كل جزء من الوقت الموسع يعتبر سببًا تامًّا لوجوب الصلاة.
كل جزء من الوقت الموسع صالح لإيقاع الفعل.
لا يتعين الواجب الموسع إلا بتعيين المكلف أو أن يبقى من الوقت مقدار الفعل، وقيل: أو يبقى مقدار ركعة تامة بسجدتيها، والأول أصح.
إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، فأراد أن يصلي فله الجمع والقصر؛ لأن العبرة بالصلاة المؤداة وقت الأداء؛ لأنه لم يتعين أول الوقت وقتًا لأداء الصلاة.
العبرة بالصلاة المقضية وقت الوجوب، فإذا وجبت عليه صلاة حضر، فتذكرها في سفر صلاها أربعًا، أو وجبت عليه صلاة سفر، فتذكرها في حضر صلاها ركعتين.
[ ١٨ / ٢٠٥ ]
[م-١١٢٤] إذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام قبل أن يصلي، فالعلماء متفقون على أن الإقامة تقطع حكم السفر، فليس له أن يجمع ولا يقصر (^١).
واختلفوا في الرجل يدخل عليه الوقت، وهو مقيم، ثم يسافر في أثناء الوقت، فهل له أن يترخص برخص السفر، كالقصر عند الحنفية، أو القصر والجمع عند الجمهور.
والخلاف في هذه المسألة راجع إلى الاختلاف: متى تجب الصلاة على المكلف؟
فمن قال: تجب الصلاة في آخر الوقت، وهو قول أكثر العراقيين من الحنفية (^٢).
أو قال: الوجوب يتعلق بزمن يسع فعل العبادة إلا أنه غير معين، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء، أو بأن يضيق الوقت، وهو ما عليه جمهور الحنفية، ورجحه ابن رشد من المالكية، وقال الباجي: «هذا هو الذي يجري على أصول المالكية، ورجحه ابن العربي» (^٣).
أو قال: الوجوب يتعلق بجميع الوقت، وعليه جمهور المالكية (^٤)، فهؤلاء لا يمنعون من الترخص برخص السفر، فإذا سافر بعد دخول الوقت فله أن يقصر الصلاة عند الحنفية، وله أن يقصر ويجمع عند المالكية، وهو رواية عن أحمد، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (^٥).
قال في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: «ولو سافر في آخر الوقت يقصر عندنا وإن لم يبق من الوقت إلا مقدار التحريمة» (^٦).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٤٩)، التجريد للقدوري (٢/ ٨٩٠)، المنتقى للباجي (١/ ٢٣).
(٢) أصول السرخسي (١/ ٣١)،.
(٣) ميزان الأصول للسمرقندي (المختصر) (ص: ٢١٧)، وانظر شرح أصول البزدوي (١/ ٢١٩)، النكت شرح زيادات الزيادات للسرخسي (ص: ١٧٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (١/ ٣٨١)، شرح التلقين (١/ ٣٧٧)، المقدمات الممهدات (١/ ١٥٢).
(٤) المقدمات الممهدات (١/ ١٥٢)، شرح التلقين (١/ ٣٧٧).
(٥) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ٢٣٨)، بدائع الصنائع (١/ ٩٥، ٩٦)، المحيط البرهاني (٢/ ٤٠)، الاختيار (١/ ٨٠)، مجمع الأنهر (١/ ١٦٤)، الهداية (١/ ٨١)، المغني لابن قدامة (٢/ ٢٠٩)، الفروع (٣/ ٩٢)، الإنصاف (٢/ ٣٢٢).
(٦) الجوهرة النيرة (١/ ٨٦).
[ ١٨ / ٢٠٦ ]
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم متمكن من فعلها فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر وقد بقي من وقتها ما يمكنه أداؤها فيه فله أن يقصر، خلافًا لمن حكي عنه من أصحاب الشافعي أنه ليس له قصرها» (^١).
وقال ابن قدامة: «وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فقال ابن عقيل: فيه روايتان؛ إحداهما: له قصرها. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها.
والثانية: ليس له قصرها؛ لأنها وجبت عليه في الحضر، فلزمه إتمامها، كما لو سافر بعد خروج وقتها، أو بعد إحرامه بها، وفارق ما قبل الوقت؛ لأن الصلاة لم تجب عليه» (^٢).
ومن قال: تجب الصلاة بأول الوقت، كالشافعية، والحنابلة، فاختلفوا:
فقال الشافعية: له الجمع والقصر، وخالفوا أصلهم (^٣).
وجه التفريق:
فرق الشافعية بين وجوب الصلاة، فهذا يتعلق بأول الوقت، فإذا دخل ومضى منه ما يسع فعل الصلاة، وجبت عليه الصلاة، فلو حاضت المرأة بعد ذلك وجب عليها القضاء، وبين صفة الصلاة، فإن ذلك يتعلق بحال الأداء، لا بحال الوجوب، فإذا سافر في أثناء الوقت، فإن له أن يجمع ويقصر.
وقال الحنابلة: ليس له الترخص، فطردوا أصلهم، قال في الإنصاف: وهو من المفردات، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره المزني (^٤).
_________________
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٣١٠).
(٢) المغني (٢/ ١٠٩).
(٣) جاء في المجموع (٤/ ٣٦٨): «إذا سافر في أثناء الوقت، وقد مضى من الوقت ما يمكن فعل الصلاة فيه، نص الشافعي أن له قصرها، ونص فيما إذا أدركت من أول الوقت قدر الإمكان ثم حاضت، أنه يلزمها القضاء». وانظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٩٦)، نهاية المطالب (٢/ ٤٣٩)، حلية العلماء للقفال (٢/ ٢٣٩).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٢٢)، الإقناع (١/ ١٨١)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٧٤)، كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٧)، الفروع (١/ ٢١١) و(٣/ ٩٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٤)، المبدع (٢/ ١١٨)، التنقيح المشبع (ص: ١١٣)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٢)، منتهى الإرادات (١/ ٢٩٤).
[ ١٨ / ٢٠٧ ]
لأن الصلاة وجبت في ذمته وقت الحضر، فوجب أن يصليها أربعًا.
ورد عليهم:
بأن هذا ينتقض بمن دخل عليه الوقت في السفر، ثم دخل بلده، فإنكم توجبون عليه الإتمام، مع أنه حين وجبت عليه كان مسافرًا.
والراجح:
هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى، وهي: متى يتعين وجوب الصلاة على المكلف، والخلاف في هذه المسألة يتفرع منها مسائل كثيرها، منها:
مسألة البحث، إذا دخل عليه الوقت، ثم سافر، هل له أن يجمع ويقصر أم لا؟
ومنها: هل يمسح مسح مقيم أو مسح مسافر؟
ومنها: إذا دخل الوقت، فطرأ عليه مانع من الصلاة كالحيض، هل يجب على المرأة القضاء إذا طهرت أم لا؟
إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الأصل.
وقد تم بحث مسألة: (متى يتعين الوقت وجوبًا لأداء الصلاة؟) في المجلد الثاني من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن إعادة أدلتها.
والراجح:
أن المسافر إذا سافر أثناء الوقت فله الجمع والقصر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
فهذا الخطاب عام، ولم يخص الضرب في أول الوقت ولا في آخره.
[ ١٨ / ٢٠٨ ]