المدخل إلى المسألة:
ما سقط عن المكلف لا تعاد الصلاة بسببه.
ما ترتب على المأذون غير مضمون.
كل من أدى فرضه امتثالًا لأمر الشارع لم يطلب منه الإعادة إذا قدر، لا فرق في ذلك بين أن يكون في أثناء الصلاة أو بعدها إلا في عودة الحدث كوجود الماء للمتيمم أثناء الصلاة.
الأصل عدم الإعادة إلا بدليل، ولم يثبت أمر من الشارع في الإعادة لمن صلى عاجزًا ثم قدر، ولا للعاري إذا صلى عاجزًا عن ستر العورة ثم قدر على السترة.
كل من دخل في صلاته بإذن من الشارع إما لعجز، أو لاجتهادٍ سائغٍ وشَرَعَ في العبادة على وجه مأذون له فيه، ثم قدر أو تبين له الخطأ في أثناء الصلاة فإنه ينتقل، ويبني.
تحول الصحابة عن القبلة وهم في الصلاة حين أخبروا بتحويل القبلة، وبنوا على صلاتهم، فكذلك المريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا أو مضطجعًا ثم قدر على القيام فإنه يتحول، ويبني على ما مضى من صلاته.
إذا جاز للمصلي أن يفتتح صلاة التطوع قاعدًا ثم يقوم، ويبني على ما صلى وكان هذا جائزًا بالإجماع، جاز ذلك في المعذور إذا صلى قاعدًا، ثم زال العذر.
الحكم يدور مع علته، فإن عجز صحيح أثناء الصلاة قعد، وإن صح مريض قام.
[م-١١٤٧] لو افتتح الصلاة قائمًا ثم طرأ عليه مرض بنى على ما صلى، سواء صلى قاعدًا أو مضطجعًا، وبه قال الجمهور، وهو الأصح من قولي أبي حنفية (^١).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٣، ١٩٤)، الأصل، ط: القطرية (١/ ١٩٢)، وانظر: الهداية (١/ ٧٧)، النوادر والزيادات (١/ ٢٥٧)، عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٨)، المجموع (٤/ ٣١٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٧)، الإنصاف (٢/ ٣٠٩)، الإقناع (١/ ١٧٧).
[ ١٨ / ٤١٧ ]
جاء في الأصل للشيباني: قلت: أرأيت رجلًا افتتح الصلاة، وهو صحيح قائم، ثم أصابه وجع، فلم يستطع أن يصلي إلا قاعدًا يومئ إيماء، أو مضطجعًا يومئ إيماء، أيصلي بقية صلاته بالإيماء وقد صلى بعضها قائمًا؟ قال: نعم» (^١).
وعلل الحنفية صحة البناء؛ لأنه من بناء الأدنى على الأعلى.
ولأنه يؤدي البعض كاملًا والبعض ناقصًا، وهو أولى من أن يستقبل، فيؤدي الكل ناقصًا.
هكذا قالوا، والنقص في الصورة، وإلا فلا نقص مع العذر.
وعن أبي حنيفة رواية أخرى في مقابل ظاهر الرواية: أنه يستقبل إذا صار إلى الإيماء بالركوع والسجود؛ لأن تحريمته انعقدت موجبة للركوع والسجود فلا يجوز بدونهما.
جاء في تحفة الفقهاء: «فأما الصحيح إذا مرض في وسط الصلاة بحيث يعجز عن القيام أو الركوع والسجود فجواب ظاهر الرواية أنه يمضي على صلاته على حسب ما يقدر عليه من الركوع والسجود قاعدًا أو بالإيماء.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يستقبل، والصحيح ظاهر الرواية» (^٢).
وقال الزيلعي: «والصحيح الأول؛ لأن أداء بعض صلاته بركوع وسجود، وبعضها بالإيماء أولى من أن يؤدي الكل بالإيماء» (^٣).
ولو افتتح الصلاة جالسًا أو مضطجعًا لعجز، ثم قدر على القيام، فاختلف الفقهاء:
فقيل: يبني على ما صلى مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وبه قال زفر من الحنفية (^٤).
_________________
(١) الأصل، ط: القطرية (١/ ١٩٢)، وانظر: الهداية (١/ ٧٧).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٣، ١٩٤).
(٣) تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢).
(٤) المبسوط (١/ ٢١٨)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧١)، التجريد للقدوري (٢/ ٦٣٥)، عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١٣٧)، التمهيد لابن عبد البر، ت: بشار (١٤/ ٦٥)،، فتح العزيز (٣/ ٢٩٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٥١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٩٨، ٣٠٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٨)، المجموع (٤/ ٣١٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٠)، التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (٢/ ٢٩٧)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٣)، عمدة الحازم (ص: ١٠٤)، المقنع (ص: ٦٤)، الكافي (١/ ٣١٥)، الإنصاف (٢/ ٣٠٩)، المنهج الصحيح في الجمع بين المقنع والتنقيح (١/ ٣٧٧)، الإقناع (١/ ١٧٧)، معونة أولي النهى (٢/ ٤١٤)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٥٤).
[ ١٨ / ٤١٨ ]
قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «العاجز عن القيام إذا ابتدأ الصلاة جالسًا، ثم قدر على القيام، فإنه يلزمه أن يقوم، ويبني على ما تقدم» (^١).
قال الشيرازي في المهذب: «وإن افتتح الصلاة قائمًا ثم عجز قعد، وأتم صلاته. وإن افتتحها قاعدًا ثم قدر على القيام، قام وأتم صلاته؛ لأنه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعدًا عند العجز، وجميعها قائمًا عند القدرة، فجاز أن يؤدي بعضها قاعدًا عند العجز، وبعضها قائمًا عند القدرة. وإن افتتح الصلاة قاعدًا، ثم عجز، اضطجع. وإن افتتحها مضطجعًا، ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد والتعليل ما ذكرناه» (^٢).
وقيل: يستقبل الصلاة مطلقًا، وإليه ذهب محمد بن الحسن (^٣).
جاء في كتاب الأصل للشيباني: «قلت: فإن صلى قاعدًا يسجد ويركع، وصلى ركعتين، ثم بَرَأ وصحّ؟ قال: يصلي بقية صلاته قائمًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يستقبل الصلاة» (^٤).
وقيل: إن صلى بإيماء ركعة ثم صَحَّ استقبل صلاته، وإن صلى قاعدًا يركع ويسجد ثم صحَّ بنى وهذا مذهب الحنفية (^٥).
_________________
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٩٤).
(٢) المهذب (١/ ١٩٢).
(٣) مختصر القدوري (ص: ٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢)،.
(٤) الأصل، ط: القطرية (١/ ١٩٢).
(٥) المبسوط (١/ ٢١٨)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧١)، الهداية شرح البداية (١/ ٧٧)، المحيط البرهاني (٢/ ١٤٧)، البحر الرائق (٢/ ١٢٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٧٧)، العناية شرح الهداية (٢/ ٧).
[ ١٨ / ٤١٩ ]
دليل من قال: تصح مطلقا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٣٧) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (^١).
فإذا صح التحول في أثناء الصلاة، وقد بنى الصحابة على ما مضى من صلاتهم إلى بيت المقدس، دل ذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.
قال ابن رجب: «فيدخل في ذلك الأمة إذا عتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس، والسترة قريبة، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبًا، وقدر على الطهارة به، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا ثم قدر على القيام» (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٣٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ أم المؤمنين أنها أخبرته: أنها لم تر رسول الله يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، أو أربعين آية، ثم ركع.
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام به (^٣).
وجه الاستدلال:
إذا جاز للمصلي أن يفتتح صلاة التطوع قاعدًا ثم يقوم، ويبني على ما صلى وكان هذا جائزًا بالإجماع، جاز ذلك في المعذور إذا صلى قاعدًا، ثم زال العذر، بجامع أن كلًّا منهما كان الجلوس في أول صلاته مأذونًا له فيه.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٠٣)، وصحيح مسلم (١٣ - ٥٢٦).
(٢) فتح الباري (١/ ١٨٨).
(٣) صحيح البخاري (١١١٨)، وصحيح مسلم (١١١ - ٧٣١)، والحديث في الموطأ (١/ ١٣٧).
[ ١٨ / ٤٢٠ ]
الدليل الثالث:
إذا جاز أن يؤدِّي جميع صلاته قاعدًا أو مضطجعًا عند العجز، وجميعها قائمًا عند القدرة، جاز أن يؤدِّي بعضها قاعدًا أو مضطجعًا عند العجز، وبعضها قائمًا عند القدرة، والله أعلم.
لأنه إذا جاز الانتقال والبناء من القيام إلى القعود أو الاضطجاع عند العجز مع أنه انتقال من كمال إلى نقص، فأولى أن يبني إذا صلى عاجزًا ثم قدر؛ لأنه انتقال من نقص إلى كمال، والتعليل بالنقص والكمال جريًا على قواعد الحنفية، وإلا فإن صلاة المعذور قاعدًا أو مضطجعًا لا نقص فيها، وأجره كأجر الصحيح.
ولأن ما مضى من صلاته كان جائزًا على حسب قدرته، فوجب أن لا تبطل بتغير حاله، كما لو قدر على القيام ثم عجز عنه في بعض الصلاة فقعد.
ولأن دخوله في البدل كان مأذونًا له فيه فإذا قدر على المبدل وجب ألا تبطل صلاته (^١).
ومثله لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميًّا، فيدخل في الصلاة ويلقن آية من القرآن لزمه أن يقرأ، ومثله لو كان عاجزًا عن ستر عورته، فاستفتح الصلاة، ثم قدر على السترة في أثنائها، لزمها أن يسترها، ويبني.
دليل من قال: لا تصح مطلقًا:
قاس محمد بن الحسن قوله هذا على قوله في الاقتداء، فعنده أن القائم لا يقتدي بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه، وعندهما -يعني: أبا حنفية وأبا يوسف- القائم يقتدي بالقاعد إذا كان القاعد يركع ويسجد، فكذلك يبني في حق نفسه (^٢).
وعلل المنع بقوله: إن حال القائم أقوى من حال القاعد، فلا يجوز بناء القوي على الضعيف، فكذلك في البناء في حق نفسه، فإنه إذا افتتح الصلاة قاعدًا لم يبن؛ لأن القوي لا يبنى على الضعيف.
_________________
(١) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٩٤).
(٢) جاء في النهاية شرح الهداية (٣/ ٤٥): «إذا كان الإمام قاعدًا يركع ويسجد فاقتدى به من يصلي قائمًا بركوع وسجود جاز في قولهما استحسانًا، وفي القياس لا يجوز، وهو قول محمد».
[ ١٨ / ٤٢١ ]
ويناقش:
بأن هذا نظر في مقابل النصف، فيكون فاسدًا، فالأصل المقيس عليه مخالف للنصوص، فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه قاعدًا حين سقط من فرسه، والحديث في الصحيحين من حديث أنس، وعائشة، وكذلك في مرض موته على أحد الأقوال.
دليل من فرق بين من يومئ بالركوع والسجود وبين أن يركع ويسجد:
قاسوا أحكام البناء على صلاته لنفسه على قولهم في الاقتداء، فقالوا: لا يجوز الاقتداء بالإمام القاعد إلا إذا كان يركع ويسجد فإن كان يؤمئ بهما لم يصح الاقتداء فكذا البناء، وكان القياس ألا يصح اقتداء القائم بالقاعد، وإنما تركناه استحسانًا لورود النص، فالنبي ﷺ صلى، وهو قاعد، والقوم قيام.
ولأنه ليس من شرط صحة الاقتداء مشاركة المأموم للإمام في القيام، بدلالة أنه لو أدرك الإمام في الركوع كبر قائمًا، وركع، واعتد بتلك الركعة، ولم يشاركه في القيام.
وأما الدليل على اشتراط أن يكون الإمام قادرًا على الركوع والسجود، فذلك لأن في اقتداء القائم بالرَّاكع استواء النِّصف الأسفل، وفي اقتداء القائم بالقاعد استواء النِّصف الأعلى، فتقع المشاركة بين المأموم وإمامه، فيجوز، بخلاف المومئ بالركوع والسجود، فلا مشاركة بينه وبين إمامه، فما جاز فيه الاقتداء جاز في البناء على فعل نفسه، وما امتنع فيه الاقتداء امتنع فيه البناء على فعل نفسه.
جاء في تحفة الفقهاء: «ولو أن المريض إذا قدر على القيام أو على الركوع والسجود بعدما شرع في الصلاة قاعدًا وبالإيماء، ينظر:
إن شرع قاعدًا بركوع وسجود فإنه يبني على تلك الصلاة ويتمها قائمًا بركوع وسجود عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن من أصلهما أن اقتداء القائم بالقاعد الذي يصلي بركوع وسجود جائز في الابتداء فكذلك يجوز في البناء.
وعلى قول محمد: لا يبني بل يستقبل؛ لأن عنده لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد فكذا لا يجوز البناء.
[ ١٨ / ٤٢٢ ]
وأما إذا كان يصلي بالإيماء قاعدًا أو مستلقيًا فلا يبني إذا قدر على القيام أو الركوع والسجود عندنا. وعلى قول زفر يبني.
والصحيح: قولنا، وهو أن الصلاة بالإيماء ليست صلاة حقيقية، لكن جعلت صلاة في حق المومئ بطريق الضرورة، فيظهر في حقه لا في حق غيره، فلا يجوز الاقتداء به إلا من الذي هو مثله بخلاف القائم مع القاعد، فإن القاعد مصلٍّ بالركوع والسجود على ما عرف» (^١).
ولا أعلم علة جامعة بين أحكام الاقتداء، وأحكام البناء على فعل نفسه.
والراجح: قول الجمهور بلا شك.
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٣، ١٩٤).
[ ١٨ / ٤٢٣ ]