المدخل إلى المسألة:
خبر الطبيب أمر خاص يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره، فإذا انْضَمَّ إليه غلبة الظن بصدقه قبل قوله.
لم يأمر الله برد خبر الفاسق ولا تكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبين، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله.
خبر الطبيب الفاسق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب.
خبر الطبيب ليس من قبيل الشهادة فيتطلب العدالة والعدد، ولا من قبيل الرواية، فيشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها.
إذا كان خبر الطبيب أدنى من الشهادة والرواية لم يتشدد في قبول خبره مع الظن بصدقه.
قال تعالى: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير المسلمين، فإذا قبلت شهادة الكافر إذا كان لا يوجد غيره قبل خبره من باب أولى.
لا يشترط أن يخبر الطبيب عن يقين، بل يكفي غلبة الظن؛ لتعذر اليقين.
قد يتخلف خبر الطبيب ولا يكون ذلك من جهته، ولكن لاختلاف تقبل الأجسام للعلاج، فقد يعتل اثنان بمرض واحد، ويأخذان علاجًا واحدًا، ويشفى أحدهما دون الآخر.
العلوم الطبية قائمة على أمرين: البحث والتجربة، والثاني يصدق الأول أو يكذبه، فإذا أخبر شخص عن تجربة قبل خبره ولو لم يكن طبيبًا.
إذا قبل المريض تجربة غيره قبل تجربة نفسه من باب أولى.
إذا أفطر الصائم بخبر الطبيب، إذا كان الصيام يضره، فكذلك يترك القيام أو السجود ولو كان قادرًا على فعله إذا كان يلحق الضرر به، أو يتسبب في داوم علته.
[ ١٨ / ٤٤٠ ]
[م-١١٥١] إذا أصابه وجع في عينه فأمره طبيب بترك القيام أو السجود، أو ترك الماء، أو أمره بالفطر، فهل له أن يعمل بخبره؟
فقيل: لا يجوز ترك القيام مع القدرة عليه، ولو أخبره طبيب عدل، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية (^١).
وقيل: له العمل بخبره إذا كان حاذقًا، وأخبر عن علم أو ظن، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في اشتراط إسلامه، وعدالته، وكون الخبر من اثنين، وفي قبول تجربته أو تجربة غيره (^٢).
ففي اشترط إسلامه:
قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون مسلمًا حاذقًا عدلًا، قال الحنفية: ولو ظاهرًا، قال ابن مفلح في النكت: ينبغي أن يكتفى بمستور الحال (^٣).
_________________
(١) جاء في المهذب (١/ ١٩١): «وإن كان بعينه وجع، وهو قادر على القيام، فقيل له: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له ترك القيام؛ لما روي أن ابن عباس ﵁ لما وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك أطباء على البرد، فقيل له: إنك تمكث سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقيًا، فسأل عائشة وأم سلمة ﵄ فنهتاه. والثاني: يجزيه؛ لأنه يخاف الضرر من القيام، فأشبه المريض».
(٢) تبيين الحقائق (١/ ٣٣٣)، العناية (٢/ ٣٥٠)، حاشية الطحطاوي على المراقي (ص: ٦٨٥)، خزانة المفتين (ص: ١٠٢٠)، العناية شرح الهداية (٢/ ٣٥٠)، مراقي الفلاح (ص: ٥٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٣) و(٢/ ٤٢٢)، الفواكه الدواني (١/ ٣٠٩)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (٢/ ٢٦١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٩، ٢٥٦، ٥٣٥)، فتح العزيز (٣/ ٢٩٦)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٦)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٣)، المقنع (ص: ٦٤)، المغني (٢/ ١٠٨)، المبدع (٢/ ١١١)، الإنصاف (٢/ ٣١٠)، منتهى الإرادات (١/ ٢٨٩، ٢٩٠)، معونة أولي النهى (٢/ ٤١٥)، الإقناع (١/ ١٧٨).
(٣) جاء في فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٣٥١): «معرفة ذلك -أي: أنه يضره بزيادة المرض، أو تأخير البرء- باجتهاد المريض، والاجتهاد غير مجرد الوهم، بل هو غلبة الظن عن أمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب مسلم غير ظاهر الفسق، وقيل: عدالته شرط». وجاء في فتح العزيز (٢/ ٢٧٥): «أن يخبره طبيب حاذق بشرط كونه مسلمًا بالغًا عدلًا». وقال البغوي في التهذيب (١/ ٤١٤): «وإذا أشكل أمر المرض، فلا يقبل في كونه مخوفًا إلا قول طبيب مسلم عدلٍ، وإن كان عبدًا أو امرأة». وجاء في المبدع (٢/ ١١١): «والمذهب أنه يقبل قول مسلم ثقة، ونص أحمد أنه يفطر بقول واحد: إن الصوم مما يمكن العلة». وانظر: البحر الرائق (٢/ ٣٠٣)، مجمع الأنهر (١/ ٣٨، ٢٤٨)، الدر المختار (ص: ١٤٩)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٨).
[ ١٨ / ٤٤١ ]
جاء في كشاف القناع: «وإذا قال طبيب سمي بذلك لفطنته وحذقه مسلم ثقة -أي: عدل ضابط- فلا يقبل خبر كافر ولا فاسق» (^١).
وقال المالكية: يقبل خبر الطبيب الكافر إذا لم يوجد مسلم، وقال به بعض الشافعية: إذا غلب على ظنه صدقه (^٢).
وقيل: يقبل خبر المسلم، ولو كان فاسقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٣).
ولا يشترط أن يخبر عن يقين، بل يكفي غلبة الظن؛ لتعذر اليقين، وهو مذهب الجمهور (^٤).
جاء في غاية المنتهى: «ولمريض وأرمد يطيق قيامًا الصلاة مستلقيًا لمداواة بقول طبيب مسلم ثقة حاذق فطن، ويكفي منه غلبة ظن» (^٥).
_________________
(١) كشاف القناع (٣/ ٢٥٦).
(٢) قال الشبراملسي في حاشيته على نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢): «وقوله: (مقبول الرواية): ظاهره أنه لو أخبره فاسق، أو كافر، لا يأخذ بخبره، وإن غلب على ظنه صدقه، وينبغي خلافه، فمتى غلب على ظنه صدقه عمل به».
(٣) جاء في التعليقة للقاضي حسين (١/ ٤٣٤): «إذا أخبره به طبيب، حاذق في صناعته، مسلم عدل فأما إذا أخبره طبيب حاذق كافر، لا يجوز له التيمم لقوله: لأن ما كان من أمر الديانة لا يعتمد فيه على قول الكافر؛ لأنه متهم فيه. ولو كان فاسقا مسلمًا، فيه وجهان: أحدهما: يعتمد على قوله، لأنه لا تهمة في حقه فيما يرجع إلى العبادة. والثاني: لا؛ لأنه لا يقبل قوله في الشهادات ونحوها».
(٤) فتح القدير (٢/ ٣٥١)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٥٦).
(٥) غاية المنتهى (١/ ٢٣٠).
[ ١٨ / ٤٤٢ ]
وقيل: عن يقين، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).
وفي قبول خبر غير الطبيب:
ألحق الحنفية والمالكية والشافعية بالطبيب غلبة ظن المريض باجتهاد عن أمارة أو تجربة، وظاهر كلام الحنابلة أنه لا بد من طبيب (^٢).
قال المالكية: إذا استند إلى سبب كتجربة في نفسه أو إلى خبر غيره، ولو لم يكن طبيبًا إذا كان موافقًا له في المزاج، أو إلى خبر عارف بالطب، ولو كافرًا عند عدم المسلم العارف به إذا أخبره يقينًا أو ظنًّا، لا شكًّا عمل بقوله (^٣).
وقال النووي: «ويشترط خبر طبيب مسلم، أو معرفة المتداوي إن عرف» (^٤).
وقال الرملي: «إن أخبره بكونه … مخوفًا طبيب مقبول الرواية، ولو عبدًا أو
_________________
(١) الفروع (٣/ ٧٩).
(٢) انظر: المراجع السابقة.
(٣) الفواكه الدواني (١/ ٣٠٩)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (٢/ ٢٦١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٩، ٢٥٦، ٥٣٥)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٦٥٩)، منح الجليل (١/ ١٤٤). وقوله: (موافق له في المزاج)، يقول القرافي في شرح تنقيح الفصول (ص: ١٦): «اختص الطب بمعرفة مزاج الإنسان، والشعر بمعرفة الأوزان، والفقه بمعرفة الأحكام». وقال ابن الحاج في المدخل (٤/ ١٣٧): «وينبغي للطبيب أن يكون عارفًا بحال المريض في حال صحته في مزاجه ومرباه وإقليمه وما اعتاده من الأطعمة والأدوية، فإن لم يعلم ذلك فبالسؤال من المريض أو ممن يلوذ به فيعمل على مقتضى ذلك كله». ثم ذكر قصة عجيبة في مرض السلطان وشفائه، فارجع إليه. فصار المقصود بالمزاج: ما اعتاده من الأطعمة والأدوية، وما تربى عليه في بيئته. ولذلك كان المسافر غالبًا ما يكون عرضة للتقلب الصحي؛ لأنه يغير عاداته، وما تربى عليه من الأطعمة مما ألفه جسمه، وتعودت عليه معدته، ويندر أن أسافر، ولا أنكر معدتي، فالمزاج: أن تعطي الجسد ما عودته، والله أعلم. فإذا علم ذلك، فقال المالكية: إذا أخبره رجل ولو لم يكن طبيبًا إذا كان موافقًا له في المزاج بأن هذا يضره أو ينفعه فله العمل بقوله، والله أعلم. وانظر: مواهب الجليل (١/ ٣٣٤)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ١٦٣، ٢٠٦)، لوامع الدرر (١/ ٥٢٨) و(٢/ ١٧٧).
(٤) روضة الطالبين (١٠/ ١٧٠).
[ ١٨ / ٤٤٣ ]
امرأة، أو عرف هو ذلك من نفسه» (^١).
فقوله: (مقبول الرواية) إشارة إلى اشتراط إسلامه وعدالته.
وجاء في مغني المحتاج: «لو قال طبيب ثقة لمن بعينه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك فله ترك القيام على الأصح» (^٢).
وقال بعض الشافعية: المعتمد أن تجربة نفسه لا يعول عليها في الأحكام (^٣).
وفي اشتراط العدد:
قيل: يكفي خبر الطبيب ولو كان واحدًا، وهو مذهب الجمهور، والصحيح من مذهب الحنابلة.
جاء في الإنصاف: الصحيح من المذهب: جواز فعل ذلك بقول مسلم ثقة، إذا كان طبيبًا حاذقًا فطنًا، وعليه أكثر الأصحاب (^٤).
وقيل: يشترط أن يكون القول من اثنين فأكثر، وهو ظاهر عبارة ابن قدامة في المغني والكافي والمقنع (^٥).
_________________
(١) نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢). وعلق الشبراملسي في حاشيته على نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢): «وقوله: (مقبول الرواية): ظاهره أنه لو أخبره فاسق أو كافر لا يأخذ بخبره، وإن غلب على ظنه صدقه، وينبغي خلافه، فمتى غلب على ظنه صدقه عمل به». قلت: وهذا التفصيل مخالف للمعتمد من المذهب، والله أعلم.
(٢) مغني المحتاج (١/ ٣٤٨).
(٣) حاشية الجمل (١/ ٣٥)،.
(٤) الإنصاف (٢/ ٣١٠)، وانظر: المبدع (٢/ ١١١).
(٥) جاء في المقنع (ص: ٦٤): «وإذا قال ثقات من العلماء بالطب للمريض: إِنْ صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، فله ذلك». وهي عبارته في المغني (٢/ ١٠٨)، والكافي (١/ ٣١٤). وقال التنوخي في شرح المقنع (١/ ٥٠١): «قول المصنف ﵀: وإذا قال ثقات؛ فظاهره أنه يشترط في ذلك قول ثلاثة؛ لأنه جمع، وأقله ثلاثة. وليس بمراد لأن قول الاثنين كافٍ في ذلك. صرح بذلك المصنف ﵀ وغيره. وهو صحيح؛ لأن قول الاثنين كافٍ في كثير من المواضع فكذلك هاهنا». وقال ابن مفلح في النكت على المحرر (١/ ١٢٨): «ولم أجد تصريحًا باعتبار قول ثلاثة، بل هو ظاهر كلام جماعة وقدم في الرعاية أنه يقبل قول واحد».
[ ١٨ / ٤٤٤ ]
جاء في معونة أولي النهى: «وقيل: لا بد من اثنين. وعبر جماعة بلفظ الجمع منهم الشيخ في المقنع» (^١).
هذا تفصيل الخلاف في المسألة، وخلاصة الخلاف يتفرع على النحو التالي:
فقيل: ليس له أن يدع القيام مع القدرة عليه، ولو استند ذلك إلى خبر طبيب.
وقيل: له ذلك بإخبار طبيب، أو بغلبة ظن بأمارة أو تجربة من نفسه أو من غيره.
وهل يشترط إسلام وعدالة المخبر؟ على قولين:
فقيل: يشترط إسلامه وعدالته، ولو ظاهرًا.
وقيل: يقبل خبر الفاسق إذا غلب على الظن صدقه.
وقيل: يقبل قول الكافر، قال المالكية: إذا لم يوجد مسلم، وقال بعض الشافعية: إذا غلب على ظنه صدقه.
وقيل: يكفي خبر الطبيب الواحد، وقيل: لا بد من اثنين كالشهادة.
وفي قبول غير الطبيب كالاعتماد على مجرب، أو على تجربة نفسه، فيه قولان:
أحدهما: يقبل بأمارة أو غلبة ظن.
والثاني: لا يعتمد على تجربة نفسه، اختاره بعض الشافعية.
هذا ملخص الأقوال في المسألة، والله أعلم.
دليل من قال: لا يشترط إسلامه إذا كان ثقة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وجه الاستدلال:
قوله: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي من غير المسلمين.
_________________
(١) معونة أولي النهى (٢/ ٤١٥).
[ ١٨ / ٤٤٥ ]
فإذا قبلت شهادة الكافر إذا كان لا يوجد غيره قبل خبره من باب أولى، ومثله الطبيب قد يتعذر الوقوف على خبره من جهة غيره، فيقبل قوله.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٤٨) ما رواه البخاري من طريق عروة.
عن عائشة ﵂ زوج النبي قالت: واستأجر رسول الله رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (^١).
الدليل الثالث:
خبر الطبيب ليس خبرًا دينيًّا محضًا كالأذان، ودخول شهر رمضان حتى يتطلب العدالة، وإنما المطلوب أن يكون حاذقًا، وأن يغلب على الظن صدقه.
دليل من قال: يقبل خبر الفاسق إذا غلب على الظن صدقه:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
فلم يأمر الله سبحانه برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة، وإنما أمر بالتبَيُّن، فإذا قامت قرائن وغلب على الظن صدقه عمل بقوله.
الدليل الثاني:
إذا جاز الأخذ بالظن إذا تعذر العلم كما في الاجتهاد في القبلة، جاز اعتماد خبر الفاسق عند تعذر خبر العدل.
الدليل الثالث:
خبر الطبيب الفاسق وغيره من الفساق مقبول إذا كان فسقه ليس بسبب الكذب، وكثير من الفساق يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه لضعفه أمام بعض الشهوات، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق،
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٢٦٤).
[ ١٨ / ٤٤٦ ]
وبه قال ابن القيم ﵀ (^١).
ولو أخبر جماعة من الفساق بلا مواطأة قبل خبرهم؛ لأن العدد قرينة تقوي جانب الصدق (^٢).
دليل من قال: يشترط أن يكون الطبيب مسلمًا عدلًا:
من شروط قبول الخبر: العدالة، فلا يقبل خبر الفاسق؛ فضلًا عن الكافر؛ لأنه ليس من أهل الرواية، ولا من أهل الشهادة، ولا يقبل خبر مستور الحال؛ لأنه مجهول الحال.
ولأن الخبر أمانة، والفاسق تتطرق له التهمة، فقد لا يتحرز من الكذب.
دليل من قال: يقبل خبر مستور الحال:
أمرنا الله بالتبين من خبر الفاسق، والمستور ليس بمحَقَّقِ الفسق؛ والمقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق، وليس المراد ثبوت العدالة المطلقة، فكل من لم يثبت جرحه، ولو لم تُعْلَمْ عدالته الباطنة يقبل خبره.
ولا يقاس خبر الطبيب على الإخبار بالرواية، والتي يشترط فيها ثبوت العدالة الباطنة؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة؛ صونًا لها أن يزاد فيها ما ليس منها، ما لا يحتاط لغيرها.
دليل من قال: لا بد من خبر اثنين:
قاسوا خبر الطبيب على الشهادة، ولأن الأمر يتعلق بإسقاط بعض أركان الصلاة مع القدرة عليها، فيتطلب الاحتياط لأعظم أركان الإسلام العملية تقليلًا للوهم.
دليل من قال: يكفي الطبيب الواحد:
ما يذكره الطبيب من قبيل الإخبار، وليس من قبيل الشهادة حتى يتطلب العدد، فهو أشبه بالرواية، والتي يقبل فيها خبر الواحد، ذكرًا كان أم أنثى بل إن خبر الطبيب أدنى من الرواية؛ لأن الرواية شريعة عامة، فيحتاط للملة بخلاف خبر الطبيب.
_________________
(١) انظر التفسير القيم لابن القيم (ص: ٤٧٩).
(٢) انظر مغني المحتاج (١/ ١٣٤).
[ ١٨ / ٤٤٧ ]
دليل من قال: لا يترك الركن في الصلاة مع القدرة عليه لخبر الطبيب:
(ث-١٠٠٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المسيب بن رافع،
عن ابن عباس قال: لما كف بصره أتاه رجل، فقال له: إن صبرت لي سبعًا، لا تصلي إلا مستلقيًا داويتك ورجوت أن تبرأ عينك. قال: فأرسل ابن عباس إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب محمد ﷺ، قال: فكلهم يقولون: أرأيت إن مت في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فترك عينه، فلم يداوها.
[رجاله ثقات إلا أن المسيب لم يسمع من ابن عباس] (^١).
وأجيب عن هذا الأثر أجوبة منها:
الجواب الأول:
إن صح الأثر فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، ولا بد من جزم الطبيب بذلك.
ونوقش هذا:
الطب والعلاج قائم كله على الظن، وطلب اليقين متعذر، وغالب مسائل الفقه هي ظنية، ومع ذلك لم يمنع الشرع من التزام دلالتها من وجوب أو تحريم أو كراهة أو استحباب.
الجواب الثاني:
يحتمل أنه لم يقبل خبره لكونه واحدًا، ولا بد من اثنين.
_________________
(١) المصنف (٦٢٨٥). قال الدوري عن ابن معين: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء، وأبي إياس عامر بن عبدة. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦٢٨٦)، من طريق جابر، عن أبي الضحى، أن ابن عباس، أوقع في عينيه الماء، فقيل: أتستلقي سبعًا، ولا تصلي إلا مستلقيًا، فبعث إلى عائشة، وأم سلمة، فسألهما، فنهتاه. وفي إسناده جابر الجعفي، وهو متروك.
[ ١٨ / ٤٤٨ ]
ورد بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الأثر معلل بقولهما: (أرأيت إن مت في هذه السبع) فخوفاه بالموت في أثناء العلاج، وليس لما اعترض به، والتعليل بالموت في أثناء العلاج، هل هذا القيد له مفهوم، بمعنى أنه إذا لم يمت في مدة العلاج فلا مانع من الصلاة مستلقيًا، فكأنهما يريان أن عليه القضاء إذا انتهت مدة العلاج، أو يكون ذكر الموت في أثناء العلاج للموعظة بأنك قد تركت أركان الصلاة مع القدرة عليها بقصد التمتع بنعمة الإبصار، وباغتك الموت، فلم تحصل على ما تريد.
وفي كلا التفسيرين لا يمنع هذا من تعاطي العلاج، فقد يعيش المريض ويموت الصحيح، وترك طلب الاستشفاء لخوف الموت ضعيف جدًّا، والراجح أيضًا أنه إذا مات في أثناء العلاج فلا قضاء عليه، ولو قيل عليه القضاء فقد مات قبل التمكن منه، فبرئت ذمته.
الجواب الثاني:
يحتمل أنهما لم يقبلا خبره لكون الطبيب واحدًا، ولا بد فيه من اثنين.
ورد هذا:
بأن هذا التعليل ضعيف من جهتين:
من جهة أنه لم يذكر في الأثر، فالتعليل به تعليل لما لم يذكر، وإعراض عن التعليل الذي ذكر، وهو خوف الموت في أثناء العلاج.
وضعيف أيضًا من جهة الفقه؛ لأن خبر الطبيب ليس من قبيل الشهادة التي تتطلب شهادة عدلين اثنين، بل هي من قبيل الإخبار، وإذا كانت الرواية والتي تتعلق بالتشريع العام لعموم المسلمين، وعلى وجه التعبد، ويحتاط لها؛ صونًا للدين أن يزاد فيه ما ليس منه يقبل فيه خبر الواحد رجلًا كان أو امرأة فما بالك بخبر الطبيب؟
الجواب الثالث:
يحتمل أنهما لم يقبلا خبره لكونه مجهول الحال.
[ ١٨ / ٤٤٩ ]
ورد هذا:
بأن هذا التعليل بعيد؛ لأن الفاسق المتحقق الفسق أمرنا الله بالتبين من خبره، ولم يأمرنا برده، فما بالك بالمستور، والذي ليس بمحَقَّقِ الفسق؛ فالمقصود بالعدالة هنا مطلق العدالة، وهو عدم العلم بالمفسق، وليس المراد ثبوت العدالة المطلقة، فكل من لم يثبت جرحه، ولو لم تُعْلَمْ عدالته الباطنة يقبل خبره، وإذا كان يقبل خبر المؤذن مستور الحال، وهو يتعلق بركنين من أركان الإسلام: الصلاة والإفطار، فما بالك بخبر الطبيب.
الجواب الرابع:
يحتمل أنهما لم يقبلا خبره؛ لقصور علمه.
ورد هذا:
لو كان هذا هو سبب الرد لطلب تعزيزًا لخبره من طبيب آخر، ولم يعللاه بالموت في أثناء العلاج.
وكل هذه الأجوبة والردود عليها هي في افتراض صحة الأثر، ولم يصح.
الراجح:
جواز قبول خبر الطبيب إذا كان موثوقًا بعلمه، ولم يجرب عليه كذبًا، والتداوي عند جمهور أهل العلم من العمل المباح، غير محظور، وقد كرهه بعض السلف، فأخذه لا ينافي التوكل، وتركه لا يعد من ترك الأسباب؛ لأن الإنسان قد يشفى بلا دواء، وقد يأخذ الدواء، ولا يشفى، ولو كان من الأسباب لما تخلف، وحكم التداوي مسألة أخرى لا أريد أن أخوض فيها في كتاب الصلاة، والله أعلم.
تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه، في تاريخ ٧/ ١١/ ١٤٤٥ هـ
[ ١٨ / ٤٥٠ ]