المدخل إلى المسألة:
الأصل في تعليق نية العبادة المنع عند الجمهور إلا في قول المأموم: (إن قصر قصرت).
هناك فرق بين تعليق نية الصلاة وبين تعليق نية القصر؛ فالأولى شرط، بخلاف الثانية؛ لتعلقها بعدد ركعات الصلاة، لا بكنه الفرض.
استحضار المصلي لعدد الركعات في نية الصلاة عند الإحرام ليس بشرط.
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر.
من صحح تعليق نية القصر احتج بالعمل بالظاهر، وذلك أن الظاهر من حال الإمام المسافر القصر، لهذا جوز التعليق.
لا يمكن العلم بنية الإمام، والواجبات تناط بالقدرة، لهذا جاز التعليق.
من العلماء من يبطل العبادة بتعليق النية مطلقًا؛ لأن شرط العبادة عنده أن تكون النية جازمة، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من يجيزه إن استند إلى أصل أو ظاهر، كما لو اقتدى بمسافر شك، أهو قاصر أو متم، فقال: إن قصر قصرت، ومثله لو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، ولا يقدر إلا على هذا.
إذا كان الأصل في صلاة السفر القصر، لأن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أتم في سفره مطلقًا، لم يضر المصلي تعليق النية استنادًا إلى هذا الأصل.
إذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر، وإذا لم تكن نية القصر شرطًا في صحة القصر لم يضر المصلي تعليق نية القصر.
نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر، وإذا صح الفرض إذا عرى من نية القصر لم يضره تعليق نية القصر.
[ ١٨ / ٢٢٠ ]
[م-١١٢٧] إذا دخل المأموم الصلاة خلف الإمام، وعلق النية بقوله: إن قصر الإمام قصرت، وإن أتم أتممت:
فقيل: يصح التعليق، مطلقًا، ولو كان يجهل حال الإمام أهو مسافر أم مقيم، وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية وابن القيم (^١).
قال خليل في مختصره: «وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام» (^٢).
وقيل: يصح التعليق بشرط أن يعلم أن إمامه مسافر، أو يظنه ولو بأمارة وعلامة كهيئة لباس، فإن شك في سفره لزمه الإتمام. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).
قال النووي: «ولو جهل نية إمامه المسافر فعلق عليها فقال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، فوجهان مشهوران: أصحهما صحة التعليق فإن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر» (^٤).
_________________
(١) وقال الخرشي (٢/ ٦٦): «إن أحرم بما أحرم به إمامه صحت، إن ظهر أنه مسافر، وكذا مقيم إن أتم معه». وقال محمد الأمير: فإن شك هل الجماعة سفر أو حضر، وهو مسافر، أو هل جمعة أو ظهر دخل على ما أحرم به الإمام، وأجزأ ما تبين. انظر: ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٤٣). وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٩)، التوضيح لخليل (٢/ ٥٥٠)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٤)، مواهب الجليل (١/ ٥١٨)، إرشاد السالك (١/ ٢٦٠)، شرح الزرقاني (١/ ٣٥٠) و(٢/ ٧٧، ٨٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (٢/ ٦٦)، لوامع الدرر (٢/ ٥٩٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٠). وانظر: أعلام الموقعين ت: فضيلة الشيخ مشهور (٥/ ٣٧١). ونقل ابن القيم عن شيخ الإسلام أنه قال: كان يشكل علي أحيانًا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط.
(٢) مختصر خليل (ص: ٣١).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٣٨٣)، روضة الطالبين (١/ ٣٩١)، التهذيب (٢/ ٣٠٨)، فتح العزيز (٤/ ٤٦٢)، المجموع (٤/ ٣٥٦)، منهاج الطالبين (ص: ٤٥)، تحرير الفتاوى (١/ ٣٦٦)، أسنى المطالب (١/ ٢٤٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٧)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٦٩)، المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٣٧٣)، الفروع (٣/ ٨٧)، المبدع (٢/ ١١٩).
(٤) المجموع (٤/ ٣٥٦).
[ ١٨ / ٢٢١ ]
وقيل: لا يصح القصر للشك، وهو وجه في مذهب الشافعية (^١).
دليل من قال: بصحة التعليق مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٨١) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب،
عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو بالبطحاء، فقال: أحججت، قلت: نعم، قال: بما أهللت، قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ الحديث (^٢).
وجه الاستدلال:
فهذا علي ﵁ علق إحرامه بما أحرم به النبي ﷺ، وصح إحرامه.
وأجيب:
بأن الحج لا يفتقر إلى تعيين النية، فإذا أطلق المحرم نية الحج انصرف إلى الحجة المفروضة إجماعًا، والصلاة إذا أحرم بلا تعيين لم يجزه عن الفرض إجماعًا حتى يعين أي صلاة يصلي.
والحج قد اختص بأحكام لا يشبه غيره من العبادات، فارتكاب المحظورات فيه لا تفسده إلا الجماع قبل التحلل الأول، ويمضي في فاسده بخلاف غيره، ويقضيه من السنة القادمة، ولو أراد الخروج من النسك لم يخرج، وصح في الحج تغيير النسك بعد التلبس فيه، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه ممن لم يسق الهدي بعد أن طافوا طواف القدوم، وسعوا سعي الحج، أن يقلبوا ذلك إلى عمرة، مع أن طواف القدوم سنة، وقد قلبه إلى ركن في العمرة، وانقلب السعي من كونه سعيًا للحج إلى كونه سعيًا للعمرة، وكل ذلك بعد الفراغ من العبادة.
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٨٢) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن هرم، عن سعيد بن جبير، وعكرمة،
عن ابن عباس ﵄، أن ضباعة أرادت الحج، فأمرها النبي ﷺ أن
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٦٢)، المجموع (٤/ ٣٥٦).
(٢) صحيح البخاري (١٧٢٤)، وصحيح مسلم (١٥٤ - ١٢٢١).
[ ١٨ / ٢٢٢ ]
تشترط، ففعلت ذلك عن أمر رسول الله ﷺ (^١).
ورواه الدارمي والنسائي والطحاوي في المشكل من طريق ثابت بن يزيد الأحول، قال: حدثنا هلال بن خباب، قال: فحدثت عكرمة،
فحدثني عن ابن عباس، أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أريد أن أحج، فكيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث تحبسني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت.
[تفرد ثابت بن يزيد، عن هلال بقوله: (فإن لك على ربك ما استثنيت) ورواه عباد بن العوام عن هلال، وليس فيه هذا الحرف] (^٢).
وأخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني (^٣).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم «شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: (حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي
_________________
(١) صحيح مسلم (١٠٧ - ١٢٠٨).
(٢) رواه الدارمي (١٨٥٢)، والنسائي في المجتبى (٢٧٦٦)، وفي الكبرى (٣٧٣٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٩٠٦). تابع عباد بن العوام ثابت بن يزيد، إلا أنه لم يذكر قوله: (فإن لك على بك ما استثنيت). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤٠٨٥، ١٤٧٤٤)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٣٦٠)، وأبو داود في السنن (١٧٧٦)، والترمذي في السنن (٩٤١)، وأبو يعلى في المسند (٢٤٨٠)، وابن الجارود في المنتقى (٤١٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣١) ح ١١٩٠٩، و(٢٤/ ٣٣٣) ح ٨٢٨، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٧٣٢)، وفي الحلية (٩/ ٢٢٤)، والبيهقي في السنن (٥/ ٣٦٣)، وفي معرفة السنن (٧/ ٤٩٨).
(٣) صحيح البخاري (٥٠٨٩)، وصحيح مسلم (١٠٤ - ١٢٠٧).
[ ١٨ / ٢٢٣ ]
حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك) …» (^١).
ويجاب:
بما أجيب به عن الدليل السابق، بأن الحديث ورد في النسك.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٨٣) روى الإمام البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن وذكر فيه: … اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمي حاجته (^٢).
فالعبد علق طلب الإجابة بالشرط لخفاء الخيرة فيه.
الدليل الرابع:
(ح-٣٤٨٤) ما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة،
حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّمَا أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة (^٣). وذكر في الحديث قصة.
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق (^٤).
الدليل الخامس:
(ح-٣٤٨٥) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة: حدثنا ثابت البناني،
_________________
(١) أعلام الموقعين، ت: فضيلة الشيخ مشهور (٥/ ٣٧١).
(٢) صحيح البخاري (٦٣٨٢).
(٣) صحيح مسلم (٩٥ - ٢٦٠٣).
(٤) أعلام الموقعين (٥/ ٣٧٢).
[ ١٨ / ٢٢٤ ]
عن أنس بن مالك ﵁، قال النبي ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي (^١).
دليل من قال: يصح التعليق إذا غلب على ظنه أن الإمام مسافر:
الدليل الأول:
لما كان الظاهر من حال الإمام المسافر القصر، وكان للمأموم في مثل هذه الحالة أن يدخل معه بنية القصر، صار قول المأموم: إن قصر قصرت: تصريح بالمقتضي، فإن أتم الإمام لزمه الإتمام كما لو دخل بنية القصر، ثم نوى الإتمام في أثناء الصلاة.
جاء في المنثور في القواعد: «الظاهر من حال المسافر القصر، فاستندت نية القصر إلى هذا الظاهر فصح التعليق» (^٢).
الدليل الثاني:
الاستدلال بالظاهر بالشرع جائز خاصة إذا كان الظاهر قويًّا، وأحيانًا يقدم على الأصل لقوته، والظاهر أن المأموم إذا علم أو ظن أن إمامه مسافر بأمارة وعلامة كهيئة ولباس أنه يقصر الصلاة؛ لأن القصر من السنن التي داوم عليها النبي ﷺ في سفره فصح التعليق؛ لتأييد الظاهر له.
الدليل الثالث:
أن هذا غاية ما يمكن أن يفعله؛ لأن الوقوف على نية الإمام متعذر، والواجبات منوطة بالقدرة، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
قال القاضي حسين: «لأن أداء القصر جماعة لا يمكن إلا هكذا؛ إذ لا يمكنه الإطلاع على نية الإمام … ولو شك في حال إمامه أنه مقيم أو مسافر، يلزمه الإتمام،
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٦٧١)، وصحيح مسلم (١٠ - ٢٦٨٠).
(٢) المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٣٧٩).
[ ١٨ / ٢٢٥ ]
وإن بان مسافرًا» (^١).
قال المرداوي: «ويشترط أيضًا: أن يعلم أن إمامه إذن مسافر، ولو بأمارة وعلامة كهيئة لباس؛ لأن إمامه نوى القصر عملًا بالظن؛ لأنه يتعذر العلم، ولو قال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت: لم يضر» (^٢).
دليل من قال: لا يصح الدخول بنية: إن قصر قصرت:
قالوا: كل عبادة يشترط لصحتها النية، فإنه يجب الجزم بها؛ لأنها شرط لانعقادها؛ لقوله ﷺ: إنما الأعمال بالنيات.
وأن يستصحب ذلك في كل الصلاة، وأن كل ما ينافي الجزم فإنه يبطلها، والتعليق في النية يبطلها للتردد فيها، والنية في العبادة يجب أن تكون ناجزة.
وأجيب:
بأن النية لم يتردد فيها، فهو قد جزم بأنها الظهر أو العصر، وإنما تردد في عدد ركعاتها، وذلك لا يضر، فنية القصر ليست شرطًا، وقد بحثت حكم اشتراط النية في القصر فارجع إليه مشكورًا.
الراجح:
صحة التعليق، ولو كان لا يعلم أن إمامه مسافر، فإن علم أن إمامه مقيم ودخل بنية القصر بطلت نيته ولم تبطل صلاته، ولزمه الإتمام؛ لأن نية القصر من المسافر لا تبطل صلاته، نعم لو كان مقيمًا ونوى القصر بطلت صلاته؛ لتلاعبه، والله أعلم.
_________________
(١) التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١١٠٥).
(٢) الإنصاف (٢/ ٣٢٥).
[ ١٨ / ٢٢٦ ]