المدخل إلى المسألة:
لا يصح في التربع حديث مرفوع عن النبي ﷺ.
قال النبي ﷺ: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا.
أمر النبي ﷺ بالجلوس أمرًا مطلقًا، ولم يحدد هيئة معينة، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فحيث جلس فقد امتثل الأمر.
إذا لم يأت في السنة بيان صفة الجلوس، فالأصل أن ذلك قصد به التوسعة على المريض.
استحباب التربع بدلًا عن القيام يحتاج إلى نص؛ لأن البدل لا يثبت إلا بدليل من الشارع.
ما ورد عن بعض الصحابة من صلاته متربعًا يؤخذ منه جواز التربع، لا سنيته؛ لأن المصلي لا بد له من جلوس، فقد يكون الصحابي اختاره لأنه الأنسب له، ولا يلزم منه أن يكون هو الأنسب لغيره.
لو أن ما ورد عن الصحابي من التربع ورد بصيغة الأمر به، أو ورد عنه ما يدل على تفضيله على غيره دل ذلك على الاستحباب، وأما مجرد فعله فلا يدل على أكثر من جواز التربع، والله أعلم.
التفريق بين جلوس القيام وجلوس التشهد لو ثبت أنه مشروع لم يتعين بالتربع.
تربع ابن عمر في صلاته ليس في جلوس القيام، بل في جلوس التشهد، وما ورد عن ابن عباس فمتعارض، ويبقى أثر أنس الأقوى في الباب، يليه أثر أم سلمة.
[ ١٨ / ٣٥٠ ]
[م-١١٤١] إذا كان فرض المصلي الجلوس، فجلس في صلاته كيف شاء صحت صلاته ما دام يصدق عليه أنه قاعد، فلا يجب للقعود هيئة مخصوصة، وهذا قول جمهور أهل العلم.
جاء في العناية شرح الهداية: «روى محمد عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء» (^١).
زاد ابن قطلوبغا: «إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربّعًا، وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد» (^٢).
وقال ابن شاس المالكي: «لا تتعين في القعود هيئة للصحة، لكن الإقعاء مكروه» (^٣).
وقال مثله الغزالي في الوسيط (^٤).
وقال النووي: «قال أصحابنا: وإذا صلى قاعدًا لعجزه في الفريضة، أو مع القدرة في النافلة، لم تتعين لقعوده هيئة مشترطة، بل كيف قعد أجزأه، لكن يكره الإقعاء» (^٥).
وفي شرح مسلم: «الخلاف في الأفضل» (^٦).
وفي الإقناع: «حيث جاز ترك القيام فقاعدًا متربعًا ندبًا، وكيف قعد جاز» (^٧).
وفي رواية عن أحمد: يصلي متربعًا وجوبًا (^٨).
واختلفوا في الهيئة المختارة:
فقيل: افتراشه أفضل من تربعه، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، اختاره الفقيه أبو الليث، والسرخسي وصححه صاحب الهداية، وبه قال زفر، وفي الخلاصة والتجنيس والفتاوى الوَلْوَالِجيَّةِ نسبة إلى ولوالج: الفتوى على قول زفر،
_________________
(١) العناية شرح الهداية (١/ ٤٦١)، وانظر: المبسوط (١/ ٢١٠)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٤).
(٢) التصحيح والترجيح على مختصر القدوري (ص: ١٨٠).
(٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠١).
(٤) الوسيط (٢/ ١٠٢)، وانظر: نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، الإقناع لابن المنذر (١/ ١٤١).
(٥) المجموع (٤/ ٣١١).
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٥).
(٧) الإقناع (١/ ١٧٦)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٧)، وانظر: كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٥٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٠٦).
(٨) الإنصاف (٢/ ٣٠٦)، المبدع (٢/ ١٠٧).
[ ١٨ / ٣٥١ ]
ومال إليه المتأخرون من المالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^١).
قال ابن شاس المالكي: «مال بعض المتأخرين إلى أنه يجلس فيه كجلوس التشهد، وأشار إليه محمد بن عبد الحكم» (^٢).
قال النووي: «وأما القعود الذي هو بدل القيام وفي موضعه، ففي الأفضل منه قولان ووجهان: أصح القولين، وهو أصح الجميع يقعد مفترشًا، وهو رواية المزني وغيره» (^٣).
وقيل: يصلي متربعًا ندبًا، وبه قال محمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، ورجحه الطحاوي من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وهو نصه في البويطي، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٤).
_________________
(١) جاء في المحيط البرهاني (٢/ ١٥١): «ذكر الفقيه أبو الليث ﵀ أن الفتوى على قول زفر في هذا. والله أعلم». ونقل ذلك الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢). وفي العناية شرح الهداية (١/ ٤٦١): «وعن زفر أنه يقعد كما يقعد في حالة التشهد، وهو الذي اختاره الفقيه أبو الليث، وشمس الأئمة السرخسي، والمصنف». وقال خليل في التوضيح (١/ ٣٥٤): فالمستحب من الهيئة على المشهور: التربع؛ لأنه بدل من القيام وقيل: كجلوس التشهد. واختاره المتأخرون. قال اللخمي: وهي التي اختارها الله لعباده، وهي جلسة الأدنى بين يدي الأعلى، والتربع جلسة الأكفاء». وانظر في مذهب الحنفية: الهداية شرح البداية (١/ ٦٩)، خزانة المفتين (ص: ٧١٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، البحر الرائق (٢/ ١٢٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٧٤)، جامع الأمهات (ص: ٩٦)، المهذب (١/ ١٩٠)، نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، التهذيب للبغوي (٢/ ١٧٢)، فتح العزيز (٣/ ٢٨٧)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٥). وانظر قول المالكية في: التنبيه على مبادئ التوجيه (١/ ٤٢٨)، شرح التلقين (٢/ ٨٧٠)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، تحبير المختصر (١/ ٣٢٠).
(٢) عقد الجواهر (١/ ١٠٢).
(٣) المجموع (٤/ ٣١١). وقال النووي في منهاج الطالبين (ص: ٢٥): «وافتراشه أفضل من تربعه في الأظهر».
(٤) أحكام القرآن للطحاوي (١/ ٢٣٤)، تحفة الفقهاء (١/ ١٨٩، ١٩٠)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٤)، المدونة (١/ ١٧١)، عقد الجواهر (١/ ١٠٢)، التفريع (١/ ١٢٣)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٢٤)، التلقين في فقه الإمام مالك (١/ ٥١)، المعونة (١/ ٢٧٩)، الإشراف لأبي محمد (١/ ٢٦٨)، جامع الأمهات (ص: ٩٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣). وانظر أحد قولي الشافعي في: التنبيه (ص: ٤٠)، المهذب (١/ ١٩٠)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٥). وانظر قول الحنابلة في: الهداية (ص: ١٠٢)، المبدع (٢/ ١٠٨)، التنقيح المشبع (ص: ١١٢)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٧٥)، الإقناع (١/ ١٧٦)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٠٩)، غاية المنتهى (١/ ٢٢٩)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٤٩)، دقائق أولى النهى (١/ ٢٨٧)، نيل المآرب (١/ ١٨٣).
[ ١٨ / ٣٥٢ ]
وقيل: إن أطال القراءة تربع، وإلا افترش، وهو رواية عن أحمد (^١).
وقيل: يقعد كيف شاء، وهو قول الإمام أبي حنيفة، قال في المفيد والتحفة والقنية والبدائع: وهو الصحيح، وصححه ابن نجيم في البحر الرائق (^٢).
جاء في بدائع الصنائع: «روي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء من غير كراهة إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربعًا، وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد» (^٣).
وقال خواهر زاده: «والأصح أنه يجلس أي جلسة كانت» (^٤).
وقيل: يحتبي، وهو أحد القولين عن أبي يوسف (^٥).
وقيل: يصلي متوركًا، قال به أحد الشافعية، نقله إمام الحرمين وغلطه، وحكاه النووي أحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٦).
وقيل: ينصب ركبته اليمنى، ويجلس على اليسرى، كالجالس بين يدي المقرئ،
_________________
(١) الإنصاف (٢/ ٣٠٦)، المبدع (٢/ ١٠٨). قال في الفروع (٢/ ٣٩٩): «وفي الوسيلة رواية: إن كثر ركوعه وسجوده لم يتربع».
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١٨٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، المحيط البرهاني (٢/ ١٥٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٧٩)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٤)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢)، البحر الرائق (٢/ ١٢٢).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، وانظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢).
(٤) شرح مشكلات القدوري (١/ ٢٥٦).
(٥) انظر: المحيط البرهاني (٢/ ١٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٤٦١). الاحتباء: ضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها. وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب.
(٦) نهاية المطلب (٢/ ٢١٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٥).
[ ١٨ / ٣٥٣ ]
نسب للقاضي حسين من الشافعية، وحكاه النووي أحد الوجهين في المذهب (^١).
والثلاثة الأقوال الأخيرة ضعيفة، والأخيران لا يعرفان إلا عند بعض الشافعية، والأقوال المعتبرة في المسألة ثلاثة:
أحدها: يقعد كيف شاء.
والثاني: يجلس متربعًا ندبًا في قول الأكثر، وقيل: وجوبًا.
والثالث: يجلس مفترشًا.
والقائلون بالتربع اختلفوا:
قيل: يتربع في قيامه، ويثني رجليه في ركوع وسجود، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية عن أبي يوسف أنكر وجودها الطحاوي، وهو المذهب عند الحنابلة (^٢).
وقيل: يتربع في قيامه وركوعه، ويثني رجليه في حال السجود، وبه قال الثوري، والقول المشهور عن محمد بن الحسن وأبي يوسف، وهو مذهب مالك والليث وإسحاق (^٣).
قال الطحاوي: المشهور من قول أبي يوسف ومحمد: أنه يكون متربعًا في حال الركوع (^٤).
وهذا الخلاف في حق المريض، قال ابن عبد البر: «وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في كل حال في الصلاة بإجماع من العلماء» (^٥).
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٢١٥)، فتح العزيز (٣/ ٢٨٧)، الغاية في اختصار النهاية (٢/ ٧٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٥).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، تحفة الفقهاء (١/ ١٨٩)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٢٥٦)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٠٩)، المبدع (٢/ ١٠٨)، التنقيح المشبع (ص: ١١٢)، المنهج الصحيح (١/ ٣٧٥)، الإقناع (١/ ١٧٦)، غاية المنتهى (١/ ٢٢٩)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٧).
(٣) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٠)، مختصر اختلاف العلماء، اختصار الجصاص (١/ ٢٥٦)، المدونة (١/ ١٧٣)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٣٤)، الاستذكار (٢/ ١٨٣)، التمهيد، ت: بشار (١/ ٣١٧) و(١٢/ ٢٢٨)، مواهب الجليل (٢/ ٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٨)، تحبير المختصر (١/ ٣٢٠)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٩٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٣٤٦).
(٤) انظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٢٥٦).
(٥) التمهيد، ت: بشار (١٢/ ٢٢٩).
[ ١٨ / ٣٥٤ ]
قال ابن حجر تعليقًا على كلام ابن عبد البر: «المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة» (^١).
وكذلك أجمعوا: أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة، صلى على حسب ما يقدر، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾» (^٢).
هذا ما يخص الأقوال، وننتقل منه إلى الأدلة.
دليل من قال: يصلي متربعًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٢٦) أخبرنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن حفص، عن حميد، عن عبد الله بن شقيق،
عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا.
[رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ، خالف فيه حفص كل من رواه عن حميد، بل وكل من رواه عن ابن شقيق، وقد يكون الخطأ من الحفري، وقد أعله النسائي وابن نصر المروزي] (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٣٠٦).
(٢) التمهيد، ت: بشار (١٢/ ٢٢٩).
(٣) الحديث رواه حميد الطويل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، واختلف على حميد: فرواه عنه معاذ بن معاذ كما في مسند أحمد (٦/ ٢٤١)، وصحيح مسلم (١٠٩ - ٧٣٠)، وسنن ابن ماجه (١٢٢٨)، ومستخرج أبي نعيم على مسلم (١٦٥٤)، ومحمد بن أبي عدي كما في مسند أحمد (٦/ ٩٨)، وفي قيام الليل لابن نصر المروزي (مختصره): (ص: ٢٠١)، ويزيد بن هارون، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٣٦)، ومستدرك الحاكم، ط: العلمية (١٠٢٢) وط: المنهاج القويم (١٠٣٣)، وط: الرسالة (١٠٣٥). وهيب بن خالد، كما في مسند أبي يعلى (٤٧٢٨)، وأبو خالد الأحمر: سليمان بن حيان كما في صحيح ابن خزيمة (١٢٤٧)، وحماد بن سلمة كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٣٨)، ستتهم رووه عن حميد، فلم يذكر أحد منهم لفظ: (التربع). تابع حميدًا على هذا الوجه من عدم ذكر التربع كل من: أيوب السختياني، كما في صحيح مسلم (١٠٧ - ٧٣٠) و(١٧٤ - ١١٥٦)، وجامع الترمذي بذكر الصيام فقط (٧٧٨)، والمجتبى من سنن النسائي مقرونًا ببديل (١٦٤٦)، وفيه أيضًا بذكر الصيام فقط (٢٣٤٩)، وفي الكبرى (٢٦٧٠)، وفي صحيح ابن حبان مقرونًا ببديل (٢٦٣١). =
[ ١٨ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومحمد بن سيرين، كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٢٢٨، ٤٢٢٩)، ومسند أحمد (٦/ ١١٢، ١١٣، ١٥٧، ١٦٦، ٢٠٤، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٦٢)، ومسند إسحاق (١٣٠٢)، وصحيح مسلم (١١٠ - ٧٣٠) و(١٧٤ - ١١٥٦)، وسنن أبي داود (٩٥٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٦٤٧، ٢١٨٣)، وفي الكبرى بذكر الصيام فقط (٢٥٠٤)، وحديث أبي العباس السراج، انتخاب الشحامي (٢١٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٨)، وصحيح ابن حبان (٢٥١١). وبديل من ميسرة، كما في مسند أحمد (٦/ ١٠٠، ٢٢٧، ٢٦٢، ٢٦٥)، وصحيح مسلم (١٠٦، ١٠٨ - ٧٣٠)، ومجتبى النسائي مقرونًا بأيوب (١٦٤٦)، وفي الكبرى (١٣٥٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٦)، وصحيح ابن حبان مقرونًا بأيوب (٢٦٣١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣٣٨). وخالد الحذاء، كما في صحيح مسلم (١٠٥ - ٧٣٠)، وسنن الترمذي (٣٧٦)، وصحيح ابن حبان (٢٥١٠)، أربعتهم رووه عن عبد الله بن شقيق به، فلم يذكر أحد منهم لفظ التربيع كرواية الجماعة عن حميد، عن عبد الله بن شقيق. خالفهم: حفص بن غياث، فرواه عن حميد الطويل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا. رواه النسائي في المجتبى (١٦٦١)، وفي الكبرى (١٣٦٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٩٧٨، ١٢٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٧٨٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٦٥، ٢٦٦، ٤٥٤)، وفي مشكل الآثار (٥٢٣٥)، وصحيح ابن حبان (٢٥١٢)، وسنن الدارقطني (١٤٨٢)، ومستدرك الحاكم (١٠٢١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٣) من طريق أبي داود الحَفَرِيِّ، عن حفص بن غياث به. تابع أبا داود الحفري محمد بن سعيد الأصبهاني كما في مستدرك الحاكم (٩٤٧)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٣)، فرواه عن حفص به. ونسبه ابن حجر في التلخيص، ط قرطبة (١/ ٤٠٩) إلى ابن خزيمة، ولم أقف عليه في صحيحه، وإنما الذي خرجه ابن خزيمة في صحيحه رواية أبي داود الْحَفَرِيِّ. والأصبهاني ثقة. وقد أعل أهل العلم هذا الحديث. قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ، والله تعالى أعلم. فأعله بتفرد أبي داود الحفري، خاصة أن أبا داود الحفري ليس له من الرواية عن حفص بن غياث إلا هذا الحديث المعل. قال ابن عبد الهادي متعقبًا في المحرر (١/ ٢٥٤): «قد تابع الحفري محمد بن سعيد الأصبهاني وهو ثقة». =
[ ١٨ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان حيث أخرجاه في صحيحيهما. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ومحمد بن سعيد الأصبهاني ثقة، وهو معروف بالرواية عن حفص بن غياث روى عنه أربعة عشر حديثًا مقارنة بأبي داود الحفري، والذي ليس له رواية إلا هذا الحديث. فالنسائي جعل الخطأ من أبي داود الحفري؛ لأن أصحاب حفص بن غياث المكثرين عنه لا يعرفون هذا الحديث، كابن أبي شيبة، وابنه عمر بن حفص بن غياث، وهذان من أكثر من روى عن حفص بن غياث، وكذلك محمد بن العلاء، ومحمد بن نمير وغيرهم. يضاف إلى ذلك كون النسائي وابن نصر المروزي لا يعرفون هذه المتابعة. وعلى تقدير أن رواية أبي سعيد الأصبهاني محفوظة، فذلك يعني أن الوهم كان من حفص بن غياث، حيث تفرد به عن كل من رواه عن حميد، بل وكل من رواه عن عبد الله بن شقيق كما كشف ذلك تخريج الحديث. وقد جعل ابن نصر المروزي الوهم من حفص بن غياث. جاء في قيام الليل لابن نصر المروزي (المختصر، ص: ٢٠١): أخطأ فيه حفص، رواه عنه أبو داود الحفري عن حميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂، رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا» قال: وحديث الصلاة جالسًا، رواه عن حميد، عن عبد الله بن شقيق غير واحد كما رواه الناس، عن عبد الله بن شقيق ﵀ ولا ذكر التربع فيه فيشبه أن يكون الحديث كان عند حفص، عن حميد على ما هو عند الناس، وكان عنده عن ليث، عن مجاهد، وعن حجاج، عن حماد، عن سعيد بن جبير في التربع في الصلاة، فذاكر أبا داود الحفري من حفظه فتوهم، أن ذكر التربع في حديث حميد، فاختصر الحديث وألحق فيه التربع توهمًا وغلطًا إن كان حفظ ذلك عنه أبو داود، وذلك أنه ليس بمعروف من حديث حفص، لا نعلم أحدًا رواه عنه غير أبي داود ﵀، ولو كان من صحيح حديث حفص لرواه الناس عنه وعرفوه؛ إذ هو حديث لم يروه غيره، والذي يعرف من حديث حفص في التربع، عن حجاج، عن حماد، عن مجاهد قال: علمنا سعيد بن جبير صلاة القاعد، فقال: يجعل قيامه تربعًا. وحفص عن ليث، عن مجاهد ﵀ قال: (صلاة القاعد غير المتربع على النصف من صلاة القائم) قال: وكان حفص رجلًا إذا حدث من حفظه ربما غلط، هو معروف بذلك عند أصحاب الحديث ». وقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٦): حديث حفص بن غياث قد تكلم في إسناده، روى هذا الحديث جماعة عن عبد الله بن شقيق، ليس فيه ذكر التربع، ولا أحسب الحديث يثبت مرفوعًا، وإذا لم يثبت الحديث فليس في صفة جلوس المصلي قاعدًا سنة تتبع ».
[ ١٨ / ٣٥٧ ]
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٢) روى ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن سماك بن سلمة الضبي، قال:
رأيت ابن عمر، وابن عباس وهما متربعان في الصلاة.
[صحيح] (^١).
ويجاب عن أثر ابن عمر:
بأن التربع قد ثبت عن ابن عمر،
(ث-٩٩٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية عن أيوب،
عن نافع، أن ابن عمر صلى متربعًا من وجع.
[صحيح] (^٢).
إلا أن ما ورد عن ابن عمر لم يكن تربعه بدلًا عن القيام بل كان في التشهد، حيث صرح ابن عمر أن ذلك ليس من سنة الصلاة، ولكنه كان يشتكي رجله، والله أعلم.
_________________
(١) المصنف (٦١٢٠). رواه هشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦١٢٠)، والعلل للإمام أحمد رواية عبد الله (٢١٣٩). وجرير بن عبد الحميد كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦١٢٠)، ومسائل حرب الكرماني (١٢٤٨) والأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٧٤)، كلاهما عن مغيرة، عن سماك بن سلمة به. قال أحمد كما في العلل (٢/ ٢٤٧): لم يسمعه هشيم من مغيرة. وقد توبع هشيم، تابعه جرير بن عبد الحميد، فالإسناد صحيح.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٦١٣٦). ورواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٣١٤٦) عن معمر، عن أيوب، عن نافع قال: تربع ابن عمر في صلاته، فقال: إنها ليست من سنة الصلاة، ولكني أشتكي رجلي. وروى عبد الرزاق (٣١٤٨)، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله ابن عمر، قال: صلى ابن عمر فتربع، ففعلت ذلك وأنا حديث السن، فقال: ولم تفعل ذلك؟ قال: قلت: فإنك تفعله، قال: إنها ليست من سنة الصلاة، ولكن سنة الصلاة أن يثني اليسرى، وينصب اليمنى. قال: وقال عبد الله: إني لا تحملني رجلاي. وروى عبد الرزاق في المصنف (٣١٤٩)، عن مالك، عن صدقة بن يسار، عن مغيرة بن حكيم، أنه رأى ابن عمر تربع في سجدتين من الصلاة على صدور قدميه، فذكر ذلك له، فقال: إنها ليست من سنة الصلاة، ولكني أفعل ذلك من أجل أني أشتكي.
[ ١٨ / ٣٥٨ ]
(ث-٩٩٤) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم،
عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره: أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته، وأنا يومئذ حديث السن، فنهاني عبد الله ابن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجلي لا تحملاني (^١).
وأما الجواب عن أثر ابن عباس:
بأنه قد روي عنه كراهة التربع في الصلاة.
(ث-٩٩٥) فقد روى عبد الرزاق، عن عبد الله، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس، أنه كان يكره التربع في الصلاة، يعني: التطوع.
قال شعبة: فسألت عنه حمادًا، فقال: لا بأس به في التطوع.
[صحيح] (^٢).
وروى أبو القاسم البغوي في الجعديات، حدثنا علي، أنا شعبة، قال: سألت الحكم عن التربع في الصلاة، فكرهه، وقال: أحسب ابن عباس كرهه.
[صحيح] (^٣).
وكراهة ابن عباس التربع جاء بصيغة القول، بخلاف صلاته متربعًا فجاءت بصيغة الفعل، والقول أبلغ من الفعل؛ لأن الفعل يحتمل أنه فعله محتاجًا إليه كما فعله ابن عمر، ويحتمل أنه فعله لجواز التربع، وليس لاستحبابه.
ورد هذا الجواب:
بأن الأثرين عن ابن عباس يحتمل أن ما كرهه من التربع غير ما فعله، فيحتمل
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٢٧)، وانظر: الموطأ (١/ ٨٩). وروى ابن أبي شيبة في المصنف (٦١٣٥)، حدثنا وكيع، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن المغيرة بن حكيم الصنعاني، قال: رأيت ابن عمر متربعًا في آخر صلاته حين رفع رأسه من السجدة الآخرة، فلما صلى، قلت له؟ فقال: إني أشتكي رجلي.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٤٢٣٩).
(٣) مسند ابن الجعد (٢٨٩)، ومن طريق أبي القاسم البغوي رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٤).
[ ١٨ / ٣٥٩ ]
أنه تربع في جلوسه بدلًا عن القيام، وكره التربع في جلوس التشهد لمخالفته سنة الجلوس، وهذا الجمع أحسن من إثبات التعارض بين الأثرين، وكلاهما صحيحان.
الدليل الثالث:
(ث-٩٩٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن عقبة، قال: رأيت أنسًا يصلي متربعًا.
[حسن] (^١).
ويناقش:
هذا الفعل يؤخذ منه جواز التربع، لا سنيته؛ لأن المصلي لا بد له من جلوس، فقد يكون الصحابي اختاره لأنه الأنسب له، ولا يلزم منه أن يكون هو الأنسب لغيره، نعم يدل على استحباب التربع لو أن أنسًا أمر به، أو ورد عنه ما يدل على تفضيله على غيره، وأما مجرد فعله فلا يدل على أكثر من جواز التربع، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ث-٩٩٧) ما رواه الطحاوي، قال: ابن أبي داود قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن عاصم، وهشام بن حسان، عن الحسن،
عن أمه: أنها رأت أم سلمة تصلي متربعة من رمد كان بها.
[لم يروه عن أم سلمة إلا أم الحسن خيرة] (^٢).
_________________
(١) رواه حفص بن غياث كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦١٢١). وسعيد بن عبيد الطائي كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦١٢٢)، ورواه عيسى بن يونس كما في مسائل حرب الكرماني (١٢٤٩)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٤)، ثلاثتهم عن عقبة أبي الرحال به. وهذا إسناد حسن. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦١٢٣) من طريق سفيان، عن عمر الأنصاري، قال: رأيت أنسًا يصلي متربعًا على طنفسة. وعمر الأنصاري أبو حفص روى عنه الثوري والحسن بن صالح، ولم يوثقه أحد، ففيه جهالة.
(٢) مشكل الآثار للطحاوي (١٣/ ٢٤٣، ٢٤٤)، وأحكام القرآن له (٤٥٣). وأم الحسن خيرة مولاة لأم سلمة، لم يوثقها إلا ابن حبان، وقال ابن حجر: مقبولة. وأم الحسن ليست متهمة، ومثل هذا مما شاهدته ونقلته يبعد فيه الوهم، ولا يحتاج فيه الراوي إلى قوة ضبط، بخلاف الأقوال، فقد يحتاج إلى قوة الضبط، ويدخل الوهم في ضبطها، والله أعلم. وهشام بن حسان وإن تكلم في روايته عن الحسن فقد تابعه عاصم الأحول، وهو ثقة.
[ ١٨ / ٣٦٠ ]
قال الطحاوي: «ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ خلافًا لها في ذلك» (^١).
(ث-٩٩٨) وروى الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا المعلى بن الوليد القعقاعي، قال: حدثنا هانئ بن عبد الرحمن، قال:
قال إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ: رأيت أم الدرداء تصلي متربعة.
[ضعيف] (^٢).
الدليل الخامس:
لما كان المصلي حاله قائمًا غير حاله جالسًا، استحب أن يفرق بين جلوس يكون بدلًا عن القيام وبين جلوس التشهد، فيتربع في جلوس القيام؛ ليفصل بين حال قيامه وحال جلوسه، كما يفرق بين إيمائه للركوع وإيمائه للسجود بأن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، وكما فرق بين جلوس التشهد الأول وجلوس التشهد الثاني بمشروعية التورك في الأخير دون الأول.
ويناقش:
بأن التفريق لو كان مشروعًا لجاءت النصوص ترشد إليه، فلما لم يصح في جلوس المريض هيئة معينة دل على أن الشارع قصد التوسعة على المصلي، ولهذا لم يفرق الشارع بين جلوس التشهد والجلوس بين السجدتين.
ولو سلمنا أن التفريق مشروع فقد يحصل في غير التربع فلم يتعين به.
دليل من قال: يجلس مفترشًا:
الدليل الأول:
مرض النبي ﷺ في حياته، وصلى جالسًا أكثر من مرة، ولو كان جلوسه
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٢٣٤).
(٢) في إسناده المعلى بن الوليد القعقاعي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب. ولم يوثقه غير ابن حبان، ونقل ذلك الحافظ في لسان الميزان، ولم يتعقبه. وشيخه: هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال: ربما أغرب. ولم يتعقبه الحافظ في لسان الميزان بشيء.
[ ١٨ / ٣٦١ ]
في مرضه مخالفًا لسنة الجلوس في الصلاة لتوافرت الهمم على نقله، خاصة أن الصحابة كانوا حريصين على نقل كل ما يفعله ﵊ وكانوا أكثر حرصًا في نقل صفة صلاته ﵊.
فكل من نقل صلاة النبي ﷺ في مرضه حين سقط من فرسه أو في مرض موته اكتفى بالقول بأن النبي ﷺ صلى جالسًا، ولم يبين هيئة الجلوس، فدل ذلك على أن جلوسه كان جاريًا على سنة الجلوس في الصلاة.
ويناقش:
بأن هذا القول فيه قوة إلا أنه اعتمد على عدم النقل، وهو دليل عدمي، وإذا اعتبر دليلًا فهو من باب إعمال الظاهر في مقابل الأصل، فقد سقط القيام إلى الجلوس، ولم يأت في السنة بيان صفة الجلوس، فالأصل أن ذلك قصد به التوسعة على المريض، وإذا تعارض الظاهر مع الأصل قدم الأصل إلا أن يكون الظاهر أقوى منه.
وأنس ﵁ أحد الصحابة الذين نقلوا صلاة النبي ﷺ جالسًا، فلو أن النبي ﷺ صلى مفترشًا لما خالفه أنس ﵁، حيث ثبت عنه أنه صلى متربعًا، ومثله يقال في صلاة أم سلمة ﵂ متربعة، وإن كنا لا نقطع بأن أم سلمة شاهدته في صلاته جالسًا بخلاف أنس فإننا نقطع أنه شاهده، وصلى خلفه جالسًا عندما سقط من فرسه، ﵊، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٩) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هيثم بن شهاب، قال:
قال عبد الله: لأن يجلس الرجل على الرضفين خير من أن يجلس في الصلاة متربعًا (^١).
_________________
(١) المصنف، ط: التأصيل (٤٢٣٨)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٨) ث: ٩٣٩٢. ورواه محمد بن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦١٣١)، وطبقات ابن سعد (٦/ ١٩٨)، وعبد العزيز بن مسلم القسملي كما في مشكل الآثار (١٣/ ٢٤٢)، وفي أحكام القرآن للطحاوي (٢٦٩). وزائدة، كما في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٧٨) ث: ٩٣٩١. وسليمان التيمي، كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٧٥)، أربعتهم عن حصين به. ورواه شعبة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٤)، عن حصين بلفظ: لأن أقعد على جمرة أو جمرتين أحب إلي من أن أقعد متربعًا في الصلاة.
[ ١٨ / ٣٦٢ ]
ورواه البيهقي من طريق شعبة، عن حصين، عن الهيثم،
عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لأن أقعد على جمرة أو جمرتين أحب إلى من أن أقعد متربعًا في الصلاة (^١).
[تفرد به الهيثم بن شهاب عن ابن مسعود، وليس له عن ابن مسعود إلا هذا الأثر، وأين أصحاب ابن مسعود] (^٢).
وأجيب:
يحتمل أن يكون كلام ابن مسعود متوجهًا للتربع في جلوس التشهد؛ لأنه خلاف السنة، ولأن الأثر لم يتعرض لصلاة المريض، ولهذا أعقب الأثر عبد الرزاق بقوله: إذا كان صلى قائمًا فلا يجلس يتشهد متربعًا، فأما إذا صلى قاعدًا فليتربع. اه
الدليل الثالث:
الجلوس ينبغي أن يوافق هيئة الجلوس في الصلاة. ولا يعرف الجلوس في الصلاة إلا مفترشًا كالجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد.
الدليل الرابع:
أن التربع فيه نوع تجبر، بخلاف الجلوس على الركبتين فإنه أقرب إلى التواضع والخشوع وهو المناسب في حال الصلاة.
ويناقش:
لا يسلم أن التربع فيه نوع تجبر، ولو كان ذلك لكره التربع خارج الصلاة، ولا أعلم أن أحدًا من أهل العلم كره جلوس التربع خارج الصلاة.
_________________
(١) السنن الكبرى (٢/ ٤٣٤).
(٢) والهيثم بن شهاب لم يرو عنه إلا حصين بن عبد الرحمن، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان ذكره في ثقاته (٥/ ٥٠٧)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢١٢)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٧٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وليس له رواية إلا هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁.
[ ١٨ / ٣٦٣ ]
دليل من قال: يجلس حيث يشاء:
(ح-٣٥٢٧) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^١).
(ح-٣٥٢٨) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمر بالجلوس أمرًا مطلقًا، ولم يحدد هيئة معينة، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فحيث جلس فقد امتثل الأمر.
واستحباب التربع بدلًا عن القيام يحتاج إلى نص؛ لأن البدل لا يثبت إلا بدليل من الشارع.
وإذا لم يثبت في صفة جلوس المريض سنة تتبع كان له أن يصلي حيث يشاء، فيختار ما هو أسهل عليه، إن شاء صلى متربعًا، وإن شاء محتبيًا، وإن شاء جلس كجلوسه بين السجدتين، كل ذلك قد روي عن المتقدمين، وكل ذلك يصدق عليه أنه صلى جالسًا.
الراجح:
إذا جلس متربعًا فهذا جائز، ولعله أولى، ولكني لا أبلغ به السنة، حيث لا يحفظ في هذا الباب سنة مرفوعة في هيئة جلوس المريض إذا عجز عن القيام، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري (١١١٧).
(٢) صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).
[ ١٨ / ٣٦٤ ]