المدخل إلى المسألة:
جميع التكاليف مشروطة بالقدرة؛ إذ لا تكليف إلا بمقدور.
العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلًا عن القيام، والإيماء بدلًا عن الركوع والسجود، والعجز عن القراءة بدله الأذكار، والبدل له حكم المبدل. وإن لم يكن له بدل سقط.
إذا لم يتمكن العاجز من القيام لا استقلالًا، ولا استنادًا، كان فرضه الجلوس.
لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
ما سقط من الأركان بسبب العجز أو الخوف فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.
[م-١١٤٠] إذا أمكن المريض الصلاة قائمًا بالسور القصار لم يصلِّ جالسًا بالطوال، فإن عجز عن القيام في صلاته، لا استقلالًا ولا استنادًا، أو قدر على القيام ولكن خاف إن فعل زيادة مرض أو تأخر برء، أو مشقة شديدة بالقيام سقط عنه القيام، ووجب عليه أن يصلي جالسًا استقلالًا إن قدر عليه، وهو قول الأئمة الأربعة، فإن عجز عن الجلوس استقلالًا جلس مستندًا إلى شيء (^١).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٢١)، المحيط البرهاني (٢/ ١٤٢)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٨٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٧٦)، النهاية في شرح الهداية (٤/ ٢)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، العناية شرح الهداية (٢/ ٣)، خزانة المفتين (ص: ٧٠٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٧٩)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٦)، فتح القدير (٢/ ٣)، عقد الجواهر لابن شاس (١/ ١٠١)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٦)، تحبير المختصر (١/ ٣٢٠)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٧)، منح الجليل (١/ ٢٧٤)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ٢٠٦)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨٥٢)، التنبيه (ص: ٤٠)، المهذب (١/ ١٩٠)، التهذيب (٢/ ١٧٢)، فتح العزيز (٣/ ٢٨٥)، البيان للعمراني (٢/ ٤٤٢)، نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، الغاية في اختصار النهاية (٢/ ٧٨)، المجموع (٤/ ٣٠٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٥)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٣٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٣، ٢٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨)، الإنصاف (٢/ ٣٠٥)، الإقناع (١/ ١٧٦)، كشاف القناع (٣/ ٢٤٩)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٠٩)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٧)، غاية المنتهى (١/ ٢٢٩).
[ ١٨ / ٣٤٧ ]
جاء في البحر الرائق: «إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك، وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك» (^١).
وقال اللخمي: «وإذا لم يستطع المريض الصلاة جالسًا إلا مستندًا جاز ذلك» (^٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «إن عجز عن القيام مع الاستناد صلى جالسًا مستقلًّا، فإن لم يقدر صلى جالسًا مستندًا» (^٣).
وقد دل على ذلك النص والإجماع.
أما النص: فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فالقدرة شرط في جميع التكاليف، فكل ما عجز عنه من شروط الصلاة وأركانها فإنه يسقط بالعجز عنه حتى يصير إلى الإغماء، فيسقط جميع ذلك (^٤).
قال ابن تيمية: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾» (^٥).
وقال أيضًا: «الشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة» (^٦).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٢١).
(٢) التبصرة للخمي (١/ ٣٠٦).
(٣) الفواكه الدواني (١/ ٢٦٨).
(٤) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٣٥).
(٥) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٣٤).
(٦) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٨).
[ ١٨ / ٣٤٨ ]
ومن السنة دليل عام وخاص:
(ح-٣٥٢٤) أما العام فلما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (^١).
(ح-٣٥٢٥) وأما الخاص فلما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِ (^٢).
وأما الدليل من الإجماع: فقال ابن بطال في شرح البخاري: «العلماء مجمعون أن فرض من لا يطيق القيام أن يُصَلِّيَ الفريضة جالسًا» (^٣).
وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا» (^٤).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالسًا» (^٥).
وكذلك نقل الإجماع ابن حزم في المحلى، والخطيب في مغني المحتاج (^٦).
وسبق التفصيل في الخلاف إذا لم يستطع القيام والجلوس إلا مستندًا في الفصل السابق فارجع إليه إن شئت.
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (١٣٠ - ١٣٣٧).
(٢) صحيح البخاري (١١١٧).
(٣) شرح البخاري (٣/ ١٠٢).
(٤) المغني (٢/ ١٠٦).
(٥) الإشراف (٢/ ٢١٢).
(٦) مغني المحتاج (١/ ٣٤٨)، المحلى (٢/ ١٠٣).
[ ١٨ / ٣٤٩ ]