المدخل إلى المسألة:
المكلف مأمور أولًا بما يقدر عليه، ولا ينتقل عنه حتى يتحقق عجزه.
الإيماء بالسجود قائمًا مع قدرته عليه؛ لما يتوقع من عجز إن سجد من باب تقديم المظنون على المقطوع، وهذا لا يصح.
الحكم في الصلاة لحظة الأداء، وهو في الركعة الأولى قادر على الأركان كلها، وما يحدث في الركعة الثانية غيب.
[م-١١٥٠] اختلف العلماء في الرجل يستطيع القيام والركوع والسجود، لكنه إن سجد لم يستطع النهوض للقيام على قولين هما قولان في مذهب المالكية:
فقيل: يركع ويسجد في الأولى، ثم يتم صلاته جالسًا، وهذا قول اللخمي وابن يونس والتونسي (^١).
وقيل: يصلي قائمًا ويركع، ويومئ بالسجود في الثلاث الأول من الرباعية، ثم يركع ويسجد في الرابعة (^٢).
دليل من قال: يركع ويسجد في الأولى ثم يتم صلاته جالسًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٤٢) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني
_________________
(١) مختصر خليل (ص: ٣٤)، تحبير المختصر (١/ ٣٢٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٧٠)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٠)، منح الجليل (١/ ٢٧٧).
(٢) جامع الأمهات (ص: ٩٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٨)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٨٦).
[ ١٨ / ٤٣٥ ]
الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^١).
[تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (^٢).
فالمكلف مأمور أولًا بما يقدر عليه، ولا ينتقل عنه حتى يتحقق عجزه، فهو في الركعة الأولى قادر على جميع الأركان، من قيام، وركوع، وجلوس، وسجود، فالإيماء بالسجود قائمًا مع قدرته على السجود؛ لما يتوقع من عجز إن سجد من باب تقديم المظنون على المقطوع.
الدليل الثاني:
قالوا: تقديم القيام للاتفاق على فرضيته، هكذا علل به ابن شاس (^٣).
ونوقش:
بأن السجود في الصلاة ركن بالاتفاق أيضًا، لا تتم الصلاة إلا به، راجع حكم السجود في المجلد العاشر.
الدليل الثالث:
ولأن تقديم السجود على القيام من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: السجود لا يقع إلا عبادة بخلاف القيام، فمنه ما هو عبادة، ومنها ما هو عبادة.
ونوقش:
كون السجود لا يقع إلا عبادة، بخلاف القيام لا يقتضي تفضيل السجود؛ فإن التسبيح والتهليل والذكر لا يقع إلا عبادة، والقيام بالصلاة أفضل منه.
الجهة الثانية: من جهة العدد، تفويت ثلاث قيامات يحصل بهن المحافظة
_________________
(١) صحيح البخاري (١١١٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠١).
[ ١٨ / ٤٣٦ ]
على ست سجدات كما في الصلاة الرباعية، فيكون السجود أولى بالمراعاة.
ويناقش:
يضاف إلى الإخلال بثلاث قيامات الإخلال بثلاث ركوعات، فيكون مراعاة ركنين القيام والركوع أولى من مراعاة ركن واحد، وهو السجود.
الجهة الثالثة: من جهة الفضل والثواب، فالسجود أفضل من القيام؛ لما في السجود من الخضوع والتذلل لله، وكونه عبادة لا تصرف إلا لله.
وقد ورد آيات وأحاديث في فضل السجود، فكان أولى بالتقديم، من ذلك:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
وقال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، فقدم السجود.
(ح-٣٥٤٣) وروى الشيخان من طريق عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة من حديث طويل في صفة البعث والشفاعة، وفيه: (كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود). الحديث.
(ح-٣٥٤٤) وروى مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،
حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود.
فهذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.
(ح-٣٥٤٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة
[ ١٨ / ٤٣٧ ]
اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان.
فدل على أن السجود من أعظم أسباب نيل المطلوب وهو رفع الدرجات، وفي زوال المرهوب، وهو تكفير السيئات.
(ح-٣٥٤٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء.
فالمصلي قريبٌ من الله في كل حالاته وأقرب ما يكون، وهو ساجد، وفي هذا دليل على فضل السجود لله ﷾.
ونوقش:
بأن المفاضلة بين طول القيام وكثرة السجود مسألة خلافية، وقد سبق بحثها في المجلد العاشر، وفي كل منهما فضل يتميز به عن الآخر، فالقيام خُصَّ بالقراءة، والركوع بتعظيم الرب، والسجود بكثرة الدعاء، فالقيام أفضل من السجود بذكره، والسجود أفضل بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة المنفكة عن الفاعل.
دليل من قال: يصلي قائمًا ويركع ويومئ بالسجود:
اعتمد أصحاب هذا القول على تفضيل القيام على السجود،
(ح-٣٥٤٧) بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
عن جابر، قال: قال رسول الله: أفضل الصلاة طول القنوت (^١).
_________________
(١) صحيح مسلم (١٦٤ - ٧٥٦).
[ ١٨ / ٤٣٨ ]
قال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (^١).
ولأن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما.
وقد قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
الراجح:
أن المصلي يأخذ حكم القادر حتى يتحقق العجز.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٦).
[ ١٨ / ٤٣٩ ]