المدخل إلى المسألة:
ركوب السفينة من المقيم لا يجعله مسافرًا؛ لأن الترخص بأحكام السفر لا تصح بمجرد النية حتى يفارق العمران.
من نوى الظهر ركعتين، وهو في البلد فصلاته باطلة؛ لأنه لا تصح نية القصر، وهو مقيم.
إذا أحرم في الحضر بنية الإتمام ثم نوى القصر بعد أن سارت السفينة وفارقت البلد، لم تصح منه نية القصر؛ لامتناع نية القصر في أول صلاته.
إذا لم تصح نية القصر في أول الصلاة لم تصح في آخرها؛ لأن الصلاة الواحدة لا يصلى بعضها بنية الإتمام وبعضها بنية القصر.
الأصل في الصلاة الإتمام فإذا وجد جزء منها بغير نية القصر وجب إتمامها تغليبًا للأصل.
لا يجوز القصر حتى تقع جميع الصلاة في السفر.
[م-١١٢٦] ومن أوقع بعض صلاته مقيمًا كراكب سفينة، ثم سافر، لم يقصر الصلاة، وبه قال الأئمة الأربعة (^١).
_________________
(١) المحيط البرهاني (٢/ ٤٨)، الفروق للكربيسي (١/ ٥٤)، تبيين الحقائق (١/ ٥١)، النوادر والزيادات (١/ ٤٢١)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٤)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٤٤٤)، لوامع الدرر (٢/ ٥٧٣)، التنبيه للشيرازي (ص: ٤١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١١٠٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٩٤)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٣٦)، حلية العلماء (٢/ ٢٣٣)، المجموع (١/ ٤٨٨) و(٤/ ٣٥٣)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١١٤)، أسنى المطالب (١/ ٢٤٢)، التذكرة في الفقه لابن عقيل (ص: ٥٦)، كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٢٦٤)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٤)، المبدع (٢/ ١١٨)، الإنصاف (٢/ ٣٢٢)، المنهج الصحيح في الجمع بين المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٢)، الإقناع (١/ ١٨١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٠٧).
[ ١٨ / ٢١٥ ]
قال النووي: «لو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد فسارت، وفارقت البلد وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر باجماع المسلمين» (^١).
وأشار الماوردي إلى وجود خلاف في المسألة إلا أنه وصفه بالشذوذ.
قال في الحاوي: «وهو قول الفقهاء كافة إلا من شذَّ فجوز له القصر» (^٢).
وقيل: له أن يقصر الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).
وجه القول بلزوم الإتمام:
الوجه الأول:
الأصل في الصلاة الإتمام، فإذا اجتمع فيها الحضر والسفر وجب الإتمام تغليبًا للحضر.
الوجه الثاني:
أن نية القصر في أول الصلاة لا تصح بالإجماع، وإذا لم تصح في أولها لم تصح في آخرها؛ لأن الصلاة الواحدة لا يصلى بعضها بنية الإتمام وبعضها بنية القصر، فإذا وجد في الصلاة جزء منها لا تجوز فيه نية القصر وجب إتمامها، فلا يجوز القصر حتى تقع جميع الصلاة في السفر.
وجه من قال: له أن يقصر:
الأصح أن القصر لا يحتاج إلى نية، فإذا لم تجب نية القصر في أول الصلاة، لم يمتنع أن ينوي القصر في أثناء الصلاة.
ولأن الرجل لو دخل في الصلاة بنية القصر ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة، لزمه الإتمام، ولا يضره كون جزء من صلاته صلاها بنية القصر، فكذلك العكس.
_________________
(١) المجموع (١/ ٤٨٨).
(٢) الحاوي الكبير (٢/ ٣٨١).
(٣) الإنصاف (٢/ ٣٢٢).
[ ١٨ / ٢١٦ ]
ويناقش:
هذا الدليل مبني على مسألتين: كون القصر لا يحتاج إلى نية، وكون الرجل يصح منه الانتقال من القصر إلى الإتمام أثناء الصلاة فيصح العكس.
هاتان المسألتان لا دليل فيهما على مسألتنا:
أما كون القصر لا يحتاج إلى نية فهذا يقال في رجل يصح منه نية القصر، أما في مسألة الباب فهو في رجل يحرم عليه نية القصر عند افتتاح الصلاة، فكيف تريد من هذه النية المبطلة لصلاته أن تنسحب على كل صلاته، وهو في جزء من صلاته حين كان مقيمًا كان ممنوعًا من هذه النية.
وأما القياس على صحة الانتقال من القصر إلى الإتمام، فنية الإتمام من المسافر لا تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف نية القصر للرجل إذا أحرم، وهو مقيم؛ فإن صلاته لا تنعقد، فلا يصح القياس.
وإن أحرم بالصلاة مسافرًا ثم أقام، عكس المسألة السابقة:
فقال الجمهور: يتم الصلاة، ويبني على ما صلى (^١).
وقال المالكية: إذا افتتح الصلاة بنية القصر ثم أقام، فإن كان قد صلى ركعة سجد فيها أتمها اثنتين، وكانت نفلًا، ولم تجز حضرية ولا سفرية، وإلا قطعها (^٢).
وحمل أبو بكر الأبهري وابن الجلاب: هذا على سبيل الاستحباب، فلو بنى
_________________
(١) المجموع (٤/ ٣٥٣).
(٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٣١٣)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٥)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٥٨٩)، أسهل المدارك (١/ ٣١٦). وقال خليل في التوضيح (٢/ ٣١): «واختلف في المسافر ينوي الإقامة في صلاته على ثلاثة أقوال: أولها: مذهب المدونة: أن ذلك مفسد لصلاته، فهو كمن ذكر صلاة في صلاة، يخرج عن نافلة أو يقطع على اختلاف في ذلك والقول الثاني: وهو اختيار بعض المتأخرين: أنه لا تأثير لتحول النية في إفساد صلاته فيتمادى عليها وتجزئه؛ كالمتيمم يدخل في الصلاة، ثم يطلع عليه رجل معه ماء أنه يتمادى، ولا يقطع. الثالث: فصل ابن الماجشون فقال: إن لم يعقد ركعة أتمها أربعًا إن كان منفردًا، وإن كان إمامًا يستخلف … وإن عقد ركعة لزمه إتمامها سفرية؛ لأنه لما عقد ركعة على السفر لزمه حكم السفر».
[ ١٨ / ٢١٧ ]
على صلاته، وأتمها أجزأته صلاته. قال ابن عبد البر: هو عندي كما قالا؛ لأنها ظهر، سفرية كانت أو حضرية (^١).
وجه قولهم: أنه لما دخل بلاده أصبح مقيمًا، فامتنع القصر.
ولم تصح حضرية إن أتمها أربعًا؛ لعدم دخولها عليها.
ويناقش:
ما المانع أن ينتقل من القصر إلى الإتمام، غاية ما في ذلك أن النية تتعلق بعدد الركعات، لا بتعيين الفرض، ونية عدد الركعات ليس بفرض في أصح قولي أهل العلم.
ورد هذا:
لو جاز هذا لجاز في حق من أحرم، وهو مقيم، ثم سافر أن ينتقل إلى القصر، وهذا غير جائز، فكذلك العكس.
وأجيب بوجهين:
الوجه الأول:
إذا أحرم بنية القصر، وهو مقيم لم تنعقد صلاته، فضلًا أن يقال بصحة الانتقال إلى القصر أثناء الصلاة، بخلاف الانتقال من القصر إلى الإتمام، فالإتمام نفسه يصح من المسافر، وإن كان خلاف السنة، فالانتقال إليه لا محظور فيه.
ولو دخل المسافر في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة لزمه الإتمام على الصحيح، ولم تبطل صلاته على الأصح؛ فكذلك هنا.
ولو دخل يظن إمامه مسافرًا، فبان مقيمًا، تابعه وصلى أربعًا، وصحت صلاته، فكذلك هنا.
ولأن نية الزيادة في عدد الركعات وإن حدثت أثناء الصلاة إلا أنها حدثت في وقت يجب عليه الإتمام فصحت صلاته، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن مقتضى القياس: أن يتم صلاته على ما أحرم به، فإذا أحرم، وهو حاضر لم
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٥٧)، وانظر: اللباب في علوم الكتاب (٦/ ٦٠٧).
[ ١٨ / ٢١٨ ]
ينتقل إلى القصر، وإذا أحرم، وهو مسافر بنية القصر لم ينتقل إلى الإتمام؛ لأنه شرع في العبادة على وجه مأذون له فيه فليتمه على الوجه الذي بدأه به، ولا ينتقل عنه، هذا هو مقتضى القياس.
وقياسًا على من وجبت عليه كفارة التخيير، فشرع في الصيام لعدم قدرته على الإعتاق، ثم وجدت القدرة أثناء الصيام لا يكلف الانتقال.
وهذا يعكر عليه أمران:
أحدهما: أنني لم أقف على قول لأحد من أهل العلم يقول: إذا أحرم بالصلاة وهو مسافر، ثم أقام أنه يتمها قصرًا، فإن كان قد قيل به فله وجه، وإن كان قد قيل في عكسها، وهو أولى بالمنع: أعني: إذا أحرم بالصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فالجمهور يتمها أربعًا، وقد قيل: إن له أن يصليها ركعتين، وهو قول عند الحنابلة.
الأمر الثاني: أن من شرع في التيمم فدخل في الصلاة، فحضر الماء بطلت صلاته، مع أنه دخل في الصلاة على وجه مأذون، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة.
وقد قيل: يمضي في صلاته مطلقًا، وهو مذهب المالكية.
وقيل: يمضي في صلاته، إن كان تيممه في السفر، وهو مذهب الشافعية، والله أعلم (^١).
الراجح:
أن من دخل في الصلاة مقيمًا ثم سافر، أو كان مسافرًا ثم أقام أنه يتمها أربعًا، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: موسوعة أحكام الطهارة للمؤلف، ط: الثالثة (٥/ ٣٥٦).
[ ١٨ / ٢١٩ ]