المدخل إلى المسألة:
لا يجوز إثبات هيئة في الصلاة إلا بدليل.
إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه؛ لأن التكاليف تناط بالقدرة.
التعويض عن الساقط لا يعرف إلا من جهة الشرع، ولم يأت قرآن ولا سنة، بالتعويض عن الإيماء بالرأس بالإيماء بالطرف، ولا بالصلاة بالقلب.
الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز به الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود.
[م-١١٤٣] اختلفوا في سقوطها عنه إذا عجز عن الإيماء.
فقيل: تسقط الصلاة عنه، ولا يلزمه الإيماء بعينه وحاجبه، ولا بقلبه، وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (^١).
_________________
(١) ذهب الحنفية إلى أن المصلي إذا عجز عن الإيماء برأسه أخَّرَ الصلاة، فإن مات من ذلك المرض لقي الله تعالى، ولا شيء عليه؛ لأنَّه لم يدرك وقت القضاء، وإن برئ، فإن كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقلَّ فعليه القضاء قولًا واحدًا في المذهب، وإن كان أكثر من ذلك، ففي مذهب الحنفية قولان، أصحهما: أنه لا يلزمه القضاء؛ لأن الفوائت دخلت في حد التكرار. جاء في بداية المبتدئ (ص: ٢٤): «فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه ولا يومئ بعينيه، ولا بقلبه، ولا بحاجبيه». وجاء في تحفة الفقهاء (١/ ١٩٢): إذا عجز عن الإيماء، وهو تحريك الرأس سقط عنه أداء الصلاة عندنا ». انظر في مذهب الحنفية: مختصر القدوري (ص: ٣٦)، المبسوط (١/ ٢١٦)، فتح القدير (٢/ ٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٧)، بداية المبتدئ (ص: ٢٤)، الهداية شرح البداية (١/ ٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠١)، الجوهرة النيرة (١/ ٨٠)، البحر الرائق (٢/ ١٢٥)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٧). وانظر رواية الإمام أحمد واختيار ابن تيمية في: الروايتين والوجهين (١/ ١٧٩)، الإنصاف (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٤٠)، الإنصاف (٢/ ٣٠٨). وانظر وجه الشافعية في: البيان للعمراني (٢/ ٤٤٧)، فتح العزيز (١/ ٤٨٦)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٣٩).
[ ١٨ / ٣٩٩ ]
وكأن هذا القول يرى أن المصلي إذا عجز عن أفعال الصلاة سقطت عنه، ولا عبرة بقدرته على الأقوال ولا بقدرته على النية.
وقيل: إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتًا، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال زفر والحسن بن زياد من الحنفية (^١).
_________________
(١) إذا عجز عن الإيماء برأسه، فقال أصحاب مالك: بأنه لا نص فيه يعني في الجملة. قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة (١/ ٢٠٨): «والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي، مع العجز عن نص يقتضيه المذهب». وقد أخذ المالكية بقول المازري وابن بشير، فنص المازري على الصلاة إيماء بطرفه، فقال المازري كما في شرح التلقين (٢/ ٨٦٥): «إذا لم يستطع المريض أن يومئ برأسه للركوع والسجود، فهل يومئ بطرْفه وحاجبه، ويكون مصليًا بهذا الفعل مع النية للصلاة؟ مقتضى المذهب فيما يظهر لي أنه يؤمر بذلك، ويكون مصليًا به». ونقل هذا خليل في التوضيح معتمدًا له (١/ ٣٥١). ونص ابن بشير على الصلاة بقلبه، جاء في التاج والإكليل (٢/ ٢٧١): «إن عجز عن جميع الحركات، ولم يبق له سوى النية بالقلب فلا نص فيها في المذهب، والاحتياط فيها مذهب الشافعي: أن عليه القصد إلى الصلاة بقلبه؛ لأن روح الصلاة القصد، ومقصودها حالة تحصل للقلب». ومجموع قولي المازري وابن بشير هما مقتضى المذهب، وهو ما أخذ به أصحاب مالك، ويقدم الإيماء بالطرف على الأصبع؛ لأن العين والحاجب قريبان من الرأس الذي هو محل السجود، والله أعلم. جاء في مختصر خليل (ص: ٣٤): «وإن لم يقدر إلا على نية، أو مع إيماء بطرف، فقال وغيره -يعني: المازري وابن بشير-: لا نص، ومقتضى المذهب الوجوب». فتكلم المازري على من يقدر على النية مع الإيماء بالطرف، وتكلم ابن بشير على الذي لا يقدر إلا على النية. وقال الرملي الشافعي في نهاية المحتاج (١/ ٤٧٠): «فإن عجز عن الإيماء برأسه فبطرفه: أي بصره ومن لازمه الإيماء بجفنه وحاجبه، وظاهر كلامهم: أنه لا يجب هنا إيماء للسجود أخفض، وهو متجه خلافًا للجوجري؛ لظهور التمييز بينهما في الإيماء بالرأس دون الطرف، ثم إن عجز عن الإيماء بطرفه صلى بقلبه، بأن يجري أركانها وسننها على قلبه قولية كانت أو فعلية إن عجز عن النطق أيضًا بأن يمثل نفسه قائمًا وقارئًا وراكعًا؛ لأنه الممكن». وانظر: شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٤٢)، جواهر الدرر (٢/ ١٦٥)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٩٦)، الثمر الداني (ص: ٢٠٦)، تحبير المختصر (١/ ٣٢٦)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ٢٠٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٧٤). وانظر في مذهب الشافعية: نهاية المطلب (٢/ ٢١٨)، فتح العزيز (١/ ٤٨٥)، المجموع (٤/ ٣١٧)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٢)، أسنى المطالب (١/ ١٤٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٥١). وانظر في مذهب الحنابلة: التعليقة الكبرى لأبي يعلى (٢/ ٣٠٦)، المغني (٢/ ١٠٩)، المبدع (٢/ ١٠٩)، منتهى الإرادات (١/ ٢٨٨)، الإقناع (١/ ١٧٧). وانظر قول زفر والحسن بن زياد في: المبسوط (١/ ٢١٧)، تحفة الفقهاء (١/ ١٩٢).
[ ١٨ / ٤٠٠ ]
قال القرافي: «فإن عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينيه وقلبه» (^١).
فجمع بالصلاة بين الطرف والقلب، ولم يذكر صلاته بقلبه وحده.
وظاهره: أنه لو عجز عن الإيماء بطرفه سقطت عنه، والإيماء بالطرف ملحق بالقدرة على الفعل، وإنما جاء ذكر القلب مع الإيماء بالطرف؛ لأن الإيماء بالطرف وحده لا يتميز به الركوع عن السجود، وأشار إليه ابن مفلح في النكت (^٢).
وجاء في النوادر والزيادات: «وإذا لم يقدر المريض على التكبير والقراءة بلسانه، فلا يُجْزِئُهُ أَنْ ينوي ذلك بغير حركة اللسان، بقدر ما يطيق» (^٣).
_________________
(١) الذخيرة (٢/ ١٦٦).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٧٧)، قال ابن مفلح في النكت على المحرر (١/ ١٢٧): «قطع بعضهم بأنه إذا عجز عن الصلاة مستلقيًا أنه يومئ بطرفه وينوي بقلبه واقتصاره على هذا يوهم أنه إذا عجز عن الإيماء بطرفه تسقط الصلاة مع ثبات عقله، وليس كذلك؛ لأنه قال: وينوي بقلبه. ومن عجز عن بعض المطلوب أتى بالبعض الآخر … وقال في المقنع: فإن عجز أومأ بطرفه، ولا تسقط الصلاة، وكذا في الكافي وزاد: ما دام عقله ثابتًا، فيحتمل أنه أراد: إذا عجز عن الإيماء بطرفه سقطت الصلاة، ويكون قوله: ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتًا، يعني: على الوجه المذكور، وهو قدرته على الإيماء بطرفه، وهذا قول الحسن بن زياد الحنفي». وجاء في الفروع نقلًا من الفنون (٣/ ٧١): «الأحدب يجدد للركوع نية؛ لكونه لا يقدر عليه، كمريض لا يطيق الحركة يجدد لكل فعل وركن قصدًا».
(٣) النوادر والزيادات (١/ ٢٥٦).
[ ١٨ / ٤٠١ ]
وقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه ونوى بقلبه» (^١).
ولم يذكر الصلاة بالقلب وحده، وكذلك فعل صاحب المنتهى من المتأخرين وتابعه في غاية المنتهى، خلافًا لصاحب الإقناع.
وقال ابن قدامة في المغني: «وإن لم يقدر على الإيماء برأسه، أومأ بطرفه، ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله» (^٢).
قال ابن مفلح: «يحتمل أنه أراد: إذا عجز عن الإيماء بطرفه سقطت الصلاة، ويكون قوله: ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتًا، يعني: على الوجه المذكور، وهو قدرته على الإيماء بطرفه» (^٣).
وقال في المنتهى: «فإن عجز أومأ بطرفه ناويًا مستحضرًا الفعل والقول إن عجز عنه بقلبه، كأسير خائف ولا تسقط» (^٤).
قال البهوتي في شرح المنتهى: «(ولا تسقط) الصلاة عن مريض ما دام ثابت العقل؛ لقدرته على الإيماء بطرفه مع النية بقلبه» (^٥).
فعلل عدم السقوط لقدرته على الإيماء مع النية، ولم يحمل قوله: ولا تسقط: أي ينوي بقلبه وحده.
ونقل ابن الهمام عن محمد بن الحسن أنه قال: «لا أشك أن الإيماء برأسه يجزئه، ولا أشك أنه بقلبه لا يجزئه، وأشك فيه بالعين» (^٦).
وقيل: ذكر القلب على وجه التخيير: إن شاء صلى بطرفه، وإن شاء صلى بقلبه.
جاء في الإنصاف: «قال في التبصرة: صلى بقلبه أو طرفه.
وقال القاضي في الخلاف وتبعه في المستوعب: أومأ بعينيه وحاجبيه، أو
_________________
(١) الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ١٠٢).
(٢) المغني (٢/ ١٠٩)، وانظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٥)، المقنع، ت: الأرناؤوط (ص: ٦٤).
(٣) النكت على المحرر (١/ ١٢٧).
(٤) منتهى الإرادات (١/ ٣٢٣).
(٥) شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨٨).
(٦) فتح القدير (٢/ ٥).
[ ١٨ / ٤٠٢ ]
قلبه. وقاس على الإيماء برأسه» (^١).
وقال ابن مفلح في النكت: «ذكر في المستوعب أنه يومئ بطرفه أو بقلبه، وظاهره الاكتفاء بعمل القلب، ولا يجب الإيماء بالطرف، وليس ببعيد».
وقال في الفروع: «وظاهر كلام جماعة: لا يلزمه الإيماء بطرفه، وهو متجه لعدم ثبوته» (^٢).
وقيل: يصلي بطرفه فإن عجز صلى بقلبه، وبه قال زفر من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، واقتصر ابن بشير من المالكية على الصلاة بقلبه، ولم يذكر الإيماء بطرفه، ونص عليه صاحب الإقناع (^٣).
قال النووي: «فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه. فإن عجز عن تحريك الأجفان، أجرى أفعال الصلاة على قلبه. فإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلًا، لا تسقط عنه الصلاة» (^٤).
وقال الغزالي: «إن لم يبق في أجفانه حراك فيمثل الأفعال في قلبه، حتى إن خرس لسانه يجري القراءة على قلبه، وذلك كله لقوله ﵊: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (^٥).
قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا لم يقدر أن يصلي؟
قال: لابد من شيء إذا كان يعقل، إلا أن لا يعقل (^٦).
وقال في الإقناع: «فإن عجز أومأ بطرفه ونوى بقلبه … فإن عجز فبقلبه مستحضرًا القول والفعل، ولا تسقط الصلاة حينئذ مادام عقله ثابتًا» (^٧).
_________________
(١) الإنصاف (٢/ ٣٠٨)، وانظر: الفروع (٣/ ٦٩، ٧٠).
(٢) الفروع (٣/ ٧٠).
(٣) المبسوط (١/ ٢١٧)، تحفة الفقهاء (١/ ١٩٢)، النهاية في شرح الهداية للسغناقي (٤/ ٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٥١)، الإقناع (١/ ١٧٧).
(٤) روضة الطالبين (١/ ٢٣٧).
(٥) الوسيط في المذهب (٢/ ١٠٥).
(٦) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٤١٩).
(٧) الإقناع (١/ ١٧٧).
[ ١٨ / ٤٠٣ ]
وعلى هذا القول لا تسقط الصلاة بالعجز عن الأفعال والأقوال ما دام قادرًا على الصلاة بقلبه.
فصارت الأقوال فيما إذا عجز عن الإيماء أربعة:
قيل: تسقط الصلاة عنه لعجزه عن الفعل.
قيل: يومئ بطرفه وينوي بقلبه، فإن عجز سقطت الصلاة عنه.
وقيل: يتخير، إن شاء أومأ بطرفه أو صلى بقلبه.
وقيل: يومئ بطرفه، فإن عجز صلى بقلبه. والله أعلم.
دليل من قال: إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٣٢) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^١).
وجه الاستدلال:
هذا أصح نص ورد في صلاة المريض على اختلاف في لفظه، وليس فيه ذكر الإيماء بالعين ولا الصلاة بالقلب، وما كان ربك نسيًا، وإذا لم يثبت الصلاة بالإيماء بالطرف والقلب سقطت الصلاة؛ لأن الأصل عدم الوجوب.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٣٣) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^٢).
فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، فإذا عجز عن الأفعال سقطت، وإن كان
_________________
(١) صحيح البخاري (١١١٧).
(٢) صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).
[ ١٨ / ٤٠٤ ]
قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال.
الدليل الثالث:
إذا عجز عن الواجب سقط؛ لأن التكليف مناط بالقدرة، والتعويض عن الساقط لا يعرف إلا من جهة الشرع، ولم يأت قرآن ولا سنة، بالتعويض عن الإيماء بالرأس بالإيماء بالعين ولا بالقلب.
الدليل الرابع:
الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز به الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، قاله شيخ الإسلام.
دليل من قال: إذا عجز عن الإيماء صلى بقلبه:
الدليل الأول:
الصلاة أفعال وأقوال بنية، فإن عجز عن الثلاثة سقطت الصلاة، وما قدر عليه منها لم يسقط عنه، بل يجب عليه أن يأتي بما قدر عليه؛ لأن من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه أتى بما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه. فلو عجز عن الفعل أتى بالقول مصحوبًا بالنية، ولو عجز عن الفعل والقول صلى بقلبه ناويًا الفعل والقول، ولا يترك الصلاة.
قال الله ﷾: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال ﵊: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) (^١).
وللقاعدة الفقهية: المقدور لا يسقط بالمعسور.
ويجاب:
النية هي القصد إلى الصلاة، وهي تتقدم الصلاة، ولا تكفي النية وحدها للدخول في الصلاة، ولو كانت النية من ماهية الصلاة لكان المصلي يشرع بالصلاة بمجرد نيتها، ويحرم عليه ما يحرم على المصلي، والإجماع أن المصلي لا يشرع بالصلاة إلا بتكبيرة الإحرام.
والنية ملحقة بالشروط، وشروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود
_________________
(١) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٧).
[ ١٨ / ٤٠٥ ]
الصلاة ولا عدمها، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة.
الدليل الثاني:
أمر الله ﷾ بالصلاة حال القتال، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فإذا أمر بالصلاة مع الخوف وحال شدة القتال، وقد لا يستطيع معه المجاهد الأذكار القولية، ولا يتمكن من الإيماء بأفعالها، فلا يبقى له من صلاته إلا نية الصلاة، فكذلك هنا.
قال القرطبي: «إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه» (^١).
ويجاب:
لم تسقط الصلاة حال الخوف لقدرة المجاهد على الإيماء؛ لأن الجهاد إذا لم يمنع المجاهد من الحركة لم يمنعه من الإيماء؛ لأنه من جملة الحركات التي يقدر عليها المجاهد حال الكر والفر.
ولو فرض أن المجاهد لا يقدر على الأفعال والأقوال لم يصل بالنية وحدها بل يؤخر الصلاة إلى حين تضع الحرب أوزارها، ودليله حديث أنس في فتح تُسْتَر، فإن الصحابة أخَّروا صلاةَ الفَجر عن وقتها إلى الضُّحى حتى فَتَح اللَّهُ عليهم.
وعليه يُحمل تأخير النَّبيِّ الصلاة عن وقتها يوم الخندق الصلاةَ؛ فإنَّ النبيَّ قال: شَغلونا عن الصَّلاة الوسطى، فلم يستطع أن يصلِّيَها في وقتها.
وغزوة الخندق كانت في السَّنةِ الخامسة، وغزوة ذات الرِّقاع كانت في السَّنة الرَّابعة على المشهور، وقد صلَّى فيها صلاة الخوف، فتبيَّن أنَّه أخَّرها في الخندق لشدَّة الخوف.
دليل من قال: يتخير بين الإيماء بالطرف مع النية بالقلب أو الصلاة بقلبه:
المصلي مخير إن شاء أومأ بطرفه ونوى بقلبه؛ لأن نية القلب لا بد منها؛ لأن به يتميز الركوع من السجود، والقيام من القعود، وإن شاء اقتصر على الصلاة بقلبه؛
_________________
(١) الجامع لأحكام القرطبي (٣/ ٢٢٥).
[ ١٨ / ٤٠٦ ]
ولم يلزمه الإيماء بطرفه، قال ابن مفلح: «وهو متجه لعدم ثبوته» (^١).
فلما كان الواجب هو الصلاة بالقلب، كان الإيماء بالطرف إن شاء المصلي فعله وإن شاء تركه.
الراجح:
إذا كان المصلي لا يلزمه الإيماء بطرفه؛ لعدم ثبوته، لم يلزمه الصلاة بقلبه؛ لأن النية ليست من ماهية الصلاة، بل من شروطها، والشروط تتقدم عليها، والله أعلم.
_________________
(١) الفروع (٣/ ٧٠).
[ ١٨ / ٤٠٧ ]