المدخل إلى المسألة:
لا يختلف الفقهاء في أن المريض العاجز عن الركوع والسجود يومئ بهما، وإنما الخلاف في صفة الإيماء، فالجمهور: الإيماء بالرأس والظهر معًا، وقال الحنفية: بالرأس وحده، ولا يلزمه الإيماء بالظهر.
من أومأ بظهره فقد أومأ برأسه، وإنما الخلاف هل يلزمه الانحناء بظهره؟
لا يصح حديث مرفوع في صفة إيماء المريض، أهو بالرأس وحده، أم هو بالرأس والظهر معًا؟
الآثار عن الصحابة في صفة الإيماء في صلاة المريض مختلفة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخر.
صح الإيماء بالرأس وحده في صلاة الراكب المتنفل في السنة المرفوعة.
إذا ثبت أن الإيماء بالرأس من هيئة صلاة النافلة على الراحلة مع القدرة، فيصح أن يكون الإيماء من هيئة الصلاة المفروضة مع حال العجز من باب أولى.
لما جاز التربع في النافلة إذا صلى جالسًا مع القدرة، كان التربع صفة في صلاة المريض إذا صلى جالسًا مع العذر في أصح أقوال أهل العلم.
إذا كان السجود مختصًّا بالوجه، وتعذر سجوده على الأرض اختص الإيماء بالرأس لمكان الوجه منه، ولم يلزمه أن يحني ظهره؛ لأنه ليس من مواضع السجود.
يقابل هذا:
عمدة القائلين بالإيماء بالرأس وحده القياس: قياس الفرض على النفل، والمريض على القادر، والمفترض على الأرض بالمتنفل الراكب.
قد يكون التخفيف في الإيماء بالرأس وحده في النفل مختصًّا بوضعية الراكب على الدابة، ويتوسع في النفل ما لا يتوسع في الفرض، ويخفف على الراكب ما لا يخفف على
[ ١٨ / ٣٦٥ ]
غيره، ولذا يسقط الاستقبال على المتنفل الراكب، ولا يسقط عنه إذا كان على الأرض.
الفقهاء متفقون على أن القيام لا يجب في النفل، ويختلفون في صحة الإيماء بالسجود من المتنفل القادر إذا كان على الأرض قياسًا على سقوط القيام.
الجمهور خلافًا للشافعية يمنعون من التنفل مضطجعًا من قادر على الجلوس، وإن صحت الفريضة مضطجعًا مع العذر؛ لأن الاضطجاع ليس من هيئة الصلاة بخلاف الجلوس.
قال ابن رشد الجد: لم يعلم أن رسول الله ﷺ ولا أحدًا من سلف الأمة ترك السجود في صلاة النافلة مع القدرة عليه كما ترك القيام فيها مع القدرة عليه.
الركوع والسجود أركان مقصودة في الصلاة بلا خلاف، واختُلِفَ في الحركة بينهما.
من يرى الإيماء بالرأس وحده يرى أن الحركة بين الركوع والسجود، ليست فريضة مقصودة في نفسها، بل وسيلة للوصول إلى الركن، فلا يلزمه الانحناء، وأن الإيماء بالرأس بدل عن الركوع والسجود.
من يرى الإيماء بالظهر يرى أن الإيماء بالركوع بعض الركوع، والإيماء بالسجود بعض السجود، وإذا عجز عن الركوع الكامل والسجود الكامل أتى بما يستطيع منهما، وسقط عنه ما عجز عنهما؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
على القول بأن الحركة بين الركوع والسجود وسيلة فإنه إذا قام مقام الركوع والسجود أصبح مقصودًا؛ لأنه ناب عن ركن مقصود.
يشرع أن يكون الإيماء بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع تفريقًا بينهما.
الاحتياط للصلاة أن يكون الإيماء بالرأس والظهر معًا، وهو قول الجمهور، وإذا أومأ برأسه وحده لم يجزم المفتي ببطلان صلاته، ولا تكليفه بالإعادة، والله أعلم.
اختلف الفقهاء في القدر المجزئ في الإيماء:
فقال الحنفية: إذا أومأ برأسه شيئًا جاز (^١).
_________________
(١) الأصل للشيباني (١/ ١٩١)، مختصر القدوري (ص: ٣٦)، شرح مشكلات القدوري (١/ ٢٥٧)، المبسوط (١/ ٢١٨)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٨)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، البحر الرائق (٢/ ١٢٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٩٠).
[ ١٨ / ٣٦٦ ]
قال القدوري في مختصره: «فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماءً برأسه، وجعل السجود أخفضَ من الركوع» (^١).
وجاء في البحر الرائق نقلًا عن شمس الأئمة الحلواني: «المومي إذا خفض رأسه للركوع شيئًا ثم للسجود جاز» (^٢).
وقال في تحفة الفقهاء: «الصلاة في حقه بالإيماء وذلك بتحريك الرأس والوجه» (^٣).
وقال الكاساني: «الإيماء: هو تحريك الرأس» (^٤).
وقال ابن عابدين: «(قوله أومأ) حقيقة الإيماء طأطأة الرأس، وروي مجرد تحريكها» (^٥).
وجاء في كتب الحنفية: «ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض بأقصى ما يمكنه» (^٦).
وقوله: (لا يلزمه): نفي للوجوب، ولا يستلزم نفي الجواز، وقد قالوا فيما لو رفعت له وسادة فسجد عليها صح سجوده مع الكراهة إن كان معه إيماء، ومن باب أولى لو كانت الوسادة على الأرض فسجد عليها، فهذا فيه انحناء مع الإيماء، فهذا مثله (^٧).
وقال الجمهور: يحني رأسه وظهره، وبه قال ابن حزم (^٨).
وهل يجب أن يحني رأسه وظهره ما أمكنه؟ قولان:
أحدهما: يجب أن يومئ ببدنه ما أمكنه، ويجعل إيماء السجود أخفض من الركوع،
_________________
(١) مختصر القدوري (ص: ٣٦).
(٢) البحر الرائق (٢/ ١٢٢).
(٣) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٠).
(٤) بدائع الصنائع (١/ ١٠٦).
(٥) حاشية ابن عابدين (٣/ ٩٨).
(٦) البحر الرائق (٢/ ١٢٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٨).
(٧) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٠٨).
(٨) جاء في المهذب للشيرازي (١/ ١٩١): «فإن لم يمكنه أن يركع أو يسجد أومأ إليهما، وقرب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته». وجاء في المغني (٢/ ١٠٩): «وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته». وقال ابن حزم في المحلى، مسألة: (٣٧٠): «من عجز عن الركوع أو عن السجود خفض لذلك قدر طاقته فمن لم يقدر على أكثر من الإيماء أومأ». وانظر بقية الإحالات للجمهور في الحاشيتين التاليتين.
[ ١٨ / ٣٦٧ ]
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجحه ابن بشير، ومال إليه خليل من المالكية، ونسبه القرافي للإمام مالك في الذخيرة (^١).
وقيل: لا يجب فيه الوسع، بل يجزئ ما يكون إيماء مع القدرة على أكثر منه، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وبه قال المازري (^٢).
جاء في المدونة: قلت لابن القاسم: كيف الإيماء بالرأس دون الظهر؟
قال: بل يومئ بظهره وبرأسه. قلت: هو قول مالك؟ قال: نعم» (^٣).
وجاء في جواهر الدرر: «واختلف هل يوجب فيه -أي: في الإيماء- الوسع، أي: انتهاء ما يطيقه من الانحطاط، حتى لو قصر عنه بطلت صلاته، وهو تأويل اللخمي، أو لا يجب فيه الوسع، بل يجزئ ما يكون إيماء مع القدرة على أكثر منه؟ تأويلان» (^٤).
وقال النووي: «فإن عجز عن الركوع والسجود على ما ذكرنا أتى بالممكن وقرب جبهته قدر طاقته، فإن عجز عن خفضها أومأ» (^٥).
وجاء في الفروع: «ويلزمه الإيماء بركوعه وسجوده ما أمكنه، نص عليه (و) -أي: وفاقًا للأئمة- وقال أبو المعالي: وأقل ركوعه مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة» (^٦).
وجاء في كشاف القناع: «وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه» (^٧).
سبب الخلاف:
اختلافهم في الحركة بين الأركان، أهي فريضة مقصودة في نفسها، أم هي
_________________
(١) قال خليل في التوضيح (١/ ٣٥٢): «والأقرب في الإيماء أن يكون إلى الوسع؛ لأنه أقرب إلى الأصل، وهو ظاهر مختصر ابن شعبان». وانظر: الذخيرة (٢/ ١٨٨)، المدونة (١/ ١٧٢)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٥٣)، الفروع (٣/ المبدع (٢/ ١٠٩)، منتهى الإرادات (٢/ ٤١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٤).
(٢) شرح التلقين (٢/ ٨٦٧)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٢).
(٣) المدونة (١/ ١٧٢).
(٤) جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ١٦٣).
(٥) المجموع (٤/ ٣١١).
(٦) الفروع (٣/ ٦٨)، وقول ابن مفلح (وفاقًا للأئمة) الصواب: خلافًا للحنفية.
(٧) كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٥٥).
[ ١٨ / ٣٦٨ ]
وسيلة، والمقصود هو الركوع والسجود؟
وفي الإيماء: أهو بدل عن الركوع والسجود، أم هو جزء منهما، فعليه أن يأتي المومئ بما قدر عليه منه، ويسقط ما عجز عنه؟
فمن قال: إن الحركة بين الأركان مقصودة في نفسها كان المأمور به في الإيماء نهاية ما يقدر عليه منه؛ لأن الإيماء ليس بدلًا عن الركوع والسجود، وإنما السجود والحركة إليه كفرضٍ واحدٍ، عجز عن بعضه، وقدر على بعض، فيجب ألا يُتْرَك شيء من المقدور عليه لأجل المعجوز عنه؛ لذا وجب عليه أن يأتي من الإيماء ما يطيقه؛ ولأنه أقرب للأصل.
وفرع بعضهم على هذا: أنه إذا أومأ بالسجود فعليه أن يضع يديه على الأرض؛ لأنه جزء من السجود المقدور عليه، وقد بحثت هذه المسألة في مسألة مستقلة.
ومن قال: إن الحركة بين الأركان وسيلة، وليست مقصودة في نفسها يرى أن الإيماء بدل عن الركوع والسجود، وأنه لا يؤمر أن يبلغ بالإيماء إلى نهاية ما يقدر عليه، فيكفي منه الإيماء بالرأس ولو قدر على أكثر من ذلك.
وإذا أومأ بالسجود فلا يلزمه أن يضع يديه على الأرض؛ لأن اليدين إنما يسجدان تبعًا لسجود الوجه.
وإذا حنى ظهره يخشى أن يكون قد خالف فرضه، فلم يأت بالسجود، ولا ببدله وهو الإيماء بالرأس، فصار كمن سجد بدلًا عن الركوع، فإنه لا يعتد بذلك، وإن كان قد زاد على مقدار الركوع.
وإن كان لا يسلم القول بأن من حنى ظهره لم يأت بالإيماء، وأنه بمنزلة من سجد بدلًا عن الركوع، لأنه غاية ما فيه أنه بالغ في ركوعه عن المقدار المشروع، فهو إيماء بالرأس وزيادة خاصة أنني لم أقف على قول يقول: إذا حنى ظهره مع رأسه فسدت صلاته.
إذا عرفت سبب الخلاف نأتي لاستكمال الأدلة.
دليل الحنفية أنه يجزئ الإيماء بالرأس:
الدليل الأول:
روى البزار، قال: حدثنا محمد بن معمر، ومحمد بن مرداس، قالا: ثنا أبو بكر
[ ١٨ / ٣٦٩ ]
الحنفي، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير،
عن جابر: أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها، فأخذ عودًا يصلي عليه، فرمى به، وقال: إن أطقت الأرض وإلا فَأَوْمِئْ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك (^١).
_________________
(١) مختصر زوائد مسند البزار (٤٠٤)، ومن طريق أبي بكر الحنفي رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٤)، وفي معرفة السنن (٣/ ٢٢٤). وقد أُعِلَّ بأكثر من علة، من ذلك: العلة الأولى: تفردُ أبي بكر الحنفي، عن الثوري. وهو وإن كان ثقة إلا أن تفرده بهذا دون أصحاب الثوري يجعل تفرده غير مقبول. قال البزار: لا نعلم رواه أحد عن الثوري إلا الحنفي. وقال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٤٣٤): «هذا الحديث يُعد في أفراد أبى بكر الحنفى عن الثوري». وأجيب: بأن أبا بكر الحنفي ثقة، ولم يتفرد به عن الثوري، فقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وهو صدوق. فقد رواه أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأَطْرَابُلُسِيُّ كما في جزء من حديثه (١٠)، ويحيى بن أبي طالب كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣٠٦) كلاهما عن عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادةٍ، فأخذها فرمى بها، ثم ذكر بمثله؛ إلا أنَّه قال: صلِّ بالأرض إن استطعت. كما تابعه أبو أسامة حماد بن أسامة، فيما ذكر ذلك في علل ابن أبي حاتم (٣٠٧). ورد هذا: أما متابعة عبد الوهاب فلا يعرف بالرواية عن الثوري، ولم يصلنا من حديثه عن الثوري إلا هذه الرواية، وأخشى أن تكون هذه الرواية خطأ؛ فإن البيهقي والبزار قد صرحوا بتفرد أبي بكر الحنفي، عن الثوري، وعدَّه أبو حاتم الرازي خطأ كما سيأتي. ويحيى بن أبي طالب الراوي عن عبد الوهاب الخفاف متكلم فيه، لكنه لم يتفرد به، حيث تابعه الثقة محدث الشام خيثمة بن سليمان. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٢). وأما متابعة أبي أسامة، فقد قيل لأبي حاتم في العلل لابنه (٣٠٧): «فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعا؟ فقال: ليس بشيء. هو موقوف». العلة الثانية: المخالفة، فقد أشار أبو حاتم أن غير أبي بكر يرويه عن جابر موقوفًا. قال ابن أبي حاتم في العلل (٣٠٧): «سئل أبي عن حديث رواه أبو بكر الحنفي، عن الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ دخل على مريض، وهو يصلي على وسادة؟ =
[ ١٨ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال: هذا خطأ؛ إنما هو عن جابر قوله؛ أنه دخل على مريض». وقد رواه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٩) من طريق زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: من كان مريضًا فصلى قاعدًا فليسجد على الأرض، فإن لم يستطع فليوم برأسه، ولا يسجد على عود. اه موقوف. وقد أعله الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٩) بعنعنة أبي الزبير، وليست هذه العلة بشيء على التحقيق، أولًا: لأن أبا الزبير لم يثبت تدليسه من أهل عصره، وقد تكلم شعبة في أبي الزبير حتى انتقد صلاته، ولم يتهمه بالتدليس مع ما يعرف من تشدد شعبة في التدليس. ولو ثبت فالعنعنة ليست علة في أحد القولين عند أئمة الحديث حتى يثبت أن هذا الحديث قد دلسه، ولا يعرف ذلك إلا إذا ثبت في حديث بعينه أنه لم يسمعه منه، إما بجمع الطرق أو بتصريح إمام من أئمة الحديث، والله أعلم. يقول ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٣٥): «إذا كان ثقة يختلف في قبول معنعنه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، فإنه إذا قال ذلك قبل إجماعًا؛ لثقته، وإذا لم يقل ذلك قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنه سمعه». والأول أصح؛ لأن الرواة يتصرفون في الصيغ؛ بدليل أنك ترى أحاديث رواها شعبة عن الأعمش، أو عن أبي إسحاق، أو عن قتادة بالعنعنة مع تصريح شعبة بأنه لم يرو عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، والله أعلم. وأشار الذهبي في اختصار سنن البيهقي إلى تجنب كتب الأمهات بإخراجه في كتبهم، فقال (٢/ ٧٤٥): ما خرجوه. وقال ابن القيم في بدائع الفوائد، ط: عطاءات العلم (٣/ ١١٥٥): «فهؤلاء ثلاثة رفعوه: أبو أسامة وعبد الوهاب بن عطاء وأبو بكر الحنفي: فأما أبو أسامة فالعلم المشهور. وأما أبو بكر الحنفي فمن رجال الصحيحين، ووثقه أحمد. وأما عبد الوهاب بن عطاء فاحتج به مسلم. والظاهر أن الحديث موقوف، كما ذكره ابن أبي حاتم على أبيه، والله أعلم». وروي حديث جابر من طريق آخر، رواه أبو يعلى في مسنده (١٨١١) من طريق حفص بن أبي داود، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: عاد رسول الله ﷺ مريضًا وأنا معه فرآه يصلي ويسجد على وسادة فنهاه، وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومئ إيماء، واجعل السجود أخفض من الركوع. وإسناده ضعيف جدًّا. فيه حفص بن أبي داود: هو حفص بن سليمان إمام في القراءات، وفي الحديث متروك. وابن أبي ليلى سيئ الحفظ، والله أعلم.
[ ١٨ / ٣٧١ ]
ويجاب:
بأن الحديث ضعيف، هذا من جهة الثبوت.
ومن جهة الدلالة: فالإيماء مطلق، لم يقيد بالرأس، والأصل السجود مع القدرة أو الإيماء بالسجود، وليس الإيماء بالرأس، وهذا لا يكون إلا مع الانحناء.
الدليل الثاني:
روى الطبراني في الأوسط من طريق سريج بن يونس، حدثنا قران بن تمام، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: من استطاع منكم أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئًا ليسجد عليه، ولكن ركوعه وسجوده يومئ برأسه (^١).
[تفرد به قران، وخالفه غيره، فرفعه شاذ] (^٢).
_________________
(١) المعجم الأوسط (٧٠٨٩).
(٢) تفرد برفعه قران بن تمام عن عبيد الله بن عمر، وأين أصحاب عبيد الله، ولم يصل لنا من أحاديث قران عن عبيد الله إلا أربعة أحاديث. وقران: وثقه يحيى بن معين، وقال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ لين. الجرح والتعديل (٧/ ١٤٤)، تاريخ ابن معين رواية الدوري (٣٠٩٦). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: قران بن تمام؟ فقال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٤٦)، وقال: يخطئ. قال البخاري: قال ابن حُجْر: مَعْروفٌ، يوَثَّق. التاريخ الكبير (٧/ ٢٠٣). وذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (٦/ ٣٩٩)، وقال: كانت عنده أحاديث، ومنهم من يستضعفه. قلت: فيه ثلاث علل: إحداها: تفرد قران بن تمام بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر. قال البزار: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا قران بن تمام، تفرد به سريج بن يونس. العلة الثانية: مخالفته لمالك وأيوب فقد روياه عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ، كما سيأتي تخريجه فيما بقي من الأدلة. العلة الثالثة: أن هذا الحديث من أفراد الطبراني، وما يتفرد به الطبراني في معاجمه حتى ولو كان ظاهره الصحة، إذا تفرد به وكان غريب الإسناد، فهو من المنكرات التي لا يمكن الاعتماد عليها. قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٦٢٤): «قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال =
[ ١٨ / ٣٧٢ ]
الدليل الثالث:
ثبت أن الإيماء بالرأس من هيئة صلاة النافلة على الراحلة مع القدرة، فيصح أن يكون الإيماء من هيئة الصلاة المفروضة مع حال العجز من باب أولى.
_________________
(١) = بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسلافنا الماضين. قال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حق. ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني: وهي مجمع الغرائب والمناكير». قال المعلمي كما في النكت الجياد (٤/ ١٣٧): «إنما قصدوا جمع غرائب الأحاديث، وأوهام الرواة، وراموا جمع ما لم يكن مخرجًا في كتب الصِّحاحِ والأُصُولِ المعروفة، وإنما كانت تلك الأحاديث متداولةً على ألسنةِ من لم يَكْتُبْ حديثَه المحدثون، فهجروها عمدًا ولم يخرجوها في كتبهم وقد أضلَّ هذا القسمُ قومًا مِمَّنْ لم يتدبروا ما سلف من مناهج الأئمة والمصنِّفين، فاغْترُّوا بكثرة الطُّرقِ الواردةِ في تلك المصنفاتِ، وحسِبُوا أنهم وقفوا على ما لم يقفْ عليه المتقدمون، فسمُّوا تلك الطرق (متابعاتٍ وشواهد) فجعلوا الغرائب والمناكير عواضِد يشدُّون بها ما اسْتقرَّ أهلُ النَّقْدِ على طرْحِهِ ووهنِهِ، ولم يفْطِنْ هؤلاءِ القومُ إلى أن عُصُور الرواية قد انقضتْ وتلك الأحاديثُ في عُيون النقاد غريبةٌ منكرةٌ مهجورةٌ، فلم ينصفْ هؤلاءِ أسلافهم ولم يقدرُوهم قدرهم، بل دلَّ صنيعهم على اعتقاد أنهم قصَّرُوا في تحصيلِ تِلْك الطرق، ولم يفطنوا إلى منهج أولئك المصنِّفين في أنهم ما أخرجوا تلك الطرق للاحتجاج ولا للاعتبار». وله طريق آخر عن ابن عمر إلا أنه شديد الضعف، رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٩) ح ١٣٠٨٢، من طريق حفص بن سليمان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ابن عمر، قال: عاد رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه مريضًا، وأنا معه فدخل عليه، وهو يصلي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العود، وأخذ وسادةً، فقال رسول الله ﷺ: دعها عنك؛ إن استطعت أن تسجد على الأرض؛ وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك. وعلته حفص بن سليمان، وقد سبق الكلام عليه، فمرة يرويه من مسند جابر، ومرة من مسند ابن عمر.
[ ١٨ / ٣٧٣ ]
ولهذا لما جاز التربع في النافلة إذا صلى جالسًا مع القدرة، كان التربع صفة في صلاة المريض إذا صلى جالسًا مع العذر في أصح أقوال أهل العلم.
روى البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله (^١).
وروى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة،
أن عامر بن ربيعة أخبره قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة (^٢).
وروى مسلم من طريق زهير، عن أبي الزبير،
عن جابر، قال: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته، وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا -وأومأ زهير بيده- ثم كلمته فقال لي هكذا -فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض- وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلتَ في الذي أرسلْتُك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي (^٣).
فبين في هذه الأحاديث أن الإيماء كان بالرأس وحده، ولو كان يشترط له أن يحني ظهره ما استطاع لذكروه.
وفي رواية أخرى لحديث جابر عند الإمام مسلم بين فيه أن إيماءه للسجود
_________________
(١) صحيح البخاري (١١٠٥).
(٢) صحيح البخاري (١٠٩٧). ورواه البخاري (١٠٩٣) من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: «رأيت النبي ﷺ على راحلته حيث توجهت به. ولم يذكر الإيماء برأسه. ورواه البخاري (١١٠٤)، ومسلم (٤٠ - ٧٠١) من طريق يونس، عن ابن شهاب به، ولفظه: أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به. اه ولم يذكر الإيماء بالرأس.
(٣) صحيح مسلم (٥٤٠).
[ ١٨ / ٣٧٤ ]
أخفض من إيمائه للركوع.
فقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، فجئت وهو يصلي نحو المشرق، ويومئ برأسه إيماء على راحلته، السجود أخفض من الركوع … الحديث (^١).
وقد فعل ذلك الصحابة من بعده مما يقطع به أن الحكم غير منسوخ، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر المرفوع عند البخاري حيث قال: وكان ابن عمر يفعله.
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حميد عن حسن، عن عاصم،
عن أبي عثمان، أن أبا ذر كان يصلي على راحلته وهو قبل المشرق وهو يخفق برأسه. فقيل له: كنت نائمًا؟ قال: لا، ولكن كنت أصلي.
[صحيح] (^٢).
وإنما يشبه النائم إذا كان يومي برأسه.
ويجاب:
تخريج الإيماء بالرأس على إيماء المتنفل الراكب فيه ما فيه:
لأنه من باب قياس الفرض على النفل، ولا يقاس الأعلى على الأدنى.
ومن قياس المريض على القادر، وبينهما فرق.
ومن قياس المفترض وهو على الأرض بالمتنفل الراكب، فقد يكون التخفيف في الإيماء بالرأس وحده في النفل مختصًّا بوضعية الراكب على الدابة، ويتوسع في النفل ما لا يتوسع في الفرض، ويخفف على الراكب ما لا يخفف على غيره، ولذا يسقط الاستقبال على المتنفل الراكب، ولا يسقط عنه إذا كان على الأرض.
وقد اختار بعض الفقهاء بأنه لا يومي المتنفل بالسجود إذا صلى جالسًا من غير علة، ويعلل بأن ترك القيام من الرخص التي لا يقاس عليها.
ويمنع الجمهور خلافًا للشافعية التنفل مضطجعًا من القادر على الجلوس، وإن صحت
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٦٥٥).
(٢) المصنف (٨٥١٠).
[ ١٨ / ٣٧٥ ]
الفريضة من المضطجع المعذور؛ لأن الاضطجاع ليس من هيئة الصلاة خلافًا للجلوس (^١).
جاء في البيان والتحصيل: «قال عيسى -يعني: أبا محمد بن دينار القرطبي-: لا يومئ من غير علة ولا عذر في نافلة ولا مكتوبة» (^٢).
وقال ابن رشد: «لم يعلم أن رسول الله ﷺ ولا أحدًا من سلف الأمة ترك السجود في صلاة النافلة مع القدرة عليه كما ترك القيام فيها مع القدرة عليه» (^٣).
وكلام ابن رشد يتكلم عن فعل السلف فالمصلي لا يدع السجود على الأرض مع القدرة عليه في النفل، لسهولة القيام به ولعظم ثوابه، ولا يلزم من ذلك عدم الصحة لو أنه أومأ بالسجود.
وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجلس متربعًا في الفريضة من غير عذر قياسًا على صحة التربع في النافلة إذا جلس في موضع القيام في أصح أقوال
_________________
(١) قال إمام الحرمين في نهاية المطلب (٢/ ٧٢): «ولو تنفّل الرجل مضطجعًا -مع القدرة- وكان يومئ بالركوع والسجود، فظاهر المذهب المنع؛ فإنّ جواز ترك القيام في حكم الرخصة التي لا يُقاس عليها». وذكر المرداوي في الإنصاف (٢/ ١٨٨، ١٨٩) أن الصحيح من المذهب أن التطوع مضطجعًا من غير عذر لا يصح، وجوزه طائفة قليلة، قال شيخ الإسلام: وهو قول شاذ، لا يعرف له أصل في السلف … فعلى القول بالصحة: هل يومئ، أو يسجد؟ على وجهين، وأطلقهما في الرعاية الكبرى، الفائق، والفروع، وابن تميم، والحواشي، والنكت. وصوب في تصحيح الفروع (٢/ ٤٠٠): أنه يسجد. أي: ولا يومئ. وانظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٥٣٤). وجاء في الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٣٣): «وقال ابن حبيب في المتنفل: له أن يومئ بالسجود من غير علة، كما له أن يقعد في القيام من غير علة». وانظر: النوادر والزيادات (١/ ٢٦٠)، التبصرة للخمي (١/ ٣١٠)، شرح التلقين (٢/ ٨١٩). وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٧٦): «ولو تنفل مضطجعًا بالإيماء بالرأس مع قدرته على القيام والقعود فوجهان: أحدهما: لا تصح صلاته؛ لأنه يذهب صورتها بغير عذر، وهذا أرجحهما عند إمام الحرمين. والثاني: وهو الصحيح صحتها؛ لحديث عمران».
(٢) البيان والتحصيل (١/ ٥١٥).
(٣) البيان والتحصيل (١/ ٥١٦).
[ ١٨ / ٣٧٦ ]
أهل العلم، واحتج بنهي ابن عمر وابن مسعود عن التربع، وسبق بحثها.
قال ابن عبد البر: «وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في كل حال في الصلاة بإجماع من العلماء» (^١).
قال ابن حجر تعليقًا على كلام ابن عبد البر: «المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة» (^٢).
وليس هذا موضع بحثها، المهم أن تخريج الإيماء بالرأس بالفريضة على صحة الإيماء به للمتنفل الراكب فيه ما فيه.
الدليل الرابع: من الآثار.
(ث-) فقد روى مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا لم يستطع المريض السجود، أومأ برأسه إيماء، ولم يرفع إلى جبهته شيئًا.
[صحيح] (^٣).
ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر (^٤).
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر قال: إذا كان المريض لا يستطيع ركوعًا ولا سجودًا أومأ برأسه
_________________
(١) التمهيد، ت: بشار (١٢/ ٢٢٩).
(٢) فتح الباري (٢/ ٣٠٦). وأكثر من تعرض لهذه المسألة الحنفية فقد نصوا عليها في مختصراتهم، وهم قد صرحوا بالكراهة، ويراد بها كراهة التنزيه؛ على قواعدهم: أن كل مكروه لا نص فيه فكراهته تنزيهية، فإن كان فيه نص، وكان قطعيًا فمن قسم المحرم، وإن كان ظنيًّا فمكروه كراهة تحريمية. جاء في البحر الرائق (٢/ ٢٥) ضمن ذكر المكروهات: «(قوله والتربع بلا عذر)؛ لأن فيه ترك سنة القعود في الصلاة، كذا علل في الهداية وغيرها. وما قيل في وجه الكراهة: أنه جلوس الجبابرة ليس بصحيح؛ لأنه ﵇ كان جل قعوده في غير الصلاة مع أصحابه التربع وكذا عمر ﵁ كذا ذكره المصنف وغيره وتعليلهم بأن فيه ترك السنة يفيد أنه مكروه تنزيها إذ ليس فيه نهي خاص ليكون فيه تحريمًا».
(٣) الموطأ (١/ ١٦٨)، ومن طريق مالك رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٥).
(٤) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٢٧٢) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا كان المريض لا يقدر على الركوع أومأ برأسه. وسنده صحيح.
[ ١٨ / ٣٧٧ ]
في الركوع والسجود وهو يكبر.
[صحيح] (^١).
وروى ابن المنذر من طريق زهير، عن أبي الزبير،
عن جابر، قال: من كان مريضًا فصلى قاعدًا فليسجد على الأرض، فإن لم يستطع فليوم برأسه، ولا يسجد على عود.
[صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح، وسبق تخريجه في الصفحة السابقة] (^٢).
ونوقش هذا:
بأن من شرط الاحتجاج بقول الصحابي ألا يخالفه صحابي آخر، وقد ورد السجود بالانحناء عن بعض الصحابة كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.
الدليل الخامس:
كل موضع ذكر فيه السجود في الشرع، فإنما خص الوجه بالذكر دليل على أن سجود الوجه هو المقصود.
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وجاء في مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁: (… وإذا سجد، قال: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين ). الحديث (^٣).
ولم يَأْتِ قط، سجد ظهري ولا قدمي ولا ركبتي، ولم يذكر انحناء الظهر من أعضاء السجود، وإنما الظهر انحنى تبعًا لسجود الوجه. ولأن الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا، فتعلق التسمية بسجود الوجه دليل على أنه هو المقصود بالسجود.
_________________
(١) المصنف، ط: التأصيل (٤٢٧١).
(٢) الأوسط (٤/ ٣٧٩).
(٣) مسلم (٢٠١ - ٧٧١).
[ ١٨ / ٣٧٨ ]
وإذا كان السجود مختصًّا بالوجه، وتعذر سجوده على الأرض اختص الإيماء بالرأس لمكان الوجه منه، ولم يلزمه الانحناء، ولا وضع يديه على الأرض.
الدليل السادس: من النظر:
الفرق بين الإيماء والركوع، أن الأول إيماء بالرأس، والثاني: انحناء بالظهر، فإذا قلنا: إذا عجز عن الركوع أومأ به قائمًا، فإذا اشترط مع الإيماء أن يحني ظهره فقد تحقق ركوعه، وهذا يجزيه ولو لم يكن مريضًا، فدل ذلك على أنه يجزيه أن يومئ برأسه.
قال ابن عابدين: «إن كان ركوعه بمجرد إيماء الرأس من غير انحناء وميل الظهر فهذا إيماء لا ركوع، فلا يعتبر السجود بعد الإيماء مطلقًا، وإن كان مع الانحناء كان ركوعًا معتبرًا حتى إنه يصح من المتطوع القادر» (^١).
ويجاب:
بأن المقصود إذا حنى ظهره قدرًا لا يصدق عليه أنه ركوع، فأما إذا بلغ بالانحناء أقل الركوع فهذا لا يقال: إنه عجز عن الركوع، وهب أن هذا الاعتراض يصدق على الركوع، فلا يصدق على الإيماء بالسجود، فما لم يضع وجهه على الأرض لا يكون ساجدًا إلا أن يكو عاجزًا.
دليل من قال: يومي ببدنه قدر استطاعته:
الدليل الأول:
روى البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته (^٢).
فالإيماء: هو الإشارة، وقوله: يومئ: أي يشير. وقوله: إيماء: مصدر مؤكد لعامله.
يقال: أومأ إلى السماء: أي أشار إليه (^٣).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٨).
(٢) صحيح البخاري (١٠٠٠).
(٣) الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (٣/ ٧٨٦).
[ ١٨ / ٣٧٩ ]
وجاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: «أومأ له: أشار إليه بيده أو بعينه أو بحاجبه أو برأسه أو غيرها، كدلالة على الموافقة أو المعرفة.
ترى النَّاسَ ما سرنا يسيرونَ خلفنا وإن نحن أومأنا إلى النَّاس وقّفوا» (^١).
وجاء في تحرير ألفاظ التنبيه: «الْإِيمَاء الْإِشَارَة، وهو مهموز. يُقَال: أَوْمَأ يومئ إِيمَاء فهو مومئ» (^٢).
فإذا قيل: يومئ إيماء: أي يشير بالركوع إشارة، ومثله السجود، وليس يشير برأسه.
وتعقب:
بأن المطلق في هذه الرواية محمول على المقيد منها، وقد سبق في أدلة القول الأول ذكر الرواية المقيدة بالإيماء بالرأس من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله ﵃ أجمعين.
الدليل الثاني:
روى ابن المنذر، قال: حدثنا موسى بن هارون حدثنا محرز بن عون، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم بن سليمان، عن محمد بن سيرين،
عن أنس ﵁، أنه كان إذا اشتكى سجد على مرفَقَة.
[حسن].
وروى حرب الكرماني، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة،
سمع أم الحسن بن أبي الحسن، أنها كانت تَبيت عِنْدَ أم سَلَمَة ﵂، فكانت تَسجُد على مرفَقَة؛ مِنْ وَجَعٍ كان بِعَينها.
[صحيح] (^٣).
وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق،
عن أبي فزارة السلمي، قال: سألت ابن عباس عن المريض يسجد على
_________________
(١) معجم اللغة العربية المعاصرة (٣/ ٢٤٩٨).
(٢) تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٨١).
(٣) مسائل حرب الكرماني، ت: السريع (١٢٦١).
[ ١٨ / ٣٨٠ ]
المرفقة الطاهرة، فقال: لا بأس به.
[أبو فزارة السلمي مجهول] (^١).
والمِرْفَقَة: قال في جمهرة اللغة: «التي يُرْتَفَقُ بها، أي يتكأ عليها» (^٢).
وفي المعجم الوسيط: «المرفقة: مَا يرتفق عَلَيْهِ من متكأ أَوْ مخدة يُقَال توكأ على المرفقة وارتفق عَلَيْهَا» (^٣).
ولا يسجد المريض على المرفقة والوسادة مع قدرته على السجود على الأرض، ولو كان فرضه الإيماء برأسه فقط إذا عجز عن السجود على الأرض لم يسجد على المرفقة، والسجود على المرفقة بمنزلة الانحناء، وليس بمنزلة من سجد على الأرض.
جاء في مسائل حرب الكرماني: «قيل لأحمد: المريض يسجد على الوسادة أو الشيء، أو يومئ؟ قال: كل هذا قد جاء، وإن شاء سجد على شيء، وإن شاء أومأ» (^٤).
وفي تخييره دليل على أن السجود على المرفقة بمنزلة الإيماء، وليس بمنزلة السجود على الأرض، ولهذا قال الإمام أحمد: «ويسجد على المرفقة أحب إلي من أن يومئ برأسه» (^٥).
الدليل الثالث:
ما رواه ابن سعد، قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: رأيت عدي بن حاتم رجلًا طويلًا أعور، حسن الوجه، يصلي في مقدم المسجد يسجد على جدار قدر ارتفاعه من الأرض ذراع.
[صحيح] (^٦).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٢٧٦). وفي إسناده أبو فزراة السلمي، فيه جهالة، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٤٢٣)، وسكت عليه، روى عنه أبو إسحاق، ولم يوثق. لكنه صالح في الشواهد.
(٢) جمهرة اللغة (٢/ ٧٨٤).
(٣) المعجم الوسيط (١/ ٣٦٢).
(٤) مسائل حرب الكرماني (ص: ٥٧٨).
(٥) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٣٢٠).
(٦) ورواه يحيى بن آدم كما في المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣١)، ويحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا بكر بن بكار أبو عمرو، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٦)، كلاهما عن إسرائيل به.
[ ١٨ / ٣٨١ ]
وسجوده على الجدار بمنزلة السجود على المرفقة، والدلالة فيهما واحدة، ولم يكتف بالإيماء بالرأس.
الدليل الرابع:
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم،
عن مسروق قال: دخل عبد الله على أخيه، فرآه يصلي على عود فانتزعه ورمى به، وقال: أومئ إيماء حيث ما يبلغ رأسك (^١).
[صحيح].
وظاهر قوله: (حيث ما يبلغ رأسك) أي: إلى المكان الذي يصل إليه رأسك بالانحناء، وليس بالإشارة بالرأس.
ويجاب:
بأن حرب الكرماني، رواه في مسائله، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: دخل عبد الله على أخيه عُتبةَ يَعودُه، فقال: إن قَدِرتَ أن تَسجُد، وإلا فأَومِ بِرَأسِك (^٢).
وأبو معاوية المقدم في أصحاب الأعمش.
ويرد على هذا:
بأن الراوية الأولى تفسر الرواية الثانية، والمشترك بينهما ذكر الإيماء بالرأس، والله أعلم.
_________________
(١) المصنف (٢٨٣٥).
(٢) مسائل حرب الكرماني، كتاب الطهارة والصلاة، ت: السريع (١٢٦٣). لكن رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٨٢٩)، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: دخل عبد الله، على أخيه عتبة يعوده، فوجده على عود يصلي، فطرحه، وقال: إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، فإن لم تستطع فأومئ إيماء. ولم يقيد الإيماء بالرأس.
[ ١٨ / ٣٨٢ ]
الدليل الخامس:
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال:
دخل ابن عمر على صفوان الطويل وهو يصلي على وسادة فنهاه أن يصلي على حصى أو على وسادة وأمره بالإيماء.
[صحيح] (^١).
وجه الدلالة:
يلزم من السجود على وسادة الانحناء، وقد وقع الإنكار على السجود على وسادة، وأمره بالإيماء، ولم ينكر عليه الانحناء.
الدليل السادس:
الإيماء ليس بدلًا عن الركوع والسجود، فالإيماء للركوع بعض الركوع والإيماء للسجود بعض السجود؛ لأن حقيقة الركوع الانحناء. وحقيقة السجود إمساس الجبهة بالأرض. ولا يمكن ذلك إلا بحركة الرأس والظهر، وهما مفعولان في الحالين في حال القدرة والعجز، وهذا لا يكون بدلًا؛ إذ لا يكون بدل الشيء بعضه، فإذا عجز عن الركوع الكامل والسجود الكامل أتى بما يستطيع منهما، وسقط عنه ما عجز عنهما؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
ورد هذا:
بأن الإيماء بالرأس محفوظ من فعل بعض الصحابة، وهو كافٍ في المشروعية، والله أعلم.
ونوقش هذا:
بأن الآثار عن الصحابة مختلفة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم
_________________
(١) المصنف، ط: التأصيل (٤٢٦٧). ورواه عمرو بن دينار كما في مصنف عبد الرزاق (٤٢٦٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٨٠٧)، والأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٨٠)، عن عطاء به.
[ ١٨ / ٣٨٣ ]
بمجرده حجة، وطلب بمرجح خارج عن قولهما، والله أعلم.
دليل من قال: يستحب أن يومئ طاقته، ولا يجب:
يلزم من كون الإيماء للسجود أخفض منه في الركوع أن يكون إيماؤه للركوع ليس هو نهاية طاقته.
جاء في التوضيح: «أخذ اللخمي والمازري من قوله في المدونة في المصلي قائمًا: يكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه من الركوع أنه ليس عليه نهاية طاقته.
ورده ابن بشير بأنه قال ذلك للفرق، لا لأنه لا يومئ وسعه» (^١). والله أعلم.
الراجح:
إذا كان الإيماء بالرأس صفة غير لازمة عند الحنفية، وأن من حنى ظهره فقد أومأ برأسه، وكان قول الجمهور يدخل فيه قول الحنفية، فالاحتياط للصلاة أن يكون الإيماء بالرأس والظهر معًا، خاصة أن هذا قول الجمهور، ومع ذلك فلو أومأ برأسه وحده لم يجزم المفتي ببطلان صلاته، ولا تكليفه بالإعادة، والله أعلم.
_________________
(١) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٥٢).
[ ١٨ / ٣٨٤ ]
مبحث إذا عجز المصلي عن الصلاة جالسًا
المدخل إلى المسألة:
من لم يقدر من المرضى إلا على الصلاة على صفة واحدة فتجزئه بلا خلاف.
لا يصح في الاستلقاء على الظهر سنة مرفوعة.
قوله ﷺ في حديث عمران: (فإن لم تستطع فعلى جنب). فيه الأمر بهذه الصفة، والجمهور على أنه على وجه الاستحباب، خلافًا للشافعية.
يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذر أشق من الانتقال من القيام إلى القعود؛ لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات، بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد، ولأن القعود أقل كلفة على المريض من القيام.
حديث عمران فيه الأمر بالصلاة قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا، وهاتان الصفتان لا خلاف أنهما على سبيل الوجوب، فما بال الصلاة على جنب تكون على وجه الاستحباب عند جمهور العلماء.
[م-١١٤٢] إذا عجز المصلي عن الصلاة قائمًا وقاعدًا إما لتعذره وإما للحوق مشقة شديدة تذهب بخشوعه، فإن كان لا يستطيع أن يصلي إلا على صفة واحدة صلى حسب استطاعته على تلك الصفة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال النووي: «فأما من لا يقدر إلا على واحدة فتجزئه بلا خلاف» (^١).
وإن قدر أن يصلى مضطجعًا صلى كذلك، وكيف يضطجع؟
فيه خلاف بين الفقهاء:
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٤/ ٣١٧).
[ ١٨ / ٣٨٥ ]
فقيل: يصلي مستلقيًا على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، وهو مذهب الحنفية، ورواه ابن حبيب عن ابن القاسم من المالكية، ووجه في مذهب الشافعية.
وهذه الهيئة عند الحنفية من باب الأفضلية، فلو صلى على جنبه صحت، ومن قال بهذا الوجه من الشافعية فهو على الوجوب؛ لأن من قال عندهم بكيفية رأى أن غيرها لا يجوز (^١).
جاء في تحفة الفقهاء: «المشهور من الروايات عن أصحابنا أنه يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه نحو القبلة» (^٢).
وقيل: يصلي مضطجعًا على جنبه، يومئ بركوعه وسجوده، فإن عجز فمستلقيًا على ظهره، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، على خلاف بينهم في حكمه:
فلو صلى مستلقيًا على ظهره مع القدرة على جنبه،
فقيل: صلاته صحيحة، وهو مذهب المالكية والحنابلة مع الكراهة.
جاء في غاية المنتهى: «فإن عجز أو شق … فعلى جنب، والأيمن أفضل، وتكره على ظهره، ورجلاه للقبلة مع قدرته على جنبه، وإلا تعين على ظهره، ويومئ بركوع وسجود، ويجعله أخفض» (^٣).
وقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الشافعية، وهو رواية عن أحمد (^٤).
_________________
(١) الأصل، ت: الأفغاني (١/ ٢٢٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٦٣٢)، مختصر القدوري (ص: ٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، الهداية في شرح البداية (١/ ٧٧)، المحيط البرهاني (٢/ ١٤١)، المحيط البرهاني (٢/ ١٤٧)، النهاية في شرح الهداية (٤/ ٦)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠١)، فتح القدير (٢/ ٤)، مجمع الأنهر (١/ ١٥٤). وانظر قول المالكية: شرح التلقين (٢/ ٨٦٦)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، وانظر ما حكي وجهًا عند الشافعية: روضة الطالبين (١/ ٢٣٦، ٢٣٧)، المجموع (٤/ ٣١٧).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ١٩٠).
(٣) غاية المنتهى (١/ ٢٢٩).
(٤) جاء في التجريد للقدوري (٢/ ٦٣٢): «وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة رواية أخرى: أنه يصلي على جنبه الأيمن، ويجعل وجهه إلى القبلة». وانظر: المدونة (١/ ١٧١)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٢)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٢٥)، التبصرة (١/ ٣٠٦)، المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٠٦)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤١)، التلقين (١/ ٥١)، الثمر الداني (ص: ٢٠٦)، المعونة (١/ ٢٧٩)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨٥٢)، التنبيه (ص: ٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٦، ٢٣٧)، المجموع (٤/ ٣١٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٥)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٥٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٩)، الإنصاف (٢/ ٣٠٦)، الإقناع (١/ ١٧٦)، المبدع (٢/ ١٠٨، ١٠٩)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٠٩، ٤١٠)، كشاف القناع (٣/ ٢٥٠)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٨).
[ ١٨ / ٣٨٦ ]
والأفضل على جنبه الأيمن، وهو قول الجمهور (^١).
وقيل: يلزمه الصلاة على جنبه الأيمن، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).
ونقل الأثرم: يصلي كيف شاء، وكلاهما جائز، فظاهره التخيير بينهما، أي بين الصلاة على جنبه وبين أن يصلي مستلقيًا، ونص عليه مالك في المدونة (^٣).
جاء في المدونة: «على جنبه، أو على ظهره» (^٤).
وقال المازري: «وتأول عليه أنه لم يُرد التخيير بين هذين. وإنما أراد البداية بالجنب. فإن لم يقدر فعلى الظهر» (^٥).
وقيل: يضطجع على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة برجليه، وهو وجه عند الشافعية (^٦).
هذا تفصيل الأقوال في المسألة، وننتقل منه إلى الأدلة.
دليل من قال: يصلي على جنبه، والأيمن أفضل:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ
_________________
(١) راجع الحاشية السابقة.
(٢) الإنصاف (٢/ ٣٠٦).
(٣) المبدع (٢/ ١٠٩)، الإنصاف (٢/ ٣٠٧).
(٤) المدونة (١/ ١٧١)، التبصرة للخمي (١/ ٣٠٦)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٦).
(٥) شرح التلقين (٢/ ٨٦٦).
(٦) البيان للعمراني (٢/ ٤٤٦).
[ ١٨ / ٣٨٧ ]
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].
(ث-١٠٠٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن جويبر، عن الضحاك،
عن عبد اللَّه أنه بلغه أن قومًا يذكرون اللَّه قياما فأتاهم فقال: ما هذه النكرى؟ قالوا: سمعنا اللَّه يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فقال: إنما هذا إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائمًا صلى قاعدًا.
[ضعيف جدًّا] (^١).
قال البغوي والثعلبي في تفسيريهما: «قال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة، يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب» (^٢).
ويكون معنى قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إذا أردتم القضاء، كما قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وقال ابن حبيب: قال أصبغ في قول الله سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: هو في الخائف والمريض (^٣).
وقد ورد عن السلف ثلاثة أقوال في تفسيره هذه الآية من جهة الوقت:
التفسير الأول:
أن قوله تعالى: فاذكروا الله، يراد به ذكرًا خاصًّا، فأطلق الذكر وأريد به بيان صفة صلاة المريض، فتكون الواو في قوله: قياما وقعودًا وعلى جنوبكم. بمعنى (أو) قيام أو قعودًا إن لم تستطيعوا القيام أو على جنوبكم إن شق عليكم القيام والقعود.
_________________
(١) ورواه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسير القرآن (٤٦٥٦) من طريق سفيان، عن جويبر به. في إسناده جويبر بن سعيد، قال النسائي: ليس بثقة. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال فيه الحافظ في التقريب: ضعيف جدًّا. والضحاك لم يسمع من ابن مسعود.
(٢) تفسير البغوي، ط: طيبة (٢/ ١٥٢)، وتفسير الثعلبي (٩/ ٥٤٩).
(٣) النوادر والزيادات (١/ ٢٥٤).
[ ١٨ / ٣٨٨ ]
وهذا التأويل خلاف الظاهر من سياق الآية، ولا بد فيه من تأويل قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: إذا أردتم أن تقضوا.
ومن تأويل ذكر الله بالصلاة، وكل ذلك بلا قرينة (^١).
التفسير الثاني:
أن هذا الذكر خاص بعد الفراغ من الصلاة، وعليه جمهور المفسرين.
قال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: «فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم، وأنتم مُواقِفو عدوِّكم التي بيّناها لكم، فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم» (^٢).
وقال القرطبي: «ذهب الجمهور إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف، أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم» (^٣).
وهذا هو الأقرب لظاهر الآية، وسياق الآية يؤيده.
قال ابن العربي: «قال قوم هذه الآية والتي في آل عمران سواء، وهذا عندي بعيد، فإن القول في هذه الآية دخل في أثناء صلاة الخوف، فاحتمل أن يكون قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي فرغتم منها فافزعوا إلى ذكر الله، وإن كنتم في هذه الحال كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾» (^٤).
التفسير الثالث:
أن هذا الذكر عام في الوقت، يشمل الصلاة وخارج الصلاة، وبه قال ابن جريج.
(ث-١٠٠١) رواه الطبري في تفسيره من طريق حجاج
وابن المنذر من طريق ابن ثور، كلاهما عن ابن جريج، قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية، قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
_________________
(١) انظر: شرح التلقين (٢/ ٨٦٦).
(٢) تفسير الطبري، ط: دار التربية والتراث (٩/ ١٦٤).
(٣) تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٣).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٦٢٤).
[ ١٨ / ٣٨٩ ]
[صحيح من قول ابن جريج] (^١).
هذا التفسير يصدق على آية آل عمران، وليس على آية النساء، وإن كان هناك من العلماء من يحمل آية آل عمران على آية النساء كما في أحكام القرآن لبكر بن العلاء، ولعله هو المقصود في كلام ابن العربي السابق (^٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٢٩) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^٣).
[تفرد به إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، وقد رواه أكثر من أحد عشر راويًا عن حسين المعلم، في الجلوس في صلاة النفل] (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ٤٧٥)، وتفسير ابن المنذر (١٢٦٤).
(٢) أحكام القرآن لبكر بن العلاء، رسالة جامعية (ص: ٩٣٤، ٩٣٥).
(٣) صحيح البخاري (١١١٧).
(٤) رواه حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران، واختلف عليه في لفظه: فرواه إبراهيم بن طهمان، كما في صحيح البخاري (١١١٧)، ومسند أحمد (٤/ ٤٢٦)، وسنن ابن ماجه (١٢٢٣)، وسنن أبي داود (٩٥٢)، وسنن الترمذي (٣٧٢)، ومنتقى ابن الجارود (٢٣١)، وصحيح ابن خزيمة (٩٧٩، ١٢٥٠)، والأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٧٨) و(٥/ ٨٠)، وأحكام القرآن للطحاوي (٤٤٦)، وفي شرح مشكل الآثار (١٦٩٣)، وسنن الدارقطني (١٤٢٥، ١٤٢٧)، ومستدرك الحاكم (١١٨٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٢) و(٣/ ٢٢٠)، بلفظ: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب). فجعله في صلاة المريض العاجز عن بعض الأركان وفي صلاة الفريضة. ورواه جماعة عن حسين المعلم به، ولفظه: إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد. قال البخاري: نائمًا عندي مضطجعًا هاهنا. فذكره في صلاة النافلة قاعدًا من غير المعذور، وهي رواية الجماعة منهم: روح بن عبادة كما في صحيح البخاري (١١١٥). وعبد الوارث بن سعيد كما في صحيح البخاري (١١١٥، ١١٦)، ومسند أحمد (٤/ ٤٤٣)، =
[ ١٨ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩١، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٩١)، والطب النبوي لأبي نعيم الأصبهاني (٤٦١). ويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٤٣٥)، وسنن أبي داود (٩٥١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩٢، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٩)، والحلية لأبي نعيم (٨/ ٣٩٠). وإسحاق بن يوسف الأزرق كما في مسند أحمد (٤/ ٤٤٢)، ومنتقى ابن الجارود (٢٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٩١). وعيسى بن يونس كما في سنن الترمذي (٣٧١)، وأحكام القرآن للطحاوي (٤٤٨)، ومشكل الآثار (١٦٩٤)، ومختصر قيام الليل للمروزي (ص: ١٩٨)، والسراج في حديثه انتقاء الشحامي (٢٥٥١). ويزيد بن زريع كما في سنن ابن ماجه (١٢٣١)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٩). وسفيان بن حبيب كما في السنن الكبرى للنسائي (١٣٦٦)، وفي المجتبى (١٦٦٠). وأبو خالد الأحمر كما في صحيح ابن خزيمة (١٢٣٦، ١٢٤٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٦٣٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩٠، وصحيح ابن حبان (٢٥١٣)، وسنن الدارقطني (١٥٦١)، وبشر بن المفضل، كما في مسند البزار (٣٥١٣). ورواه سعيد بن أبي عروبة، وعبد الوهاب بن عطاء، عن حسين المعلم، وخالف في لفظه: (كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتي قاعدًا؟ قال: صلاتك على النصف من صلاتك قائمًا، وصلاة الرجل مضطجعًا على النصف من صلاته قاعدًا). رواه أحمد (٤/ ٤٣٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن حسين المعلم، قال: وقد سمعته من حسين، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين به. وظاهر رواية عبد الوهاب بن عطاء أن المريض كالصحيح له نصف الأجر إذا صلى قاعدًا، وهو مخالف لرواية الجماعة، والتي فيها: (فإن صلى قائمًا فهو أفضل) دليل على أن الحديث في ترك القيام مع القدرة عليه. فإن كان جلوسه لعذر كتب له أجره كاملًا، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]. فاستثنى الله من القاعدين أهل الأعذار فإن لهم مثل أجر المجاهد. ولما رواه البخاري (٤٤٢٣) من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، =
[ ١٨ / ٣٩١ ]
زاد في رواية: فإن لم تستطع فمستلقيًا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١).
وهذا الحديث قد استدل به الشافعية على وجوب الصلاة على جنب للأمر بالصلاة به إذا عجز عن الصلاة قاعدًا، وأن صلاته مستلقيًا إنما يكون عند عجزه عن الصلاة على جنب.
وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
قد أعلَّ الترمذي هذا الحديث بتفرد إبراهيم بن طهمان، وقد رواه أحد عشر
_________________
(١) = قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر. وروى البخاري (٢٩٩٦) من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا. وقد اختلف العلماء في الموقف من الاختلاف على حسين المعلم. فبعضهم حمل الحديث على أنه حديثان مختلفان، وهذا ظاهر صنيع البخاري، والطحاوي، والبيهقي. فقد ساق البيهقي بإسناد (٢/ ٤٣٢) من طريق ابن المبارك يقول: كان إبراهيم بن طهمان ثبتًا في الحديث، عن حسين المكتب، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين قال: … وذكر الحديث. ومنهم من قدم رواية الجماعة، كالإمام الترمذي ﵀. «لا نعلم أحدًا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان. وقد روى أبو أسامة، وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع. والله أعلم. وقال البزار كما في مسنده (٩/ ١٣): (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ في صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد إلا في هذا الحديث، وإنما يروى عن النبي ﷺ من وجوه في صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم). وسوف أفرد لهذه المسألة مبحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى.
(٢) نسب هذه الزيادة للنسائي ابن قدامة في المغني (٢/ ١٠٦)، والشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، والزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٧٥)، وابن حجر في الدراية (١/ ٢٠٩)، وفي تلخيص الحبير (١/ ٥٥١)، والشوكاني في السيل الجرار (ص: ١٤٢). وكذا قال المجد ابن تيمية في المنتقى: النيل (٢/ ٢٣٦)، قال ابن مفلح في الفروع (٣/ ٧١) كذا قال. ولم يوقف عليها في المجتبى من سنن النسائي، ولا في الكبرى، ولا في غيرهما من كتب الحديث، والظاهر أن الزيلعي وابن حجر والشوكاني تابعوا كتب الفقه، والله أعلم.
[ ١٨ / ٣٩٢ ]
راويًا عن حسين المعلم، فجعلوه في صلاة النافلة من غير المعذور، وقد أبان لك تخريج الحديث عن هذا الاختلاف، وقد تجنب مسلم تخريج حديث عمران بن الحصين، وأخرجه الإمام البخاري.
الجواب الثاني:
تفرد حسين المعلم بجعل صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد، وإنما يروى عن النبي من وجوه في صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم من غير المعذور، وهي مسألة أخرى غير مسألة الباب.
الجواب الثالث:
من جهة دلالة حكمه، فحديث عمران أمر بالصلاة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، والفقهاء كلهم على أن ذلك على سبيل الوجوب، ثم قال: فإن لم تستطع فعلى جنب، والجمهور على أن ذلك سبيل الاستحباب فلو صلى مستلقيًا على ظهره صحت صلاته، خلافًا للشافعية، فما الذي جعل الصلاة على جنب على سبيل الاستحباب، بينما الصلاة قائمًا وقاعدًا على سبيل الوجوب، والحديث سياقه واحد؟
الجواب الرابع:
قال الكاساني: «المراد من الآية الاضطجاع، يقال: فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان مستلقيًا، وهو الجواب عن التعلق بالحديث، على أن الآية والحديث دليلنا؛ لأن كل مستلق فهو مستلق على الجنب؛ لأن الظهر متركب من الضلوع فكان له النصف من الجنبين جميعًا» (^١).
ونوقش هذا:
جاء في القاموس: «الجَنْبُ، والجانِبُ والجَنَبَةُ مُحرَّكَةً: شِقُّ الإِنْسَانِ وغَيْرِه» (^٢).
وفي المصباح المنير: «جنب الإنسان ما تحت إبطه إلى كشحه، وَالْجَمْعُ جُنُوبٌ، مِثْلُ: فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَالْجَانِبُ النَّاحِيَةُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْجَنْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٠٦).
(٢) القاموس (ص: ٦٩).
[ ١٨ / ٣٩٣ ]
نَاحِيَةٌ مِنْ الشَّخْصِ» (^١).
الجواب الخامس:
أن عمران كان مرضه باسورًا، فكان لا يمكنه أن يستلقي على قفاه (^٢).
وأجيب:
لا يصح حمل حديث عمران على الخصوص لأمرين:
الأول: أن الأصل في أحكام الشارع أن تكون لعموم الأمة.
الثاني: أن النبي ﷺ أراد من جواب عمران بيان صفة صلاة المريض على وجه العموم؛ ومع جميع أحوال المريض؛ لأن البواسير لا تمنع المصلي من الصلاة قائمًا، ولا راكعًا، ولا ساجدًا، ومع ذلك جاء الحديث بالأمر بالصلاة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، فكان الجواب أعم من السؤال.
وقد ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب (^٣).
وترجم له ابن ماجه: باب ما جاء في صلاة المريض (^٤).
وقال الخطابي في شرح البخاري: «وفيه أنه أمره أن يصلي على جنب لا مستلقيًا على قفاه» (^٥).
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق حسن بن حسين العُرَني، حدثنا حسين ابن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي،
عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة،
_________________
(١) المصباح المنير (١/ ١١٠).
(٢) انظر: المبسوط (١/ ٢١٣).
(٣) صحيح البخاري، ط: التأصيل (٢/ ١٤٣).
(٤) سنن ابن ماجه، ت: عبد الباقي (١/ ٣٨٦).
(٥) أعلام الحديث (١/ ٦٣١).
[ ١٨ / ٣٩٤ ]
فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة.
[ضعيف جدًّا] (^١).
وجه الدلالة من الحديث:
قوله: (فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا): صريح في أن صلاته مستلقيًا إنما تكون بعد عجزه عن الصلاة على جنبه.
ورد هذا:
بأن الحديث ضعيف جدًّا، فلا حجة فيه.
دليل من قال: يستلقي على ظهره:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٣١) ما رواه البخاري من طريق الحسين، عن أبي بريدة قال:
حدثني عمران بن حصين، وكان مبسورًا، قال: سألت رسول الله عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد (^٢).
وجه الاستدلال:
أنه ذكر ثلاثة أحوال في صفة الصلاة القائم، والقاعد، والنائم، وهو وإن كان ذلك في صلاة النفل مع القدرة، فالأصل أن صلاة النفل تشبه صلاة الفرض، والفرق
_________________
(١) رواه الدارقطني في السنن (١٧٠٦)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٦)، وفي الخلافيات (٢١٢٦). في إسناده الحسن العُرَني، قال الذهبي في المهذب في اختصار سنن البيهقي (٢/ ٧٤٦): «هذا إِسناد ساقط، رواه الدارقطني، والحسن: واهٍ، وشيخه: منكر الحديث». في المطبوع: (رواه الدارقطني: حسن، واه وشيخه منكر الحديث)، وهو خطأ. وذكره النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٣٤١) في قسم الضعيف. وفي إسناده أيضًا: حسين بن زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب. قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٥٤): «في إسناده حسين بن زيد ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسين العرني، وهو متروك».
(٢) صحيح البخاري (١١١٥).
[ ١٨ / ٣٩٥ ]
أن هذه الأحوال تجوز في النفل مطلقًا، ولا تجوز في صلاة الفرض إلا مع العجز.
وأجيب:
بأن رواية ابن طهمان قد بينت صفة صلاة النائم، وأن ذلك على جنب، والمفصل قاضٍ على المجمل.
الدليل الثاني:
احتج الحنفية في كتبهم بما روي عن ابن عمر ﵄، عن النبي أنه قال في المريض: إن لم يستطع قاعدًا فعلى القفا يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أولى بقبول العذر.
[لا يعرف له إسناد، ولا وجود له في كتب الأحاديث والآثار، والمعروف وقفه على ابن عمر كما في الأثر التالي] (^١).
وأجيب:
لا يصح في الاستلقاء على الظهر سنة مرفوعة.
الدليل الثالث:
(ث-١٠٠٢) روى عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر، عن عبيد الله أبيه، عن نافع، أن ابن عمر قال: يصلي المريض مستلقيًا على قفاه تلي قدماه القبلة.
[صحيح] (^٢).
(ث-١٠٠٣) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جبلة بن سحيم، قال:
سمعت ابن عمر يسأل، أيصلي الرجل على العود، وهو مريض؟ فقال:
_________________
(١) ذكره الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ١٠٦)، والهداية شرح البداية (١/ ٧٧). قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٧٦): حديث غريب. وهذا اصطلاح للزيلعي إذا لم يجد الحديث وصفه بالغرابة، ولا يريد غرابة الإسناد. وقال ابن أبي العز الحنفي في مشكلات الهداية (٢/ ٧١٦): «لا أصل لهذا في كتب الحديث». وقال الحافظ ابن حجر في الدراية (١/ ٢٠٩): «لم أجده».
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٢٦٠)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٨)، والدارقطني في السنن (١٧٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٦).
[ ١٨ / ٣٩٦ ]
لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثانًا، من استطاع أن يصلي قائمًا فليصلِّ قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا يومئ إيماء.
[صحيح] (^١).
وأجيب:
بأن الموقف لا يعارض به حديث عمران بن الحصين المرفوع.
قال البيهقي: «وهو محمول على ما لو عجز عن الصلاة على جنبه» (^٢).
الدليل الرابع:
قالوا: إن المصلي مستلقيًا على ظهره يكون مستقبلًا للقبلة بوجهه وبصدره وبقدميه وبجميع أعضائه التي يكون السجود عليها لو كان يطيق الصلاة قائمًا، وعلى الحال التي لو ذهبت علته وأطاق القيام في الصلاة استوى قائمًا في قبلته كهيئته بخلاف من صلى مضطجعًا إلى قبلته (^٣).
ولأن من صلى مستلقيًا على قفاه إذا أومأ برأسه في حالتي الركوع والسجود أومأ إلى القبلة، ومن صلى مضطجعًا على جنبه إذا أومأ برأسه أومأ إلى غير القبلة.
ويجاب:
الصحيح القائم: إذا ركع أو سجد صار وجهه إلى الأرض، وليس إلى القبلة ولا يعد ذلك منافيًا للتوجه إلى القبلة.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٢٦٩)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٨٠). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٨١٨)، أخبرنا وكيع، عن سفيان به، بلفظ: آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثانًا، إن استطعت أن تصلي قائمًا، وإلا فقاعدًا، وإلا فمضطجعًا. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٧) من طريق عبد الله -يعني: ابن المبارك- عن سفيان به، بنحوه. ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣٥) من طريق شعبة، عن جبلة به، صل قاعدًا واسجد على الأرض، فإن لم تستطع فأوم إيماءً، واجعل السجود أخفض من الركوع.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٦).
(٣) انظر: أحكام القرآن للطحاوي (١/ ٢٣٥).
[ ١٨ / ٣٩٧ ]
الراجح:
تقديم الصلاة على جنب لحديث عمران بن حصين إن سلم من تفرد إبراهيم ابن طهمان فهو حجة في وجوب الصلاة على جنب لمن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، وإلا كان الأمر واسعًا إن شاء صلى على جنبه، وإن شاء صلى على قفاه ورجلاه إلى القبلة، فكل ذلك يصدق على أنه صلى مضطجعًا؛ لتعذر الجلوس، والله أعلم.
[ ١٨ / ٣٩٨ ]