[م-١١٣٢] إذا نوى المسافر إقامة مطلقة في مكان صالح للإقامة من بلد أو قرية أو وادٍ يمكن للبدوي الإقامة فيه لزمه الإتمام؛ لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة.
وكذلك إذا نوى المسافر الاستيطان، صار المكان الجديد هو موطنه الأصلي، وهذا بالاتفاق (^١).
قال النووي: «قال الشافعي والأصحاب: إذا نوى في أثناء طريقه الإقامة مطلقًا انقطع سفره، فلا يجوز الترخص بشيء بالاتفاق، فلو جدد السير بعد ذلك فهو سفر جديد، فلا يجوز القصر إلا أن يقصد مرحلتين» (^٢).
وإن نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة، كما لو أقام في مفازة، أو على
_________________
(١) مختصر القدوري (ص: ٣٨)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٨١)، الجوهرة النيرة (١/ ٨٧)، العناية شرح الهداية (٢/ ٤٣)، المجموع (٤/ ٣٦١)، الوسيط (٢/ ٢٤٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٣)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٦)، الفروع (٣/ ٩٤)، المبدع (٢/ ١٢٢)، الإقناع (١/ ١٨٢)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٨). قال شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله في بيان الفرق بين نية الاستيطان ونية الإقامة المطلقة في الشرح الممتع (٤/ ٣٧٨): «والفرق: أن المستوطن نوى أن يتخذ هذا البلد وطنًا، والإقامة المطلقة: أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركة فيه كبيرة، أو طلب العلم فيه قوي فينوي الإقامة مطلقًا بدون أن يقيدها بزمن أو بعمل، لكن نيته أنه مقيم؛ لأن البلد أعجبه، إما بكثرة العلم، وإما بقوة التجارة، أو لأنه إنسان موظف تابع للحكومة وضعته كالسفراء مثلًا، فالأصل في هذا عدم السفر؛ لأنه نوى الإقامة فنقول: ينقطع حكم السفر في حقه».
(٢) المجموع (٤/ ٣٦١).
[ ١٨ / ٢٥١ ]
جبل، أو داخل مركبة، فهل ينقطع السفر، ويمتنع الترخص؟ في ذلك خلاف:
فقيل: لا ينقطع السفر، ويباح له الترخص، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (^١).
قال في مختصر القدوري: «ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد يصلح للإقامة» (^٢).
وقيل: ينقطع السفر، ولا يباح له الترخص، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٣).
جاء في فتح العزيز: «إذا نوى الاقامة في طريقه مطلقًا انقطع سفره، وصار مقيمًا لا يقصر، فلو أنشأ السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين هذا إذا نوى الاقامة في موضع يصلح لها من بلدة، أو قرية، أو واد يمكن للبدوي النزول فيه للإقامة، فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها، فيه قولان: أظهرهما عند جمهور الأصحاب: نعم» (^٤).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١٥٠)، المحيط البرهاني (٢/ ٣٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٨٦)، بدائع الصنائع (١/ ٩٥)، الهداية شرح البداية (١/ ٨٠)، المجموع (٤/ ٣٦١)، روضة الطالبين (١/ ٨٠)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٥)، النكت على المحرر (١/ ١٣٢)، المبدع (٢/ ١٢٢)، الإنصاف (٢/ ٣٣٠).
(٢) مختصر القدوري (ص: ٣٨).
(٣) جاء في المدونة (١/ ٢٠٧): «وقال مالك: والمسافر في البر والبحر سواء، إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم الصلاة وصام». زاد ابن يونس في الجامع (٢/ ٧٣٤): «حتى يضعن من مكانه». وجاء في التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٩١): «ولو كان بغيرها -أي بغير دار الحرب- أتمّ إذا نوى إقامة أربعة أيام، وإن لم يكن في مصر ولا قرية». وانظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٣٤)، النوادر والزيادات (١/ ٤٢٩، ٤٢٥)، المقدمات الممهدات (١/ ٢١٣)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٣، ٣٨٤)، المجموع (٤/ ٣٦١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١١١٣)، نهاية المطلب (٢/ ٤٣٨)، بحر ا لمذهب للروياني (٢/ ٣٢٨)، حلية العلماء (٢/ ٢٣٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٣٠٤)، البيان للعمراني (٢/ ٤٧٥)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٩)، منتهى الإرادات (١/ ٢٩٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٥).
(٤) فتح العزيز (٤/ ٤٤٥).
[ ١٨ / ٢٥٢ ]
قال النووي: «أصحهما عند الجمهور انقطاعه» (^١).
وجه من قال: يقصر:
لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فبطلت النية، وبقي حكم السفر الأول مستدامًا.
وجه من قال: لا يقصر:
مكثه بنية الإقامة المطلقة قاطعة لسفره، فلا يجتمع السفر والإقامة المطلقة، فأحدهما ينفي الآخر، وإذا كان السفر يتحقق بالنية مع الشروع بالسفر، والظهور من محل الإقامة، فإن الإقامة تتحقق بالنية مع القرار في موضعه، فإذا نوى الرجل الإقامة المطلقة باختياره ولو في موضع لا يصلح لها فقد انقطع سفره.
ولا دليل على اشتراط أن يكون الموضع صالحًا للإقامة.
الراجح:
الأقرب أنه إذا أقام إقامة مطلقة فإن سفره ينقطع، ودعوى أنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية غير ظاهر، فالإنسان يمكنه أن يتكلف ما يعيشه ويصلح شأنه بما يتاح له من الوسائل حتى يحوله إلى مكان صالح للإقامة، وقد أسكن إبراهيم من ذريته بواد غير ذي زرعٍ.
قَالَ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
وقد تحول هذا المكان بقدرة الله ﷾ إلى أن يكون أم القرى.
_________________
(١) المجموع (٤/ ٣٦١).
[ ١٨ / ٢٥٣ ]