المدخل إلى المسألة:
منتهى القصر في الدخول هو مبدؤه في الخروج.
كل موضع يشترط مفارقته للترخص، إذا بلغه المسافر في عودته امتنع الترخص.
الإقامة في الوطن الأصلي لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر؛ لأن الإقامة هي الأصل.
المسافر كما يلزمه الإتمام حتى يفارق العمران، فكذلك في حال العودة له أن يقصر حتى يدخل عمران بلده.
[م-١١٢٨] لو أقام المسافر في بلد إقامةً تمنعه من الترخص على مذهب من يقول: ينقطع حكم السفر إذا أجمع على الإقامة مدة معينة، فإذا خرج منه، واستأنف القصر ثم رجع إلى هذا البلد، فهل يكون الحكم كما لو رجع إلى موطنه الأصلي؟
فقيل: يترخص حتى فيه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^١).
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ١٤٧)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥١)، شرح التلقين (٢/ ٩٢٠)، فتح العزيز (٤/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٦)، الفروع (٣/ ٩٩)، الإنصاف (٢/ ٣٣٢)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٢).
[ ١٨ / ٢٢٧ ]
وقيل: لا يترخص، كما لو كانت وطنًا له، وهو وجه في مذهب الشافعية (^١).
وأما إذا عاد المسافر إلى بلده الأصلي لا لغرض ودخل العمران فإنه لا يقصر قولًا واحدًا (^٢).
وقولي: (لا لغرض) واحترازًا من العود إلى بلده لحاجة نسيها أو لكونه مجتازًا إلى بلد آخر بلا نية إقامة، وسوف يأتي البحث في حكمهما إن شاء الله تعالى.
وإشارة إلى أن مجرد عوده ينهي حكم سفره، ولا تشترط نية الإقامة؛ لأن الإقامة لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر.
قال الماوردي: «وجب عليه الإتمام إذا دخل بنيان بلده عند قدومه من سفره إجماعًا» (^٣).
واختلفوا إذا قارب البلد، هل ينقطع سفره؟
فقال الجمهور: يقصر، ما لم يدخل عمران البلد.
جاء في بدائع الصنائع في بيان ما يصير المسافر به مقيمًا، ثم ذكر منها: «الدخول إلى الوطن، فالمسافر إذا دخل مصره صار مقيمًا … لأن مصره متعين للإقامة» (^٤).
قال الشافعية: الضابط فيه: أن يرجع إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء
_________________
(١) انظر: المراجع السابقة.
(٢) بدائع الصنائع (١/ ١٠٣)، البحر الرائق (٢/ ١٤٢)، درر الحكام (١/ ١٣٣)، مجمع الأنهر (١/ ١٦٤)، المبسوط (١/ ٢٣٨)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، مختصر خليل (ص: ٤٣)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٤)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٠)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٧)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧٢)، شرح الخرشي (٢/ ٦٠)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٢٤)، التبصرة للخمي (٢/ ٤٦٨)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٢)، عقد الجواهر (١/ ١٥١)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٦)، شرح التلقين (٢/ ٩٣٠)، المجموع (٤/ ٣٥٠)، فتح العزيز (٢/ ٢١٢)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٣)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٦)، الإقناع (١/ ١٨٠)، الفروع (٣/ ٩٧)، المبدع (٢/ ١١٦)، التنقيح المشبع (ص: ١١٣)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٢)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٧٠)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٣٦٨).
(٤) بدائع الصنائع (١/ ١٠٣).
[ ١٨ / ٢٢٨ ]
السفر منه، فبمجرد وصوله تنقطع الرخص (^١).
وقال في تحفة المحتاج: «إذا رجع المسافر المستقل من مسافة قصر إلى وطنه مطلقًا، أو إلى غيره بنية الإقامة انتهى سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء» (^٢).
وقال مالك: إذا كان قريبًا من البلد لم يقصر، ولم يحد في القرب حدًّا إلا أنه أقلُّ من الميل (^٣).
قال مالك في البيان والتحصيل جوابًا على سؤال: «… يقصر الصلاة إلا إن كان قريبًا من القرية.
فقيل له: فما حدُّ القرب؟ قال: ما نجد في ذلك حدًّا، وإنما يحد في مثل هذا أهل العراق» (^٤).
قال ابن عبد البر: «هذا تحصيل مذهبه عند جمهور أصحابه» (^٥).
ولم يرتضيه بعض المالكية، قال ابن عبد السلام: لا فرق بين الخروج والرجوع.
وقال ابن الحاجب: «والقصر إليه كالقصر منه» (^٦).
قال خليل شارحًا قول ابن الحاجب: «يعني: منتهى القصر في الدخول هو مبدأ القصر في الخروج» (^٧).
ورده خليل، فقال: «وما ذكره المصنف مخالف لظاهر الرسالة؛ إذ فيها:
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٢/ ٢١٢)، المجموع (٤/ ٣٥٠).
(٢) شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٥٩).
(٣) المدونة (١/ ٢٠٦). وجاء في موطأ مالك (١/ ١٤٨): «ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك». وذكر مثل ذلك في تهذيب المدونة (١/ ٢٨٧)، وزاد: ولم يحدّ في القرب حدًّا. وسئل عمن هو على الميل، فقال: يقصر. وفي الرسالة لأبي زيد القيرواني، قال (ص: ٤٦): «لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل». انظر: الفواكه الدواني (١/ ٢٥٤)،.
(٤) البيان والتحصيل (١/ ٣٤٠).
(٥) الاستذكار (٢/ ٢٣١).
(٦) شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ٢٢٤).
(٧) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٥).
[ ١٨ / ٢٢٩ ]
ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء. ثم قال: ولا يزال يقصر حتى يدخل بيوت القرية أو يقاربها. وكذلك قال في المدونة، وظاهرهما أن مبدأ القصر خلاف منتهاه» (^١).
قال محمد بن الحسن: «ليست المقاربة بشيء، يقصر الصلاة حتى يدخل البيوت، كما أنه يتمها حتى يخرج من البيوت» (^٢).
وقال ابن الماجشون: حتى يدخل إلى أهله.
وفي المجموعة: حتى يدخل منزله (^٣).
وجهه: أنهم شرطوا في الخروج مجاوزة البلد؛ لأنها مظنة العوائق، بخلاف الرجوع.
ولابن حبيب: يقصر ويتم إلى الحد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة (^٤).
وجهه: أن الجمعة لا تجب على المسافر، فإذا وجبت الجمعة على من كان خارج البلد فهو في حكم المقيم في البلد، فإذا بلغ ذلك صار مقيمًا؛ لوجوب الجمعة عليه لو أقام في موضعه.
واستدل الجمهور على أنه يقصر إلى أن يدخل عمران بلده:
(ح-٣٤٨٦) بما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة.
فظاهر قوله: (حتى رجعنا إلى المدينة) والمدينة تطلق على عامرها، فما حول المدينة ليس منها.
لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].
_________________
(١) المرجع السابق، الصفحة نفسها.
(٢) الحجة على أهل المدينة (١/ ١٧٢).
(٣) شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٥٩).
(٤) جاء في مقدمات ابن رشد (١/ ٢١٣): قال ابن حبيب: «إلا في الموضع الذي تجمع فيه الجمعة فإنه يقصر ويتم إلى الحد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة». وانظر: شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٥٩).
[ ١٨ / ٢٣٠ ]
فجعل من حول المدينة من الأعراب ليسوا من أهل المدينة.
(ث-٩٥٦) روى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها.
[عبد الله بن عمر في حفظه شيء].
(ث-٩٥٧) وروى عبد الرزاق الصنعاني، عن الثوري عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي،
أن عليًّا لما خرج إلى البصرة رأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصُّ لصلينا ركعتين. فقلت: ما خُصًّا؟ قال: بيت من قصب.
وفي رواية ابن علية عن داود به، قال: لو كنت جاوزت هذا الخُصَّ لم أزد على ركعتين، ورواه عبد الوهاب عن داود بنحوه.
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل أبو حرب لم يسمع من علي].
فما كان مجاوزته شرطًا للترخص، فإن عودة المسافر إليه تمنع من الترخص، كما قال الشافعية: ينتهي سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته في الابتداء، والله أعلم.
والراجح: قول الجمهور.
[ ١٨ / ٢٣١ ]