المدخل إلى المسألة:
إذا صح اقتداء المفترض بالمتنفل على الصحيح كإمامة معاذ بقومه وإمامة عمرو بن سلمة، وهو صبي، صح اقتداء المقيم بالمسافر والعكس؛ لأنه إذا لم يؤثر اختلاف جنس العبادة لم يؤثر اختلاف عدد ركعاتها.
لا فرق بين فرض المسافر والمقيم إلا في عدد الركعات، وهذا لا أثر له في صحة الاقتداء كالمسبوق فإنه يصلي بعض صلاته مع الإمام وبعضه منفردًا.
صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان يصلي بأهل مكة، وهو مسافر، ثم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولم ينكر ذلك أحد من أصحاب النبي ﷺ، فكان إجماعًا سكوتيًّا.
فتح النبي ﷺ مكة، ومكث فيها مدة ينظم شؤونها، ولم ينقل أنه كان يتم الصلاة، ولا أنه كان يصلي مأمومًا، ولو فعل لنقل، فلم يبق إلا أنه كان يصلي إمامًا قصرًا.
قال ابن عبد البر: أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم، من كره ذلك منهم، ومن استحسنه، كلهم يجيزه.
[ ١٨ / ١٧٨ ]
حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ، ولا يدخل فيه الاختلاف في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف في النية، كأن يكون أحدهما مسافرًا والآخر مقيمًا، أو أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا.
[م-١١٢١] إذا صلى المقيم خلف المسافر فصلاته صحيحة، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)، وروي مرفوعًا ولا يصح.
واختلفوا في كراهة إمامة أحدهما للآخر إذا استويا في القراءة والعلم والسن:
فقيل: لا تكره إمامة مسافر يقصر بمقيم، وكذا العكس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، واختار الشافعية والحنابلة أن المقيم أولى بالإمامة، وهو أحد القولين عند الحنفية (^١).
واتفقت الروايات عن مالك أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يؤم المسافرين
_________________
(١) جاء في فتح القدير (١/ ٣٤٩): «واختلف في المسافر والمقيم، قيل: هما سواء، وقيل: المقيم أولى». قال ابن نجيم: وينبغي ترجحيه. انظر: البحر الرائق (١/ ٣٦٩)، النهر الفائق (١/ ٢٤١). وفي حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤) «وفي المجتبى: قيل: إمامة المقيم للمسافر أولى من العكس. وعن أبي الفضل الكرماني هما سواء». وجاء في التوضيح لخليل (٢/ ١٨): «وحكى بعضهم في اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه ثلاثة أقوال: الكراهة فيهما، والجواز فيهما، وجواز اقتداء المقيم بالمسافر وكراهة العكس. ابن راشد: والمعروف الأول». وقال الشافعي في الأم (١/ ٢٠٨): وإن اجتمع مسافرون ومقيمون فإمامة المقيمين أحب إلي، ولا بأس أن يؤم المسافرون المقيمين». وانظر: عمدة القارئ (٥/ ٢٠٤)، البناية شرح الهداية (٢/ ٣٣٢)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، الهداية (١/ ٨١)، النهاية في شرح الهداية للسغناقي (٤/ ٤٩)، مراقي الفلاح (ص: ١٦٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٢)، المهذب للشيرازي (١/ ١٨٧)، المجموع (٤/ ٢٨٦)، الإشراف لابن المنذر (٦/ ٣٦٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٩١)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٢٨٣)، التهذيب للبغوي (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)، الفروع (٣/ ٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٧١)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٥٩)، الإقناع (١/ ١٦٦).
[ ١٨ / ١٧٩ ]
مسافر، والمقيمين مقيم، فإن اقتدى أحدهما بالآخر كره، وكراهة اقتداء المسافر بالمقيم أشد؛ لأنه يلزم منها ترك سنة القصر، فإن فعل أجزأه، وقيل: يعيد في الوقت، وروي إلا بالمساجد الكبار (^١).
وقال القاضي عياض: «ائتمام المسافر بالمقيم معروف المذهب المنع منه ابتداء، وأن صلاة المسافر لا تجزئه، وهذا على القول: إن فرضه القصر» (^٢).
وقيل: يكره اقتداء المسافر بالمقيم، ويجوز العكس، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (^٣).
_________________
(١) جاء في التوضيح لخليل (٢/ ١٨): وقال ابن حبيب: أجمع رواة مالك على أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يصلي بالمقيمين مقيم وبالمسافرين مسافر إلا في المساجد الكبار التي يصلي فيها الأئمة. قال المازري: يعني الأمراء، فإن الإمام يصلي بصلاته، فإن كان مقيمًا أتم معه المسافر، وإن كان مسافرًا أتم من خلفه من المقيمين». وجاء في شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٦٢): «يكره اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه، وهو أشد كراهة، فإن فعل كمل وأجزأه. وقيل: يعيد بوقت، وروي إلا بالمساجد الكبار». فيكره عند المالكية: اقتداء مقيم بمسافر؛ إلا إن كان ذا فضل وسن، وكل يصلي بما تقتضيه سنته، فيسلم الإمام المسافر من ركعتين ويتم الجماعة المقيمة أفذاذًا. ويكره أيضًا ا قتداء مسافر بمقيم، إلا أن يكون المقيم ذا سن، أو فضل لما في الصلاة من خلفه من الرغبة، أو رب منزل؛ لما في ترك ائتمامه من بخس حقه؛ إذ هو أحق بالإمامة. وكراهة هذه أشد من الأولى؛ لمخالفة المسافر سنة القصر، ولزوم الانتقال إلى الإتمام، والكراهة مبنية على ما قال ابن رشد من أن سنة القصر آكد من سنة الجماعة، وأما على ما قال اللخمي من أن سنة الجماعة آكد فلا كراهة. وجاء في التوضيح لخليل (٢/ ١٨): «نص ابن حبيب وغيره على أن اقتداء المقيم بالمسافر أقل كراهة؛ لما يلزم عليه من تغيير السنة في اقتداء المسافر بالمقيم بخلاف العكس». وانظر: مختصر خليل (ص: ٤٣)، شرح التلقين (٢/ ٩٠٨)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧٧)، شرح الخرشي (٢/ ٦٣)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٥)، شرح التفريع للقرافي (٢/ ٥٨)، عقد الجواهر (١/ ١٥٤)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٥٣)، لوامع الدرر (٢/ ٥٨٩).
(٢) التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٥٩).
(٣) التوضيح لخليل (٢/ ١٨)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٨)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٩٣)، لوامع الدرر (٢/ ٥٩٠).
[ ١٨ / ١٨٠ ]
وقيل: تكره إمامة المسافر للمقيم، ويجوز العكس، وهو قول في مذهب الشافعية (^١).
وقد سبق بحث هذه المسألة في أحكام الإمامة، في المجلد السادس عشر، وقد تجددت مناسبة أخرى عند الكلام على أحكام السفر، فأعدت التذكير بالمسألة مقتصرًا على ذكر الأقوال، وأحلت على ذكر الأدلة اكتفاء بذكرها هناك؛ حتى لا يتصور من يراجع أحكام السفر أن البحث قد أغفلها، لأن الكتاب المتعدد الأجزاء قد يرجع إليه بعض الطلبة في بعض المباحث، وقليل منهم من يقرأ الكتاب كاملًا، فلله الحمد.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٢/ ٣٩١).
[ ١٨ / ١٨١ ]