المدخل إلى المسألة:
لا يسقط الواجب بالعجز عن بعض شروطه أو بعض أركانه.
الضرورة تقدر بقدرها، والمشقة تجلب التيسير.
الصلاة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة لها، فلا تترك الغاية بالعجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها.
من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه.
المقدر لا يسقط بالمعسور.
إذا تعذر الأصل انتقل إلى البدل، فإذا عجز عن الماء انتقل إلى التيمم، وإذا عجز عن القيام صلى جالسًا، أو عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما.
إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بالمرض.
[م-١١٣٥] ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب الصلاة على العبد في كل أحواله، من صحة ومرض، وحضر وسفر، وخوف وأمن، فما قدر عليه فعله،
[ ١٨ / ٣٢٦ ]
وما عجز عنه انتقل إلى بدله إن كان له بدل، وإن لم يكن له بدل سقط.
قال ابن يونس في الجامع: «لم يرخص الله في ترك الصلاة، لا في ضرورة ولا في غيرها إلا لمغلوب على عقله، فيصلي المريض بحسب طاقته (^١).
وفي رواية عن الإمام أحمد خلاف المشهور عنه ظاهرها أن الصلاة لا تجب على المريض» (^٢).
وهذا قول مرجوح جدًّا، ولولا أنه نسب للإمام أحمد لما ذكرته.
الدليل على وجوب الصلاة على المريض:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الدليل الثاني:
(ح-٣٥١٢) وروى الإمام البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وقد رواه مسلم (^٣).
فمن كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه، وعجز عن بعضه أتى بما قدر عليه وسقط عنه ما عجز عنه إن لم يكن له بدل؛ لأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
_________________
(١) انظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٢١).
(٢) قال القاضي في الروايتين والوجهين (١/ ١٧٩): «نقل أبو بكر المستملي محمد بن يزيد قال: مرض أبو عبيد الله أحمد بن حنبل ﵁، فوضأته، فقلت له: تصلي مرة أو مرتين؟ فقال: أما سمعت حديث أبي سعيد فلم يصل. فظاهر هذا أنه لم ير وجوبها عليه. والحديث الذي ذهب إليه رواه إسماعيل بن رجاء، عن أبيه قال: لما مرض أبو سعيد الخدري وضأته. قال: ثم قلت: الصلاة؟ قال: قد كفاني إنما العمل في الصحة، ولأنه نوع مرض فجاز أن يسقط فرض الصلاة كالجنون». وسوف أخرج الأثر إن شاء الله تعالى في الأدلة
(٣) صحيح البخاري (٦٧٤٤)، ومسلم (٢٣٨٠).
[ ١٨ / ٣٢٧ ]
الدليل الثالث:
(ح-٣٥١٣) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^١).
فقوله: (فإن لم تستطع فقاعدًا) أي: فصلِّ قاعدًا، وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الرابع:
(ح-٣٥١٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (^٢).
(ح-٣٥١٥) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ: قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (^٣).
الدليل الخامس:
أمر الله ﷾ المريض الذي لا يقدر على استعمال الماء بالتيمم،
_________________
(١) صحيح البخاري (١١١٧).
(٢) صحيح البخاري (٨٠٥)، وصحيح مسلم (٧٧ - ٤١١)، واللفظ لمسلم.
(٣) صحيح البخاري (٧١٣).
[ ١٨ / ٣٢٨ ]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]
وقد أمر الله ﷾ بالصلاة حال القتال، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]،، فحذف المتعلق ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص وقطاع الطرق، ومن السباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.
قال القرطبي: إذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه (^١).
دليل من قال: تسقط الصلاة بالمرض:
(ث-٩٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، وابن عساكر في تاريخه، من طريق إسماعيل ابن رجاء بن ربيعة، عن أبيه، قال:
كنا عند أبي سعيد الخدري في مرضه الذي توفي فيه وهو ثقيل، قال: فأغمي عليه، قال: فلما أفاق، قلنا: الصلاة يا أبا سعيد، فقال: كفانِ.
[حسن] (^٢).
وقوله: (كفان): يعني: كفاني ما صليت في وقت الصحة، وهذا التفسير قال به ابن سعد في الطبقات الكبرى، والإمام أحمد.
وأجيب عن الأثر بعدة أجوبة، منها:
الجواب الأول:
أن هذا الأثر موقوف، مخالف للمرفوع المتفق عليه من صلاة النبي ﷺ في مرضه، سواء أكان ذلك في مرض موته، وكان مرضه شديدًا أم كان في غيره حين
_________________
(١) تفسير القرطبي (٣/ ٢٢٥).
(٢) رواه عفان بن مسلم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٢٦)، وطبقات ابن سعد، ط: الخانجي (٥/ ٣٥٥) ومن طريق ابن سعد أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢٠/ ٣٩٥). وموسى بن إسماعيل مقرونًا بعفان كما في طبقات ابن سعد ط: الخانجي (٥/ ٣٥٥) ومن طريق ابن سعد أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢٠/ ٣٩٥)، كلاهما (عفان وموسى) روياه عن سعيد بن زيد، قال: حدثنا أبو عبد الله الشقري، قال: حدثني إسماعيل بن رجاء بن ربيعة به.
[ ١٨ / ٣٢٩ ]
سقط من فرسه، فصلى جالسًا.
الجواب الثاني:
تأوله ابن أبي شيبة بقوله: يريد (كفان) يعني: أومأ.
وهذا خلاف الظاهر، وهو معارض بفهم الإمام أحمد ﵀.
الجواب الثالث:
يحتمل أنه أغمي عليه، ولم يفق من الإغماء إلا بعد خروج الوقت، والمغمى عليه في أصح أقوال أهل العلم لا تجب الصلاة عليه، وسبق بحث هذه المسألة، وهذا التأويل أولى من القول بسقوط الصلاة لمجرد المرض، وإن كان خلاف الظاهر.
[ ١٨ / ٣٣٠ ]