المدخل إلى المسألة
الإقامة لا تحتاج إلى نية بخلاف السفر.
الوصول إلى البلد مانع من القصر سواء أنوى الإقامة أم لا.
المسافر لا يكون مسافرًا إلا إذا فارق العمران وفارق أسواره إن وجدت.
إذا وصل المسافر إلى بلده صار مقيمًا، فيمتنع القصر، ولو كان مجتازًا.
لا ينقطع حكم السفر بالوصول إلى البلد ما لم يدخل عمرانه، أو يتجاوز سوره إلى الداخل، كما أنه لا يصير مسافرًا إلا بمفارقة ذلك.
كل ما شرط مجاوزته إلى الخارج ليتحقق السفر، فهو شرط لانتهاء السفر بمجاوزة ذلك إلى الداخل.
الوصول إلى سور البلد في العودة لا يكفي لانتهاء القصر ما لم يتجاوزه داخلًا، كما أن الوصول إليه في حال السفر لا يكفي للقصر حتى يتجاوزه خارجًا.
[م-١١٣٠] إذا كان الرجل في موضع غير بلده، وأراد أن يسافر منه إلى بلد آخر، كما لو كان رجل من أهل القصيم في الرياض فأراد أن يسافر منه إلى المدينة، فمرَّ على القصيم مجتازًا، فأدركته الصلاة فيه، فهل يقصر الصلاة؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لا يقصر، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٠٣)، مختصر القدوري (ص: ٣٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١٥٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٨١)، الجوهرة النيرة (١/ ٨٧)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٤)، النهاية في شرح الهداية للسغناقي (٤/ ٥٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٦٧٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٣٠٤)، المجموع (٢/ ٤٣٦)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٦)، الفروع (٣/ ٩٧)، الإنصاف (٢/ ٣٣١)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٤)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٦)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٧٢)، المبدع (٢/ ١٢٣).
[ ١٨ / ٢٣٧ ]
جاء في بدائع الصنائع: «المسافر إذا دخل مصره صار مقيمًا، سواء دخلها للإقامة أو للاجتياز أو لقضاء حاجة، والخروج بعد ذلك» (^١).
وقال في تحفة المحتاج: «انتهى سفره ببلوغ ما شرط مجاوزته ابتداء من سور أو غيره، وإن لم يدخله» (^٢).
ولا يتقيد الوصول إلى الوطن بأن يكون رجع إلى المكان الذي خرج منه (^٣).
جاء في الإنصاف: «لو مر بوطنه أتم مطلقًا على الصحيح من المذهب، ونص عليه» (^٤).
وقيل: يقصر مطلقًا إذا كان مارًّا، ولم يدخل، ولو حاذاه، وهذا مذهب المالكية (^٥).
قال في التوضيح: «إنما يمنع المرور بشرط دخوله أو نية دخوله، لا إن اجتاز فقط» (^٦).
وفي حاشية الدسوقي: «(وقطعه دخول وطنه أو مكان زوجة): أي: وأما مجرد المرور بهما من غير دخول فلا يقطع حكم السفر، ولو حاذاه … والمراد بالمكان: البلد التي هي بها، لا خصوص المنزل التي هي به» (^٧).
وحتى نفهم مذهب المالكية، فالمالكية قد انفردوا بالقول بأن القرب من البلد إذا
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ١٠٣).
(٢) تحفة المحتاج (٢/ ٣٥٧). ولم يشترط الشافعية الدخول إلى العمران لانقطاع السفر، جاء في أسنى المطالب (١/ ٢٣٦): «ينتهي سفره ببلوغه مبدأ سفره فانقطع بمجرد الوصول، وإن لم يدخل، فعلم أنه ينتهي بمجرد بلوغه مبدأ سفره من وطنه، وإن كان مارًّا به في سفره، كأن خرج منه، ثم رجع من بعيد قاصدًا المرور به من غير إقامة».
(٣) انظر: تحرير الفتاوي (١/ ٣٦٣).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٣١).
(٥) التوضيح لخليل (٢/ ٢٨)، شرح الخرشي (٢/ ٦١)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٨)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٣)، منح الجليل (١/ ٤٠٨)، أسهل المدارك (١/ ٣١٥٨)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٨٣).
(٦) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٨).
(٧) حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٣).
[ ١٨ / ٢٣٨ ]
عاد لوطنه مانع من القصر، ولو لم يدخل البلد، ولم يحدوا في القرب حدًّا، إلا أنه أقل من ميل، وعليه فالمرور بالبلد إن كان بدخوله منع ذلك من القصر كقول الجمهور، وإن قرب منه قربًا يمنع من القصر لو كان في غير المرور، فإن القصر لا يمنع منه في حال المرور ما لم يدخله، هذا مذهب المالكية (^١).
وهذا التفريق بين الدخول والقرب شاهد على ضعف القول بأنه إذا رجع إلى وطنه لم يقصر إذا قرب منه، ولو لم يدخله.
وقيل: يقصر مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).
جاء في مسائل أحمد رواية عبد الله: لو أن مسافرًا ورد على أهله أمسك عن الطعام وأتم الصلاة إلا أن يكون مارًّا» (^٣).
وجاء في الإنصاف: «وعنه يقصر، إذا لم يكن له حاجة سوى المرور» (^٤).
_________________
(١) جاء في موطأ مالك (١/ ١٤٨): «ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك». وذكر مثل ذلك في المدونة (١/ ٢٠٦)، تهذيب المدونة (١/ ٢٨٧)، وزاد: «ولم يحدّ في القرب حدَّا. وسئل عمن هو على الميل، فقال: يقصر». وفي الرسالة لأبي زيد القيرواني، قال (ص: ٤٦): «لا يتم حتى يرجع إليها، أو يقاربها بأقل من الميل». واستشكل لفظ أبي زيد القيرواني؛ لأن قوله: (حتى يرجع إليها) جعله في أقل من الميل مسافرًا وقوله: (أو يقاربها بأقل من ميل) جعله فيه مقيمًا، وهذا لا يصح. انظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٣٦٥). ولا يبدو عندي فيه إشكال؛ غايته أن يكون مفهوم الجملة الأولى غير مراد؛ لمعارضته منطوق الجملة الثانية، والمنطوق يقضي على المفهوم. وقال بعضهم: قوله: (حتى يرجع إليها)، يعني: على قول. وقوله: (أو يقاربها)، يعني: على قول آخر. ومنهم من قال: قوله: (حتى يرجع إليها) أي: حتى يدنو منها. ويكون قوله: (أو يقاربها) هو قوله: (حتى يرجع إليها)، وهذا التأويل يوافق ما في المدونة، والأول يخالفها؛ لأن ما في المدونة إلا قول واحد. وقال مالك جوابًا على سؤال كما البيان والتحصيل (١/ ٣٤٠): «… يقصر الصلاة إلا إن كان قريبًا من القرية. فقيل له: فما حد القرب؟ قال: ما نجد في ذلك حدًّا، وإنما يحد في مثل هذا أهل العراق».
(٢) التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٣٠٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٠٩٣)، الإنصاف (٢/ ٣٣١).
(٣) مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٦٩٠).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٣١).
[ ١٨ / ٢٣٩ ]
وجه من قال: يتم مطلقًا:
لا يشترط في الإقامة نية الإقامة، فالوصول إلى البلد مانع من القصر سواء أنوى الإقامة أم لا.
وجه من قال: يقصر مطلقًا:
أن هذا المسافر لم ينو إقامة في بلده، فلا ينقطع سفره بمجرد المرور به.
ورد هذا:
لا يشترط في الإقامة نية الإقامة، بخلاف السفر.
وجه من قال بالتفريق بين دخول البلد وبين المرور به من غير دخول:
أن حكم السفر لا ينتهي إلا بدخول العمران، كما أنه لا يصير مسافرًا إلا بخروجه منه، فلا ينقطع حكم السفر بالوصول إلى البلد إذا لم يدخل عمرانه، وإن كان له سور فيشترط أن يتجاوز سوره إلى الداخل، كما أنه لا يقصر حتى يتجاوز سوره إلى الخارج.
الراجح:
أقرب الأقوال أن المسافر ينتهي سفره بالدخول إلى البلد، فإن مر به من غير دخول لم يمنع ذلك من القصر، ولو حاذاه لم يمنع ذلك من الترخص، والله أعلم.
[ ١٨ / ٢٤٠ ]