المدخل إلى المسألة:
ما وجب للمتابعة لا يجب بغيرها.
إذا طرأ ما يفسد الصلاة بطلت، ورجع المصلي إلى الحال التي كان عليها قبل الشروع فيها، فكأنَّه لم يصلِّ؛ لحديث: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ).
لا يصح القول: إذا بطلت الصلاة أصبحت نية الصلاة الباطلة دينًا في ذمته.
إذا بطلت الصلاة استأنفها، ولا يقال: أعادها إلا تجوزًا؛ إذ لا ارتباط بين الصلاة المستأنفة وبين الصلاة الباطلة.
إذا بطلت الصلاة بطلت نيتها تبعًا، والباطل في حكم العدم.
إذا فسدت الجمعة قضاها ظهرًا إجماعًا، ولا يقال: إذا شرع في الجمعة وجبت عليه نية الجمعة بالشروع، فكذلك سائر الفروض قياسًا على الجمعة.
وجوب الإتمام على المسافر خلف المقيم لوجوب المتابعة، فإذا زالت المتابعة زال حكمها وله أن يصليها ركعتين.
لا يجب الإتمام على المسافر إلا إذا انقطع حكم السفر، أو صلى خلف مقيم، والإتمام لا يجب بالشروع إذا فسد.
إذا أفسد المصلي جماعة فرضه صح أن يقضيه منفردًا، ولا يقال: تجب عليه الجماعة بالشروع، فكذلك إذا أفسد المسافر صلاته خلف المقيم يصح أن يقضيه ركعتين.
إذا لم تجب عليه نية القصر بالشروع لم تجب عليه نية الإتمام بالشروع.
بطلان نية القصر أو الإتمام لا يعود إلى نية الصلاة بالبطلان.
[م-١١٢٣] إذا شرع المسافر في الصلاة بنية الإتمام -على القول بلزوم الإتمام إذا لم ينو القصر مع التحريمة- أو اقتدى المسافر بمقيم لزمه الإتمام، فإذا
[ ١٨ / ١٩٩ ]
فسدت صلاته، وأراد إعادتها فهل يجوز له قصرها؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: يجوز له قصرها، وهو مذهب الحنفية، والثوري (^١).
جاء في البحر الرائق: «ولو اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح وأتم … فلو أفسده صلى ركعتين» (^٢).
وجه قول الحنفية:
فرض المسافر ركعتان، فإذا صلى خلف المقيم صلاه أربعًا من أجل المتابعة، فإذا زالت المتابعة رجع إلى فرضه، بخلاف ما لو اقتدى به متنفلًا، ثم أفسدها قضاها أربعًا؛ لأن النفل عندهم يجب بالشروع، فإذا شرع فيه خلف إمامه أخذ حكم الفرض تبعًا لصلاة الإمام، فلو أفسد النفل بعد الاقتداء قضاه أربعًا.
وقيل: إن أفسد الفرض بعد أن صلى مع الإمام ركعة لزمه إتمامه في الإعادة، وإن أفسده قبل أن يصلي مع الإمام ركعة فصلاته ركعتان، وهذا مذهب المالكية (^٣).
جاء في الجامع لابن يونس: «والمسافر إذا أدرك خلف المقيم ركعة لزمه الإتمام» (^٤).
ومفهومه: أنه إذا لم يدرك ركعة لم يلزمه إتمامه.
وقيل: إذا صلى المسافر خلف المقيم، ثم فسدت صلاته لزمه الإتمام قال النووي: بلا خلاف يعني في المذهب، وهو مذهب الحنابلة (^٥).
_________________
(١) الأصل للشيباني، ط: القطرية (١/ ٢٥٥)، البحر الرائق (٢/ ١٤٥)، تبيين الحقائق (١/ ٢١٣)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٢)، فتح القدير (٢/ ٣٨)، مجمع الأنهر (١/ ١٦٣).
(٢) البحر الرائق (٢/ ١٤٥).
(٣) الاستذكار (٢/ ٢٥١)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٣٦٥)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٣٨)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢١١)، البيان والتحصيل (٢/ ٤٢)، حاشية جواهر الدرر (٢/ ٤٢٧).
(٤) الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٣٨).
(٥) انظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٠٩)، مختصر المزني، ط: الدغستاني (١/ ١٤٣)، نهاية المطلب (٢/ ٤٤٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٨٢)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١١١٠)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٣٠٧)، الوسيط (٢/ ٢٥٤)، فتح العزيز (٤/ ٤٦٢، ٤٦٣)، المجموع (٤/ ٣٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٣٩٢). وانظر في مذهب الحنابلة: التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (٣/ ٤٦)، المغني (٢/ ١٩٦)، الممتع في شرح المقنع (١/ ٥٠٧)، الوجيز (ص: ٨٧)، الفروع (٣/ ٩١)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٦)، المبدع (٢/ ١١٩)، الإنصاف (٢/ ٣٢٤)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٧)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٥).
[ ١٨ / ٢٠٠ ]
جاء في الفروع: «وإن فسدت صلاة من لزمه الإتمام، ولو خلف مقيم خلافًا لأبي حنيفة، ولو فسدت قبل ركعة خلافًا لمالك فأعادها أتم» (^١).
فالمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على أن المسافر إذا أدرك الصلاة مع الإمام المقيم ثم أفسدها لزمه الإتمام في الإعادة، إلا أنهم يختلفون متى يدرك المأموم صلاة إمامه:
فالمالكية، قالوا: يدرك صلاة إمامه إذا أدرك منها ركعة، فإن أدرك منها أقل من ركعة فلم يدركها، وصلى قصرًا.
جاء في المدونة: «وقال مالك: ومن أدرك من صلاة مقيم التشهد أو السجود ولم يدرك الركعة، وهو مسافر، إنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام» (^٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يدرك صلاة إمامه بإدراك أي جزء من صلاته قبل التسليم تمامًا كما قالوا: إذا أدرك المسافر إمامه المقيم في التشهد، فدخل معه فالمالكية قالوا: يقضيها ركعتين. وقال الجمهور: يقضيها أربعًا؛ لأن إدراك جزء من الصلاة إدراك للصلاة، وكنت قد بحثت هذه المسألة فيما سبق فهذه المسألة فرع عنها.
وجه قول المالكية:
أن المسافر سنته ركعتان، وإذا فسدت صلاته قبل أن يدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فهو في حكم من لم يدرك شيئًا من صلاة الإمام، والمسافر إذا لم يدرك شيئًا من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع.
ولحديث: أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) (^٣).
_________________
(١) الفروع (٣/ ٩١).
(٢) المدونة (١/ ٢٠٩).
(٣) صحيح البخاري (٥٨٠)، وصحيح مسلم (٦٠٧).
[ ١٨ / ٢٠١ ]
ومفهومه: أن من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة.
وجه قول الشافعية والحنابلة:
إجماعهم على أن من نوى من حين دخوله في الصلاة الإتمام لزمه، فكذلك من دخل مع مقيم في صلاته، ولا يشترط إدراك ركعة.
ولحديث أبي هريرة في الصحيحين، وفيه: (فما أدركتم فصلوا .. الحديث) (^١).
قوله: (ما أدركتم) (ما) اسم شرط للعموم، فإدراك جزء من الصلاة مع الإمام إدراك لصلاة الإمام. وسبق الجواب على الحديث.
قال ابن قدامة: «لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم» (^٢).
وقال التنوخي: «فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه» (^٣).
ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن ما وجب للمتابعة لا يجب بغيرها.
مثاله: المسبوق تغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة صلاته، كما لو كان مسبوقًا بركعة، فإذا صلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد؛ لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فلو فسدت صلاته لم نوجب عليه أن يجلس في هذه المواضع التي وجب عليه الجلوس فيها من أجل المتابعة، وليس موضعًا لجلوسه لو صلى منفردًا.
الوجه الثاني:
القول بأن من نوى الإتمام في أول صلاته لزمه دعوى في محل النزاع، لا دليل عليها. وقياسًا على نية القصر، فكما لا تجب عليه نية القصر بالشروع لا تجب عليه
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣٦)، ومسلم (١٥١ - ٦٠٢).
(٢) المغني (٢/ ١٩٦).
(٣) الممتع في شرح المقنع (١/ ٥٠٧).
[ ١٨ / ٢٠٢ ]
نية الإتمام بالشروع.
وإذا صح رفض نية القصر في أثناء الصلاة والانتقال إلى الإتمام صح رفض نية الإتمام في أثنائها فضلًا أن يقال: يجب الإتمام بالشروع ولو فسد ما شرع فيه.
قال في الفروع: «ولو نوى القصر ثم رفضه ونوى الإتمام جاز خلافًا لمالك، وأتم؛ لعدم افتقاره إلى التعيين فبقيت النية مطلقة» (^١).
وهذا دليل على أن بطلان القصر أو الإتمام لا يعود إلى نية الصلاة بالبطلان.
وقال في الإقناع: «ولو نوى القصر ثم رفضه ونوى في الصلاة الإتمام أتم».
ولأن القول بلزوم الإتمام مبني على أنه يشترط لصحة القصر نيته مع التحريم، فإذا لم ينو لم يصح القصر، وإذا كان الراجح أن القصر يصح، ولو لم ينوه، بل ولو نوى الإتمام؛ بطل القول بأنه يلزمه الإتمام إذا شرع بنيته.
الوجه الثالث:
ولأن نية الإتمام لا دخل لها في نية تعيين الفرض، بل في نية عدد الركعات، وهذا لا يلزم المصلي، فلو صلى فرضه ولم يستحضر عدد الركعات صح فرضه، وكما لو دخل في صلاة الوتر على أنه يريد أن يوتر بسبع ركعات، فأوتر بخمس، لم تلزمه السبع بمجرد الشروع.
ولأن المسافر على التخيير، إن شاء قصر، وإن شاء أتم، والله أعلم.
الوجه الرابع:
لو سلمنا أن من نوى الإتمام لزمه، فإنما يلزمه إذا مضى في هذه الصلاة، فإذا طرأ ما يفسد الصلاة بطلت، ورجع المصلي إلى الحال التي كان عليها قبل الشروع فيها، فكأنَّه لم يصلِّ، لا فرق بينه وبين رجل لم يشرع في الصلاة، كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ).
ولا يصح أن يقال: إذا بطلت الصلاة أصبحت نية الصلاة الباطلة دينًا في ذمته،
_________________
(١) الفروع (٣/ ٨٩).
[ ١٨ / ٢٠٣ ]
لأن الصلاة إذا بطلت وجب استئنافها، ولا يقال: أعادها إلا تجوزًا؛ إذ لا ارتباط بين الصلاة المستأنفة وبين الصلاة الباطلة، وإذا بطلت الصلاة بطلت نيتها تبعًا، والباطل في حكم العدم.
ولأن الجمعة إذا فسدت قضاها ظهرًا إجماعًا، ولا يقال: إذا شرع في الجمعة وجبت عليه نية الجمعة، فكذلك سائر الفروض قياسًا على الجمعة.
والعجب أن الشافعية والحنابلة لا يقولون بأن النفل إذا فسد يجب بالشروع، فكذلك الفرض إذا فسد لا يجب قضاء نيته بالشروع، وإنما الواجب قضاء الفرض باعتبار أنه لم يصلِّ فالذمة ما زالت مشغولة، فإن صلى منفردًا أو خلف مسافر فله أن يصليه ركعتين. ولأن النية في الصلاة نية أداء في حقه، وليست نية قضاء، حتى يقال: يقضي ما أفسد بالشروع، والله أعلم.
الراجح:
أن المسافر خلف المقيم إذا فسدت صلاته سن له أن يصليها ركعتين؛ لأن الإتمام خلف المقيم واجب من أجل المتابعة، وقد زالت، والله أعلم.
[ ١٨ / ٢٠٤ ]