المدخل إلى المسألة:
كل حَدٍّ للعبادة بزمن أو مكان أو عدد فلا بد له من دليل صحيح صريح، كالمسح على الخفين مسافرًا أو مقيمًا، وعدة المطلقة والمتوفى عنها حاملًا وحائضًا وآيسة.
لم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة.
من ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره تمنع من الترخص فعليه الدليل، وقد ثبت السفر بيقين، فلا يرفع إلا بيقين.
لا يكفي القول بأن النبي ﷺ لم يقصر إلا في هذه المدة، فما زاد عليها فلا يقصر؛ لأن الأفعال التي تقع اتفاقًا لا يستفاد منها التحديد، وقصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، والأصل استصحاب حكم السفر حتى ينوي استيطانًا، أو يرجع إلى بلده.
إبطال العبادات لا يجوز إلا بحجة بينة، والأصل صحة صلاة من قصر الصلاة في أثناء إقامته في السفر.
ثبت أنه ﷺ أقام في أثناء سفره وقصر الصلاة، سواء أكان ذلك في حجة الوداع، أم في فتح مكة، أم في غزوة تبوك، وهي نصوص مطلقة، والعام والمطلق باقٍ على عمومه وإطلاقه لا يخصصه، ولا يقيده إلا نص مثله أو إجماع.
لم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام.
لم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع إقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب قد تطول مع العدو، فكل هذه العلل إنما ادعيت
[ ١٨ / ٢٧٨ ]
استنباطًا، وليست نصًّا؛ للاعتقاد بأن القصر للمسافر أثناء إقامته ممنوع.
نظر ابن عباس إلى هذه النصوص على جواز القصر في مثلها، حتى قال بجواز القصر تسعة عشر يومًا، ولم يفهم منها أن النبي ﷺ لم يجمع فيها على إقامة معلومة.
إذا كانت الإقامة أربعة أيام أو عشرة أو تسعة عشر يومًا لا تقطع حكم السفر لم يقطع حكم السفر ما زاد عليها.
إبطال حكم القصر بالإقامة حكم وضعي، فلو كانت الإقامة في السفر تبطل حكم القصر لأبطلته من حيث كونها إقامة لا بالنظر إلى سببها، ولم يكن هناك فرق بين الأربعة والعشرة والخمسة عشر والتسعة عشر، أو أقل أو أكثر.
كل هذه المدد خارجة عن حد القليل، وإذا لم تبطل هذه المدد الترخص لم يبطل ما زاد عليها.
السنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوَّى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف أكثر ما عليه الصحابة.
القول بانقطاع حكم السفر إذا نوى إقامة أربعة أيام لم يثبت بنصٍّ مرفوع صريح، ولا بأثرٍ موقوف صحيح، وأول من قال به سعيد بن المسيب.
لا يؤثر قول عن أحد من صحابة النبي ﷺ يقول بانقطاع حكم السفر بإقامة أربعة أيام، وإن قال بعضهم بانقطاع حكم السفر بأكثر منها.
لو كانت إقامة النبي ﷺ أربعة أيام في حجة الوداع حدَّ ما بين المسافر والمقيم لكان أولى الناس في فهم هذا القول هم الصحابة رضوان الله عنهم.
كل قول لا يؤثر عن الصحابة في مسألة وقعت في عصرهم فما أشد وهنه، ولو قال به الجمهور.
لم يحتج مالك في الموطأ لقوله للتحديد بأربعة أيام بسنة، ولا بأثر عن صحابي، وإنما ذكر أن هذا هو قول سعيد بن المسيب، وهو أحب ما سمع في المسألة.
ما كان للإمام مالك أن يحتج بقول سعيد بن المسيب، لو كان في الباب
[ ١٨ / ٢٧٩ ]
سنة أو أثر صحيح.
قال أنس: أقام النبي ﷺ بمكة عشرًا يقصر الصلاة، فجعل إقامة النبي ﷺ حول مكة في حكم الإقامة فيها، وكذلك نقل نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، والله أعلم.
[م-١١٣٤] إذا عزم المسافر على الإقامة مدة معلومة في أثناء سفره، فهل يعطى حكم المقيم أو يعطى حكم المسافر؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: لا ينقطع سفره مطلقًا حتى يرجع إلى أهله، أو ينوي الاستيطان، حكاه الإمام إسحاق عن الأقلين من أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^١).
وكيف نسب إسحاق هذا القول للأقلين من أهل العلم، وهو نفسه يقول: «وأكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين» (^٢).
_________________
(١) نقل ابن المنذر في كتابه الأوسط (٤/ ٣٥٨) عن الإمام إسحاق أنه قال: «وقد قال آخرون: وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك، إلا أن تقيم ببلدة لك بها أهل ومال فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربعٍ، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجوا لأنفسهم في ذلك ما سئل ابن عباس عن تقصير الصلاة، فقال: كان النبي ﷺ إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع». وجاء في الفروع (٣/ ٩٥): «واختار شيخنا وغيره: القصر والفطر، وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن كإقامته لقضاء حاجة لا نية إقامة». اه وجاء في الإنصاف (٢/ ٣٣٠): «وقال الشيخ تقي الدين وغيره: إن له القصر والفطر، وإنه مسافر، ما لم يجمع على إقامة ويستوطن». هذا هو اختيار شيخ الإسلام، وليس الرد إلى العرف. وانظر قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (٢٤/ ١٨، ١٣٧، ١٤٠)، الاختيارات للبعلي (ص: ١١٠، ١١١)، الاختيارات لشيخ الإسلام لدى تلاميذه (١/ ٢١٨). وانظر قول ابن القيم في: زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧٠٨).
(٢) مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٨٩٣). وقد جاء هذا القول عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وابن عمر. وسوف أخرج هذه الأقوال في الأدلة إن شاء الله تعالى.
[ ١٨ / ٢٨٠ ]
وممن صح عنه هذه القول من سادة التابعين مسروق بن الأجدع، والإمام الحسن البصري، وعلقمة بن قيس النخعي، وجابر بن زيد، وعامر الشعبي (^١).
وقيل: ينقطع سفره، وهو قول الأئمة الأربعة، وبه قال بعض الصحابة، وكثير من مجتهدي هذه الأمة، على اختلاف بينهم في تحديد المدة التي إذا عزم على إقامتها انقطع سفره:
فقيل: إذا عزم على الإقامة خمسة عشر يومًا وجب عليه الإتمام، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الأقوال عن سعيد بن المسيب، وبه قال الإمام الثوري، والليث بن سعد، والمزني من الشافعية (^٢).
وقيل: إذا عزم على إقامة أربعة أيام بلياليها أتم، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال أبو ثور، وداود وأحد أقوال ابن المسيب، ولا يحسب يوم الدخول ويوم الخروج عند الشافعية، وعند ابن القاسم من المالكية، واعتمده خليل في مختصره (^٣).
_________________
(١) انظر العزو عنهم: في المسألة التي قبل هذه، فلا داعي للتكرار.
(٢) اشترط الحنفية أن يكون ذلك في موضع واحد، فأما إذا نوى الإقامة خمسة عشر يومًا في موضعين فلا ينقطع سفره. وأن يكون الموضع صالحًا للإقامة، كالأمصار والقرى، فأما المفازة، والجزيرة، والسفينة فليست بموضع للإقامة. انظر: الحجة على أهل المدينة (١/ ١٦٨)، الأصل، ط: القطرية (١/ ٢٦٣)، المبسوط (١/ ٢٣٦)، التجريد للقدوري (٢/ ٨٨١)، مختصر القدوري (ص: ٣٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١٥٠)، بدائع الصنائع (١/ ٩٧)، بداية المبتدي (ص: ٢٥). وانظر: قول سعيد بن المسيب، والليث بن سعد في الاستذكار (٢/ ٢٤٦)، المغني (٢/ ٢١٢). وفي اختلاف العلماء للطحاوي اختصار الجصاص حكى قولًا آخر لليث (١/ ٣٥٩). وانظر قول الثوري: سنن الترمذي، ت: شاكر (٢/ ٤٣١)، حلية العلماء (٢/ ١٩٩)، اختلاف العلماء للطحاوي، اختصار الجصاص (١/ ٣٥٩). وانظر قول المزني: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٦١)، المجموع (٤/ ٣٦٤)، حلية العلماء (٢/ ١٩٩)، شرح التلقين للمازري (٢/ ٩١٦).
(٣) جاء في النوادر والزيادات (١/ ٤٣٠): «من العتبية، قال عيسى: قال ابن القاسم: وإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بلياليهن أتم، ولا يحسب يوم دخوله، إلا أن يدخل أول النهار =
[ ١٨ / ٢٨١ ]
قال الشيرازي في التنبيه: «وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج أتمّ» (^١).
وقيل: إذا نوى الإقامة عشرين صلاة أتم، قال به سحنون وابن الماجشون وابن نافع، وابن المواز من المالكية، ورجحه أبو زيد القيرواني في الرسالة، والفرق بين قولهم وقول ابن القاسم أنهم اعتدوا بيومي الدخول والخروج (^٢).
_________________
(١) = فيحسبه أحب إلي. وقال سحنون في المجموعة، وفي كتاب ابنه، وقاله ابن الماجشون: إذا نوى إقامة عشرين صلاة، من وقت دخل إلى وقت يخرج، أتم». وقال خليل في مختصره: (ص: ٤٣): «ونية إقامة أربعة أيام صحاح». قال زروق في شرح الرسالة (١/ ٣٦٠): «القصر بشرطه تقطعه نية الإقامة أربعة أيام صحاح فأكثر، هذا مذهب ابن القاسم فيلغي يوم دخوله بعد الفجر، ويوم خروجه على المشهور في ذلك. وقال سحنون وعبد الملك: من يصلي فيه عشرين صلاة فيلفق يوم دخوله ليوم خروجه، وقاله ابن نافع». وانظر: المدونة (١/ ٢٠٧)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٩١)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٥٢)، النوادر والزيادات (١/ ٤٣٠)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥٢)، التوضيح (٢/ ٢٦)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٣٠)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٦)، التلقين (١/ ٥١). وانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢١٥)، الإقناع للماوردي (ص: ٤٩)، المهذب (١/ ١٩٥)، حلية العلماء (٢/ ١٩٩)، المجموع (٤/ ٣٥٩)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٧)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٤)، منهاج الطالبين (ص: ٤٤)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٣٥٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٥١٩)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٥٤)، الإنصاف (٢/ ٣٢٩)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٩). وروى مالك في الموطأ، رواية يحيى (١/ ١٤٩)، ورواية أبي مصعب (١/ ١٥١)، عن عطاء الخرساني، أنه سمع سعيد بن المسيب قال: من أجمع إقامة أربع ليال، وهو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي. وانظر: سنن البيهقي (٣/ ٢١١). وانظر: قول أبي ثور وداود الظاهري في: الاستذكار (٢/ ٢٤٣)، بداية المجتهد (١/ ١٨٠)، المغني (٢/ ٢١٢). واختلف الشافعية في الإقامة في غير موضع الإقامة كالمفازة والسفينة في البحر هل يصير مقيمًا على وجهين: أظهرهما يصير مقيمًا؛ لأنه نوى الإقامة. والثاني: لا يصير مقيمًا؛ لأنه ليس موضع الإقامة. انظر: التهذيب للبغوي (٢/ ٣٠٤).
(٢) التنبيه (ص: ٤١).
(٣) قال أبو زيد القيرواني في الرسالة (ص: ٤٦): «وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك». =
[ ١٨ / ٢٨٢ ]
وقيل: إذا نوى الإقامة أكثر من عشرين صلاة أتم، وإلا قصر، وبعضهم: يقول: إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، وهما بمعنى، وهذا هو المشهور عند متأخري الحنابلة، نص عليه صاحبا الإقناع والمنتهى (^١).
وعلى التعبير بالأيام يحسب يوم الدخول ويوم الخروج على الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية في مقابل الأصح (^٢).
وقيل: إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وابن قدامة، وقال: هذا المشهور عن أحمد. وقال ابن رجب: هذا مذهب أحمد المشهور عنه، واختيار أصحابه (^٣).
_________________
(١) = وظاهر كلام أبي زيد الاعتداد بيوم الدخول والخروج، وهو قول سحنون وابن الماجشون وابن نافع، وابن المواز، خلافًا لابن القاسم. قال ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٣٤): «هذا أصل مختلف فيه في العدد والأيمان، فهذا على ذلك، والقياس البناء على بعض اليوم، والاحتياط أن يلغي بعض اليوم، ويبتدئ الذي يليه من أوله».
(٢) قال أبو يعلى في الروايتين والوجهين (١/ ١٧٨): «إذا نوى إقامة زيادة على أربعة أيام أتم في أصح الروايتين». فعبر بالأربعة الأيام، ووافقه أبو الخطاب في الهداية (ص: ١٠٤). وعبر صاحب المنتهى كما في دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٥)، وصاحب الإقناع (١/ ١٨٢): بالإقامة أكثر من عشرين صلاة. ونص على ذلك ابن هانئ في مسائله لأحمد (٤٠٣)، وانظر الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٥٥٧). قال في الإنصاف (٢/ ٣٢٩): «وهذه الرواية هي المذهب …». وقال أبو يعلى: هذه أصح الروايتين، وقال ابن عقيل: هذه المذهب. انظر: المحرر في الفقه على مذهب أحمد (١/ ١٣٢)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٥)، الإقناع (١/ ١٨٢)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٨٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٥)، الممتع شرح المقنع (١/ ٥٠٩)، الوجيز (ص: ٨٧)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٨).
(٣) التهذيب في فقه الشافعي (٢/ ٣٠٤)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٧)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٩).
(٤) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسائله (٤٢٤): سألت أبي عن المسافر إذا قدم بلدًا توطن فيه على إقامة كم يؤمر أن يؤم فيه بالصلاة؟ قال إذا نوى أن يقيم إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن نوى أكثر من ذلك يتم». وانظر: مختصر الخرقي (ص: ٣٠)، المغني (٢/ ٢١٢)، المقنع (ص: ٦٥)، الكافي (١/ ٣١٠)، المبدع (٢/ ١٢١)، الإنصاف (٢/ ٣٢٩).
[ ١٨ / ٢٨٣ ]
جاء في الفروع: «وإن نوى إقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة لم يترخص، وإن نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة فعلى روايتين، وإن لم ينو إقامة مدة معينة بل أقام لحاجته ترخص وإن طال الزمان» (^١).
وقيل: إذا نوى إقامة تسعة عشر يومًا أتم، وهو مذهب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه، واختاره الخطابي (^٢).
وقيل: إذا أقام في مكان عشرين يومًا بلياليها قصر، فإن أقام أكثر أتم، وهذا اختيار ابن حزم (^٣).
وقيل: إذا أقام اثني عشر يومًا أتم الصلاة، وهو مذهب الأوزاعي (^٤).
وقيل: إذا أقام يومًا وليلة، وهو قول ربيعة الرأي (^٥).
هذه تسعة أقوال حكيت في المسألة، وهي أهم ما قيل فيها، وقد حكي فيها أقوال كثيرة غير هذه حتى أوصلها بعض أهل العلم إلى أربعة عشر قولًا، وبعضهم إلى عشرين قولًا (^٦).
_________________
(١) الفروع (٣/ ١٠٢).
(٢) سيأتي أثر ابن عباس في الأدلة إن شاء الله تعالى. وانظر قول الإمام إسحاق بن راهويه: في سنن الترمذي (٢/ ٤٣١)، حلية العلماء (٢/ ١٩٩). وانظر قول الخطابي: في أعلام الحديث شرح البخاري (١/ ٦٢٥).
(٣) المحلى (٣/ ٢١٦).
(٤) للأوزاعي قولان في المسألة: أحدها هذا، انظر: سنن الترمذي (٢/ ٤٣١)، شرح البخاري لابن بطال (٣/ ٧٥). والثاني: إذا أقام المسافر ثلاثة عشر يومًا أتم، وإن نوى أقل من ذلك قصر. انظر: الاستذكار (٢/ ٢٤٦، ٢٤٧)، اختلاف العلماء للطحاوي، اختصار الجصاص (١/ ٣٥٩).
(٥) الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٦١)، الإشراف على مذاهب العلماء (٢/ ٢٠٧). وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٦٨): «وقال ربيعة قولًا شاذًّا: إن من أقام يومًا وليلة أتم الصلاة».
(٦) انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٥ - ٣٦٢)، شرح التلقين للمازري (٢/ ٩١٦)، وذكر العيني في عمدة القارئ شرح البخاري (٧/ ١١٥) اثنين وعشرين قولًا. وبعض الأقوال يمكن أن يتداخل مع بعض. وذكر ابن عبد البر في الاستذكار أحد عشر قولًا. انظر: الاستذكار (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٩).
[ ١٨ / ٢٨٤ ]
سبب الخلاف:
هل الأصل: أن كل من أقام في أثناء سفره، لزمه الإتمام؛ لأن المقيم خلاف المسافر، إلا ما نقل عن النبي ﷺ أنه أقام وقصر الصلاة، فذلك مستثنى بالنص، وقيل: وبالإجماع.
أو أن الأصل: أن المسافر باقٍ على سفره، فيستصحب هذا الحكم، ولا ينقطع بالإقامة ما لم ينو إقامة مطلقة باتخاذ ذلك الموضع وطنًا، أو يرجع إلى بلده؟.
وللجواب يقال: لا يوجد نص مرفوع صريح في المسألة يقطع النزاع، وكون النصوص ليست باتة فهذا يراد منه التوسعة، وما كان ربك نسيًّا.
وقد أقام النبي ﷺ في سفره وقصر الصلاة، وهي مجرد أفعال، ولم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ أتم في أثناء إقامته في سفره، فهل يستفاد من هذا الفعل حدٌّ بين الإقامة التي لا تنافي القصر، والإقامة التي توجب الإتمام، وهي مجرد حكاية فعل؟
وهل الاحتياط فيما زاد على هذه المدة الإتمام؛ لأنه قول أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وصرح به ابن عمر وابن عباس وعلي ﵃، ونسب جماعة من أهل العلم القول به لعثمان بن عفان ﵁ (^١).
_________________
(١) ما جاء مسندًا عن عثمان ﵁ لم يذكر عدد الأيام. فقد روى أبو داود في السنن (١٩٦١): حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، أن عثمان صلى بمنى أربعًا؛ لأنه أجمع على الإقامة بعد الحج. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٧) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر به. وهذا إسناد منقطع؛ الزهري لم يدرك عثمان ﵁. والإقامة المطلقة في مكة محرمة على عثمان ﵁؛ لأنه من المهاجرين، ولذلك قال المازري في التلقين (٧/ ٤٣٦): «وقال الزهري: بلغني أن عثمان إنما أتم لأنه أزمع المقام بعد الحج فلعله يريد أزمع المقام أربعة أيام لضرورة دعته إلى ذلك». وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى (١/ ٢٦٧): «وروى معمر عن الزهري أنه بلغه أن عثمان إنما أتم؛ لأنه أزمع المقام بعد الحج، ولا يمتنع ذلك إذا كان له أمر أوجب مقامه أربعة أيام لضرورة دفعته إلى ذلك». وروى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا. وهذا ضعيف أيضًا؛ لانقطاعه، ولم يذكر مدة الإقامة، وقطعًا لا يصح حملها على الإقامة المطلقة؛ لأن عثمان رجع إلى المدينة، وقتل فيها ﵁. لأن المأذون للمهاجر المقام ثلاثة أيام فقط، كما سيأتي ذكره في الأدلة. =
[ ١٨ / ٢٨٥ ]
ولأن الأصل الإتمام عند التردد.
ولأن القصر سنة على الصحيح، والإتمام جائز مطلقًا فيكف إذا كان الإتمام للاحتياط لصحة الصلاة ومراعاة لخلاف أكثر أهل العلم.
أو يقال: إن القصر جائز؛ فإذا لم تمنع إقامة النبي ﷺ في السفر من القصر، لم تمنع منه فيما زاد على ما ورد؛ لأن الأفعال لا تقتضي التحديد، فمن أين لنا أن النبي ﷺ لو زاد يومًا واحدًا على مقامه ذلك أتم؟
ولأن الإقامة في أثناء السفر لو كانت تقطع حكم السفر لوجب بيان ذلك في النصوص حتى يتبين للناس ما يتقون، فالمسألة تتعلق بالصلاة والصيام، وهما من أركان الإسلام.
ولأن التسوية بين الإقامة في بلده وبين الإقامة في أثناء سفره مخالف للسنة، ولما عليه أكثر الصحابة رضوان الله عليهم.
_________________
(١) = وثابت عن عثمان ﵁ أنه أتم في منى، وأنه تأول ذلك كما قال الزهري، ولم يذكر لي من وجه صحيح وجه تأول عثمان ﵁، وقد قيل في ذلك أقوال كثيرة ذكرت أكثرها في مبحث سابق، والله أعلم. وما جاء عن عثمان غير مسند فلا يمكن الاحتجاج به، ومن ذلك: ما جاء في المدونة (١/ ٢٠٩): قال سحنون: «قال ابن وهب: … كان عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب يقولان: إذا أجمع المسافر على مقام أربعة أيام أتم الصلاة. وجاء في مختصر المزني المطبوع بآخر كتاب الأم (٨/ ١١٨): «وروي عن عثمان بن عفان من أقام أربعًا». وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٦٧): «وقد روي عن عثمان بن عفان أنه قال من أزمع مقام أربع فليتم». وذكر مثله الماوردي في الحاوي (٢/ ٣٧١)، وابن يونس في الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٢٠)، ومصدره ما ذكره سحنون في المدونة. وذكره أبو يعلى الحنبلي في التعليقة الكبرى (٣/ ١٧). وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٢١٢): «ويروى هذا القول عن عثمان ﵁». يعني وجوب الإتمام إذا أقام أربعة أيام. وذكره النووي في المجموع (٤/ ٣٦٤). فما ذكره الزهري عن عثمان ذكره بلاغًا، والبلاغات ضعيفة.
[ ١٨ / ٢٨٦ ]
ولأن القائلين بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول. والله أعلم.
قال ابن رشد: «وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه ﵊ أنه أقام فيها مقصرًا، أو أنه جعل لها حكم المسافر» (^١).
إذا وقفت على سبب الخلاف نأتي إلى ذكر الأدلة.
دليل من قال: إذا عزم على الإقامة أربعة أيام عدا يومي الدخول والخروج أتم:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وجه الاستدلال:
الضرب في الأرض هو السير فيها، ومع الإقامة ينتفي الضرب في الأرض، فالمقيم غير المسافر، والأصل في المقيم أن يتم الصلاة؛ لكن ثبت القصر في أقل من أربعة أيام بإقامة النبي ﷺ في مكة في حجة الوداع، فكان ذلك مستثنى بالنص، فمن زاد عليها وجب عليه الإتمام.
وسوف يأتي في الدليل التالي مقام النبي ﷺ في حجة الوداع، ووجه الاستدلال به على هذه المدة إن شاء الله تعالى.
وأجيب عن ذلك:
الجواب الأول:
الضرب في الأرض: هو قطع المسافة، وهو شرط في تحقق السفر المبيح
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ١٨٠).
[ ١٨ / ٢٨٧ ]
للقصر، فإذا ضرب في الأرض حتى قطع المسافة المبيحة للترخص حق له الترخص، ولو أقام في أثناء سفره،، ولا يستفاد من الآية: أن القصر والفطر لا يباحان إلا حال الضرب بدليل قوله تعالى: ﴿مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
فقوله: (على سفر) يشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته أثناء سفره، فكلاهما على سفر، وما أباح الفطر أباح القصر.
ولو كان الترخص لا يباح إلا حال الضرب لامتنع القصر والفطر مع الإقامة مطلقًا، وقد قصر النبي ﷺ مع الإقامة في حجة الوداع، وفي فتح مكة، وفي غزوة تبوك، والسنة تبين القرآن.
ولم ينقل عن النبي ﷺ قط أنه أتم في سفره بسبب الإقامة، وقصر ابن عمر ستة أشهر حين حبسه الثلج في أذربيجان، فدل على أن المقيم في أثناء السفر لا ينتفي عنه وصف السفر، فإذا تحقق الضرب في الأرض المبيح للقصر فلا جناح عليه أن يقصر من الصلاة، ولو أقام في أثناء سفره.
والقول بأن هذه إقامة لا يدري معها متى يرجع، هذا التقييد للنصوص لم يأت به نص، والنص الشرعي لا يقيده، ولا يخصصه إلا نص مثله أو إجماع، ولا نص ولا إجماع.
الجواب الثاني:
الضرب في الأرض تارة يكون للجهاد وتارة يكون للتجارة، وتارة يكون لغيرهما، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:: ٩٤].
وقال تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: الآية: ٢٠].
فأباح الله تعالى القصر للضاربين في الأرض مطلقًا، ومن المعلوم أن بعض التجار ينوي البقاء أكثر من أربعة أيام لشراء السلع، وبيع ما معه منها، ويتحرى التجار هذه المواسم، ولم يستثن الله ﷿ ضاربًا من ضارب، ولا حالًا من حال، فدل على عمومه، ولو كان ثمت ضارب يجب عليه الإتمام لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فلما لم يأت ما يخصص أو يقيد النصوص
[ ١٨ / ٢٨٨ ]
المقيدة والعامة وجب العمل بإطلاقها وعمومها؛ لأن كل نص جاء مطلقًا أو عامًّا فإنه يجب إبقاؤه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه.
قال ابن تيمية: «التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة، أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس، وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام، ولا يحد الناس في ذلك حدًّا» (^١).
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٩٤) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (^٢).
(ح-٣٤٩٥) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (^٣).
فالنبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الأحد بعد أن صلى الصبح خارج مكة، وكان عازمًا على الإقامة فيها، إلى أن صلى فيها الصبح يوم الخميس يوم التروية الموافق الثامن من ذي الحجة، ثم خرج منها إلى منى، كل ذلك يقصر الصلاة، فكان مقامه أقل من أربعة أيام، فما زاد على ذلك قصر.
قال الإمام أحمد أيضًا: «ما نعلم النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته هذه» (^٤).
وقال ابن خزيمة: «لست أحفظ في شيء من أخبار النبي ﷺ أنه أزمع في شيء من
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٤٠).
(٢) صحيح البخاري (١٥٧٤)، وصحيح مسلم (٢٢٦ - ١٢٥٩).
(٣) صحيح البخاري (١٥٦٤)، وصحيح مسلم (١٩٨ - ١٢٤٠).
(٤) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٦٧٩).
[ ١٨ / ٢٨٩ ]
أسفاره على إقامة أيام معلومة غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع …» (^١).
فإذا كان لا يعلم أن النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته تلك، وقد قصر في هذه المدة، فما زاد فالأصل فيه الإتمام؛ لأن الأصل أن حكم الإقامة مخالف لحكم السفر؛ وقد أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا حتى يتبين حكم ما اختلفوا فيه.
وإنما لم يحسب يوم الدخول عند الشافعية وابن القاسم من المالكية؛ لأن النبي ﷺ كان شارف مكة اليوم الثالث، فبات قبل دخولها، والنهار لا اعتداد به عند العرب، فلما صلى الصبح دخل مكة، أو أن النبي ﷺ لما سار أول النهار حتى دخل مكة، والمسافر لا يستوعب النهار بالسير، إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج مسافر في بعض النهار، فكان في حكم المسافر فيهما، وليس في حكم المقيم.
ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر.
فكان مقام النبي ﷺ في مكة على هذا التقدير: ثلاثة أيام، الخامس والسادس والسابع، ثم خرج في اليوم الثامن بعد أن صلى الصبح، وهو فيه في حكم المسافر، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، فمن أقام مثل هذه المدة قصر الصلاة، ومن زاد عليه لزمه الإتمام احتياطًا.
ونوقش هذان الدليلان من وجوه:
الوجه الأول:
واضح من النصوص أن السفر على قسمين:
سفر حقيقي: وهو الرجل ما دام على جادة سيره. وهذا لا نزاع فيه.
وسفر حكمي، وهو: إعطاء حكم الإقامة حكم السفر، وهذا ثابت في الإقامة أربعة أيام من فعل النبي ﷺ في حجة الوداع.
فإذا ثبت السفر الحكمي في بعض الإقامة كالأربعة أيام فالأصل استصحابه فيما زاد على ذلك حتى يرجع إلى بلده أو ينوي الاستيطان الدائم، ولا يحكم بقطع السفر
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٧٥).
[ ١٨ / ٢٩٠ ]
الحكمي مع بقاء نية السفر إلا بدليل صحيح صريح؛ لأن الحكم بانقطاع السفر حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، وقد ثبت حكم السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين.
ولا يستوي إقامة الرجل في بلده وإقامة المسافر في أثناء سفره، ومن ساوى بينهما فقد خالف السنة، وما عليه أكثر الصحابة.
الوجه الثاني:
كون النبي ﷺ وقع له اتفاقًا البقاء في مكة أربعة أيام هذا الفعل لا يستفاد منه التحديد، فلا يوجد نص مرفوع يقضي بأن المسافر إذا أقام أكثر من ذلك انقطع حكم سفره. وإذا كانت الإقامة ثلاثة أيام أو أربعة أيام على تقدير عشرين صلاة لا تنفي حكم السفر، فكذلك ما زاد عليها، فمن أين لكم أنه لو قدم اليوم الثالث أو الثاني كان عليه الإتمام في الصلاة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام، ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك. ولو كان هذا حدًّا فاصلًا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين» (^١).
فمن أراد التفريق بين إقامة وأخرى فعليه الدليل من النصوص، فالمقادير المحدودة بعدد معين لا بد لها من توقيف، ولا تترك هكذا، فكل أحكام الشريعة التي علقت بعدد معين أو بمدة معينة تأتي النصوص فيها بينة واضحة كالمسح على الخفين في الإقامة والسفر، وبقاء المهاجر في مكة بعد الفراغ من النسك بثلاثة أيام، وبيان عدة المطلقة بأنواعها، وبيان عدة المتوفى عنها زوجها من حامل وحائل إلى غيرها من الأحكام المعلقة بمدد معينة، كلها تأتي النصوص فيها واضحة بينة، فكيف يهمل مثل ذلك في أعظم أركان الإسلام العملية.
الوجه الثالث:
قولكم: (ما زاد على مقام النبي ﷺ في حجة الوداع فالأصل فيه الإتمام) غير مسلم؛ لأنه معارض بما قدمنا: أن الأصل بقاء حكم السفر، وما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٨).
[ ١٨ / ٢٩١ ]
ولأن السنة فرقت بين إقامة الرجل في بلده وبين إقامة المسافر أثناء السفر.
وإذا كانت إقامة عشرين صلاة أربعة أيام لا تقطع حكم السفر لم يقطعه ما زاد على ذلك إلا بدليل، ولا دليل.
الوجه الرابع:
من المؤكد أن هناك من أصحاب النبي ﷺ من جاء للحج قبل النبي ﷺ بيوم أو أكثر، فزادت إقامتهم على أربعة أيام، وهناك منهم من سيتأخر في مكة بعد الفراغ من الحج، فلو كان الحكم في حقهم وجوبَ الإتمام لَوَجَبَ على النبي ﷺ أن يُبيِّنه لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، كما قام النبي ﷺ بإبلاغ المهاجر ألا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، فلما لم يمنع النبي ﷺ هؤلاء من الترخص، علم أن الإتمام ليس بواجب.
الوجه الخامس:
لو تنزلنا وقلنا: إن الإقامة في أثناء السفر تقطع حكم السفر لم يصح القول بانقطاعه في أربعة أيام، فالوارد عن ابن عمر من رواية سالم ونافع: اثنا عشر يومًا، ومن رواية مجاهد عنه: خمسة عشر يومًا.
والوارد عن ابن عباس: إقامة تسعة عشر يومًا.
والوارد عن علي ﵁ إقامة عشرة أيام، هذه هي الأقوال المسندة عن بعض الصحابة، ليس منها ما يقضي بانقطاع السفر في الإقامة أربعة أيام، فأقلها عشرة أيام، وأكثرها تسعة عشر يومًا، وقد خرجتها في المسألة التي قبل هذه.
نعم نسب القول بإقامة أربعة أيام إلى عثمان ﵁، إلا أني لم أقف عليه مسندًا عنه، والحجة إنما في المسند الصحيح، والثابت عن عثمان أنه أتم في منى، وهي حكاية فعل، ولم يكن هناك نص ثابت عن عثمان عن سبب إتمامه بمنى، لهذا ذهب العلماء في تأويل فعل عثمان إلى أقوال كثيرة، لا يثبت منها شيء عن عثمان (^١).
_________________
(١) سبق لي ذكر كلام العلماء في تأويل جمع عثمان، من ذلك: ما رواه أبو داود (١٩٦٤) من طريق حماد، عن أيوب، عن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناس أربعًا؛ ليعلمهم أن الصلاة أربع. وهذا مع كونه لا يصح عن عثمان، فقد كان الأعراب في حجة الوداع خلف النبي ﷺ، وهم أحدث عهد بالإسلام منهم في عهد عثمان ﵁، ومع ذلك لم يدع النبي ﷺ القصر. وروى أبو داود (١٩٦٣) من طريق ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا، قال: ثم أخذ به الأئمة بعده. ولا يصح هذا؛ لأن الزهري لم يدرك عثمان، وهذا يخالف ما رواه أيوب عن الزهري. وروى الإمام أحمد (١/ ٦٢) من طريق عكرمة بن إبراهيم الباهلي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ قول: من تأهل في بلد فليصلّ صلاة المقيم. ضعيف، وسبق تخريجه، إلى غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم، وليس في شيء منها أن عثمان إنما أتم لأنه نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، والله أعلم.
[ ١٨ / ٢٩٢ ]
قال ابن عبد البر: «ولا يصح عندي منها إلا أنه اختار التمام؛ لعلمه بصحة تخيير المسافر بين القصر والتمام» (^١).
وقال النووي في شرحه على مسلم: «الصحيح الذي عليه المحققون أنهما -أي عثمان وعائشة- رأيا القصر جائزًا، والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين، وهو الإتمام» (^٢).
وإذا لم يثبت الحدُّ بأربعة أيام بنصٍّ مرفوع صريح، ولا بأثرٍ موقوف صحيح، ضعف منزع القول به، وإن قال به الجمهور، فإن أئمتنا يستدل لأقوالهم ولا يستدل بها، ولو كان الاستدلال من إقامة النبي ﷺ عام حجة الوداع صحيحًا، وأن ذلك حد ما بين المسافر والمقيم لكان أولى الناس في فهم هذا القول هم الصحابة رضوان الله عنهم، فلمَّا لم تجد أحدًا من صحابة النبي ﷺ يقول بانقطاع حكم السفر بالإقامة أربعة أيام عُلم أن القول به مرجوح، وكل قول لا يؤثر عن الصحابة في مسألة وقعت في عصرهم فما أشدَّ وهنَه، ولو قال به الجمهور، فلا عصمة لقول الجمهور، وإن كانت الكثرة مظنة الإصابة غالبًا.
ومالك في الموطأ لم يحتج لهذا القول بسنة، ولا بأثر عن صحابي، وإنما ذكر أن هذا هو قول سعيد بن المسيب، وهو أحب ما سمع في المسألة.
(ث-٩٧٥) روى مالك في الموطأ، عن عطاء الخراساني، أنه سمع سعيد بن
_________________
(١) الاستذكار (٢/ ٢٢٧).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٩٥).
[ ١٨ / ٢٩٣ ]
المسيب قال: من أجمع إقامة أربع ليالٍ، وهو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي (^١).
فما كان للإمام مالك أن يحتج بقول سعيد بن المسيب، وهو من سادة التابعين لو كان في الباب سنة أو أثر صحيح.
وحاول ابن العربي توجيه احتجاج مالك في قول ابن المسيب، فقال: «سعيد بن المسيب صحب سبعين بدريًّا، ومن الصحابة جملة وافرة، ووعى علمًا كثيرًا فأفتى بهذه الفتوى، ولا يقتضيها النظر، ولا يعطيها القياس، فكانت حجة على ما أشرنا إليه من أصله، والله أعلم» (^٢).
يريد أن يقول: إن قول سعيد لا يعرف بالرأي، فله حكم الرفع.
وهذا التوجيه ضعيف، لأن التابعي إذا قال قولًا مما لا مجال للرأي فيه ليس له حكم الرفع، وإنما هذا خاص في قول الصحابة، كيف وقول سعيد بن المسيب مخالف لما جاء عن ابن عمر وابن عباس، وعلي ﵁ كما تقدم بيانه في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.
الوجه السادس:
أن أنس بن مالك جعل إقامة النبي ﷺ في المشاعر كلها التي حول مكة في حكم الإقامة في مكة، وكذلك نقل نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، وهو ظاهر النصوص أن الحرم كله مكان واحد، كما قدمت في المسألة التي قبل هذه.
(ح-٣٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
فاعتبر أنس ﵁ مقام النبي ﷺ في المشاعر من الإقامة بمكة.
وروى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٤٩)، وعطاء الخرساني وثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم، وتكلم في حفظه، وقد تكلم في حفظه البخاري وشعبة، وقال الحافظ: صدوق يهم كثيرًا.
(٢) القبس شرح الموطأ (ص: ٣٣٤).
[ ١٨ / ٢٩٤ ]
[صحيح] (^١).
فقوله: (أقام بمكة) أي من أجل النسك؛ لأن المهاجر ممنوع من الإقامة بمكة عشرًا، واتفق أنس وابن عمر في جعل الإقامة بالمشاعر من الإقامة بمكة، فالتنقل بين المشاعر لا يعد إحداثًا لسفر جديد، فكلها تابعة لمكة، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، فإذا بلغ الهدي أو الفدية أي موضع من الحرم فَنَحَر فيه فقد بلغ الكعبة.
وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
وإنما كان الصد عن الحرم كله.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأهل الحرم من حاضري المسجد الحرام: والحاضر ضد المسافر. وعلى هذا لو كان يستفاد من الفعل التحديد لقيل بالتحديد بالعشرة، فما زاد فيتم، والله أعلم.
وكون الجمهور جعلوا توجه النبي ﷺ من مكة إلى منى يوم التروية شروعًا في سفر جديد، وقطعًا لإقامته في مكة فهذا لم يؤثر عن أحد من الصحابة، وهو مخالف لقول أنس ﵁، ومخالف لما نقله نافع، عن ابن عمر.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٩٧) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد، فقال السائب:
سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثلاث ليالٍ يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر (^٢).
وفي رواية لمسلم: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا (^٣).
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٤٨).
(٢) صحيح البخاري (٣٩٣٣)، وصحيح مسلم (٤٤٣ - ١٣٥٢).
(٣) صحيح مسلم (٤٤٢ - ١٣٥٢).
[ ١٨ / ٢٩٥ ]
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ جعل مقام المهاجر في الثلاث مسافرًا، وذلك أن المهاجر لا يجوز له أن يتخذ مكة دار إقامة؛ لأنه تركها وهاجر إلى الله ورسوله، فحكمه في الإقامة بمكة ثلاثة أيام حكم المسافر، فوجب بهذا أن يكون من نوى المقام أكثر من ثلاث فهو مقيم ومن كان مقيمًا لزمه الإتمام، ووجب أن تكون الثلاث فصلًا بين السفر والإقامة.
(ث-٩٧٦) وقد روى مالك في الموطأ رواية أبي مصعب، عن نافع، عن أسلم، مولى عمر بن الخطاب،
أن عمر بن الخطاب ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليالٍ يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال.
[صحيح] (^١).
قال ابن عبد البر والمازري: وقد جعل عمر ﵁ لأهل الذمة لما أجلاهم من الحجاز إذا قدموا أن يقيموا ثلاثًا، فدل على أن ما زاد على الثلاث في حكم الإقامة.
وقد جعل الله الثلاثة قريبًا. قال تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٤ - ٦٥] (^٢).
ولما كان المسافر لا بد له من إقامة تتخلل سفره سقط اعتداد قليل الإقامة وافتقر إلى حد فاصل بين القليل منها والكثير، فكان التحديد بالثلاث أولى لما قدمناه من الأدلة.
_________________
(١) ورواه القعنبي كما في الأوسط لابن المنذر (١١/ ٢٦). ويحيى بن بكير كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١١) و(٩/ ٣٥٣)، وفي معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٦٩)، وفي الخلافيات (٢٦٦٤)، كلاهما عن الإمام مالك به. وصححه أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم، ت الحميد (٨٣١).
(٢) الاستذكار (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥)، شرح التلقين (٢/ ٩١٧).
[ ١٨ / ٢٩٦ ]
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
هذه الأحاديث لم تسق في معرض بيان الفرق بين المسافر والمقيم حتى يمكن الاستدلال بها على مسألة إقامة المسافر، خاصة أن هذه الإقامة حدثت في سفر النبي ﷺ، ولم تمنع من الترخص.
قال ابن تيمية: «ليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم، بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك. فعلم أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس. قال ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) (^١).
وقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (^٢)» (^٣).
فلا يقاس ما كان جنسه محظورًا، فأبيح القليل منه، على حكم القصر، وهو مسنون، فالمقيم لا يجوز له القصر، ولو كان فرضًا واحدًا، فلما استحب القصر للمسافر مع الإقامة العارضة دل على قيام سببه، وهو السفر، ولا يقطعه إلا الرجوع إلى بلده، أو نية الإقامة الدائمة.
الوجه الثاني:
أن هذا الحكم خاص من حيث الأشخاص بالمهاجر بخلاف غيره فيباح له الإقامة بمكة أكثر من ثلاث، وخاص من حيث المكان بمكة، فلا يشمل غيرها، وخاص من حيث الزمن بعد الفراغ من النسك، فلو قدم المهاجر للحج قبل الموسم بشهر وبقي إلى الموسم لم يمنع من البقاء في مكة، فلا يصح تعميم ما كان خاصًّا بالأشخاص والزمن والمكان على جميع المسافرين ولجميع الأماكن، فالحكم لا علاقة له بتحديد مدة الإقامة المانعة من الترخص، وإنما رخص لهم بالثلاث بعد الفراغ من النسك؛ لأنها مظنة قضاء الحاجة، والتهيؤ للسفر.
_________________
(١) صحيح البخاري (١٢٨١)، صحيح مسلم (٥٨ - ١٤٨٦).
(٢) صحيح البخاري (٦٠٦٥)، صحيح مسلم (٢٣ - ٢٥٥٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٩).
[ ١٨ / ٢٩٧ ]
وسؤال آخر: هل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ثم تدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال؟
الدليل الرابع:
أن وجوب الإتمام هو مقتضى الاحتياط للعبادة.
قال الأثرم: «قلت له -أي للإمام أحمد-: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم» (^١).
وقال ابن تيمية: «وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطًا» (^٢).
وقال أبو ثور: «لما أجمعوا على ما دون الأربع، أنه يقصر فيها، واختلفوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يتم، وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف» (^٣).
وقال الإمام الشافعي: «أن يتم وله أن يقصر أحب إلينا من أن يقصر، وعليه أن يتم» (^٤).
ويجاب:
إذا كان منزع الحكم بالإتمام هو الاحتياط، وليس ظهور الأدلة، فما فعل احتياطًا، لا يقال بوجوبه، ولا يحكم بفساد صلاة من قصر الصلاة إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن إبطال العبادات لا يجوز إلا بحجة بينة، والأصل صحة الصلاة.
وقولكم: أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا.
إنما أجمعوا على المقيم الذي لم يحدث سفرًا، ولم يجمعوا على المقيم في سفره، فالقول بأنه يلزمه الإتمام ليس أخذًا بما اجتمعوا عليه، بل هو أخذ بما اختلفوا فيه، وذلك أن القصر واجب عند الحنفية ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا.
أيضًا الفقهاء لم يجمعوا على ما دون الأربع، حتى قال ربيعة: من أقام يومًا وليلة أتم صلاته.
الدليل الخامس:
أن الحكمة من مشروعية القصر والفطر للمسافر تخفيف مشقة السفر، ومن
_________________
(١) المرجع السابق (٢٤/ ١٤١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٤٠)
(٣) التمهيد، ت: بشار (٧/ ٣٤٥).
(٤) معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٧٠).
[ ١٨ / ٢٩٨ ]
أقام أربعة أيام فقد ألقى عنه تعب السفر.
(ح-٣٤٩٨) روى البخاري ومسلم من طريق سمي، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله (^١).
قال الشنقيطي: «القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة أيام فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه» (^٢).
ويجاب عن ذلك:
المشقة: هي الحكمة من مشروعية القصر، وليست علة للقصر، فالقصر علته السفر، فلو صحب السفر ترف لا مشقة فيه كما يكون في سفر الملوك والأمراء، لم يبطل ذلك أحكام الترخص.
والمسافر اليوم يذهب بالطائرة، ويقيم في أفخم الفنادق التي توفر أطايب الطعام للمسافر، مما يجعل السفر راحة ومتعة تفوق راحة المقيم، وكل ذلك لا يجعل القصر ممنوعًا على المسافر؛ لانتفاء المشقة، والله أعلم.
دليل من قال: لا يقصر إلا إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام:
(ح-٣٤٩٩) وروى الإمامان البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (^٣).
وجه الاستدلال:
فالنبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الأحد بعد أن صلى الصبح خارج مكة، وكان عازمًا على الإقامة فيها، إلى أن صلى فيها الصبح يوم الخميس، ثم خرج منها إلى منى، كل ذلك يقصر الصلاة.
فصلى يوم الأحد أربعة أوقات، وصلى يوم الخميس الصبح، فمجموع ذلك
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٤٢٩)، وصحيح مسلم (١٧٩ - ١٩٢٧).
(٢) أضواء البيان، ط: عطاءات العلم (١/ ٤٣٨).
(٣) صحيح البخاري (١٥٦٤)، وصحيح مسلم (١٩٨ - ١٢٤٠).
[ ١٨ / ٢٩٩ ]
خمسة أوقات، وصلى ثلاثة أيام كاملة: خمس عشرة صلاة، فالمجموع عشرون صلاة، أربعة أيام، فإن زاد مقامه على أربعة أيام أتم.
وهذا القول قائم على احتساب عدد الصلوات، وهو أجود من إلغاء يومي الدخول والخروج.
ويرد على هذا القول ما ورد على القول الأول؛ لأن الخلاف بينهما هو في طريقة احتساب مقامه ﷺ في مكة، ويكفي أن هذا القول لا يؤثر عن صحابي، والله أعلم.
دليل من قال: لا يقصر إلا إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة:
هذا القول دليله دليل القول السابق، والخلاف معه في طريقة احتساب الأيام، فعدَّ صلاة يوم الأحد يومًا كاملًا؛ لأن بياته بذي طوى وصلاته الصبح فيها لا يخرجه عن مقامه في مكة؛ لأن ذي طوى قريبة جدًّا من المسجد الحرام، مع ثلاثة الأيام، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح يوم التروية في الأبطح تمام إحدى وعشرين صلاة، وقد قصر النبي ﷺ فيهن الصلاة، فما زاد على ذلك لزمه الإتمام.
وأجيب:
يجاب عن هذا القول بما أجيب به القول السابق، بأن القول هذا لا يؤثر عن صحابي واحد من أصحاب النبي ﷺ.
وما نقل من قصر النبي ﷺ في حجة الوداع، أو في فتح مكة، أو في غزوة تبوك -مع إقامته فيها مددًا مختلفة- حكاية أفعال تفيد جواز القصر في مثل هذا العدد، ولا تفيد منع القصر فيما زاد عليها، وإذا وجدت أحكام السفر مع الإقامة في أثنائه، دل على أن إقامة المسافر لا تنافي الترخص، فمن أراد أن يخرجه من أحكام السفر في غيرها من المدد فعليه الدليل.
يقول شيخ الإسلام: «من جعل للمقام حدًّا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وإما خمسة عشر، فإنه قال قولًا لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة. فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى مسافر، ومقيم وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن، وهذا التقسيم لا دليل عليه
[ ١٨ / ٣٠٠ ]
من جهة الشرع، فالناس إما مسافر، وإما مقيم» (^١).
ومن خرج من بيته مسافرًا فله أن يترخص من غير فرق بين كونه مقيمًا في سفره، وبين كونه قد جدَّ به السير، ولا يقطع حكم السفر إلا أمران: أن ينوي الإقامة المطلقة، وذلك بتغيير محل الإقامة، أو يرجع إلى بلده.
دليل من قال: المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده:
الدليل الأول:
كل حَدٍّ للعبادة بزمن أو مكان أو عدد فلا بد له من دليل، ولم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة، فالإقامة في السفر إما أن تكون مع رفض السفر، أو لا، فالأولى تمنع من الترخص قولًا واحدًا، بخلاف الثانية فلا تمنع؛ لبقاء نية السفر، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر) (^٢)، فأطلق عليه وصف السفر مع نية الإقامة للمناسك، فإذا صدق اسم السفر على المقيم أثناء سفره لم يمنع من الترخص، فمن ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره ترفع عنه وصف السفر، وتمنعه من الترخص فعليه الدليل، ولا يكفي القول بأن النبي ﷺ لم يقصر إلا في هذه المدة، فما زاد عليها فلا يقصر؛ لأن الأفعال التي تقع اتفاقًا لا يستفاد منها التحديد؛ ولأن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٠٠) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن سعيد بن شفي،
عن ابن عباس، قال: جعل الناس يسألونه عن الصلاة في السفر، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من أهله لم يصلِّ إلا ركعتين حتى يرجع إلى أهله.
[صحيح] (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٧).
(٢) صحيح عن عمر، وروي مرفوعًا ولا يصح، وقد سبق تخريجه.
(٣) الحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٨٦٠)، وعنه عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (٦٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٨). ومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (١/ ٢٤١)، وحجاج بن محمد كما في زوائد عبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٢٨٥). وعبد الرحمن بن مهدي كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٩)، وحلية الأولياء (٧/ ١٨٨). وأبو النضر: هاشم بن القاسم، كما في حديث أبي العباس السراج (١٦٧٧)، وفي مسنده (١٤٢٠). ومسلم بن إبراهيم كما في حديث أبي العباس السراج (١٦٧٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٤٣) ح ١٢٧١١. وأبو الوليد الطيالسي كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٨)، جميعهم عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثني أبو السفر، عن سعيد بن شفي، عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. وخالف شعبة جماعة، منهم: إسرائيل كما في مسند أحمد (١/ ٢٤١، ٣٥٦)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٦، ٣٢٧)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤١٧). وأبو الأحوص سلام بن سليم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨١٥٧)، وعنبسة بن سعيد، كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٨)، ثلاثتهم، رووه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن شفي، عن ابن عباس. فأسقط أبو إسحاق أبا السفر، ودلس الحديث، وشعبة لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما صرح فيه بالتحديث.
[ ١٨ / ٣٠١ ]
وجه الاستدلال:
كان النبي ﷺ يقصر من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع إليها، سواء أقام في سفره أم لا، وسواء أكانت إقامته قصيرة أم طويلة، ولو كانت إقامة النبي ﷺ في سفره يومًا أو بعض يوم لقيل ربما هذه إقامة يسيرة لا يسلم منها كل مسافر، أما أن يقيم أربعة أيام عشرين صلاة، ثم لا يقطع ذلك حكم سفره دل على أن الإقامة في السفر لا أثر لها في قطع الترخص.
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٠١) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٠٨١)، وصحيح مسلم (١٥ - ٦٩٣).
[ ١٨ / ٣٠٢ ]
(ح-٣٥٠٢) وروى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (^١).
[قوله: (أقمنا تسع عشرة) هذا هو المحفوظ من لفظ الحديث].
(ح-٣٥٠٣) وروى أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ مرسل] (^٢).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
ثبت أنه ﷺ أقام في أثناء سفره وقصر الصلاة، سواء أكان ذلك في حجة الوداع، أم في فتح مكة، أم في غزوة تبوك. ولم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام، ولا بين ﷺ أنه قَصَرَ في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع إقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب مع العدو قد تطول، ولو كان قَصْرُ النبي ﷺ في إقامته تلك لهذه العلل لبيَّن النبي ﷺ ذلك من قوله حتى لا يستدل بهذه الأفعال على جواز القصر مطلقًا؛ وإذ لم يبين ذلك فالأصل بقاء حكم السفر حتى يثبت عكسه من صريح قول النبي ﷺ، أو يثبت من فعله أنه أتم في سفره بسبب الإقامة العارضة، وإذا لم يثبت لا هذا ولا ذاك، فالأصل استصحاب حكم السفر.
الوجه الثاني:
أن هذه النصوص العامة والمطلقة باقية على عمومها وإطلاقها، ولا يقيد هذه النصوص ولا يخصصها إلا نصوص مثلها أو إجماع، أو قول صحابي اشتهر ولم يخالفه أحد.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٢٩٩).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٨ / ٣٠٣ ]
وأجيب عن هذه الأدلة:
أما الجواب عن مقامه في فتح مكة وفي غزوة تبوك:
فلم يجمع الإقامة مدة معلومة، ففي فتح مكة كان بقاؤه فيها لغايتين: تنظيم شؤونها بعد فتحها، وتجهيز الجيش لغزوة حنين، وهذا أمر لا يعلم متى يفرغ منه.
«قال إسحاق بن منصور: قيل لأحمد ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ زمنَ الفتح، قال: إنَّما أرادَ حُنينًا لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادة على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ» (^١).
وأما إقامته في تبوك، فإنهم كانوا مقيمين بدار الحرب، وينتظرون الرجوع في كل يوم، فلم يجمعوا على الإقامة مدة معلومة.
وإذا لم يجمع المسافر المكث مدة معلومة فله القصر،
وحكي إجماعًا، قال الترمذي: «أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون» (^٢).
وقال مثله ابن المنذر (^٣).
وكان ابن عمر ﵁ القائل: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا.
والقائل أيضًا: إذا أجمع على الإقامة اثني عشر يومًا أتم حين حبسه الثلج في أذربيجان ستة أشهر قصر الصلاة، وإن كان يعلم أنه لا يذوب عن قرب، إلا أنه حين علق سفره على حاجة لا يعلم متى تقضى قصر، وليس فعل ابن عمر هذا مخالفًا لقوله.
ومثله قول ابن عباس فهو يرى أنه إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا أتم الصلاة، ومع ذلك صح عنه أنه أفتى بالقصر لمن أقام في المدينة حولًا كاملًا، وكذلك أفتى بالقصر لمن أقام خمسة أشهر، وسبق تخريجها، وسأعيدها إن شاء الله تعالى في الدليل التالي، وفتواه لا تعارض قوله بالإتمام إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا، والله أعلم.
_________________
(١) الجامع لعلوم الإمام أحمد (٨/ ١٠٥)، المغني (٢/ ٢١٣).
(٢) سنن الترمذي (٢/ ٤٣١).
(٣) المغني (٢/ ٢١٥)، الفروع (٣/ ٩٦)، المبدع (٢/ ١٢٢)، زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧١١).
[ ١٨ / ٣٠٤ ]
وأما الجواب عن حديث أنس في قيام النبي ﷺ في مكة في حجة الوداع،
فهو الفعل الوحيد الذي أجمع النبي ﷺ على الإقامة فيه مدة معلومة.
فأنس عدَّ مقامه في المشاعر من مقامه في مكة، فقال: أقمنا في مكة عشرًا نقصر الصلاة، وكذلك نافع فيما رواه عن ابن عمر، وقد سبق تخريجهما، ولا يوجد من أقوال الصحابة ما يخالفهما.
والجواب عنه على هذا التأويل: بأن إقامته ﷺ بمكة لا استيطانًا لها لئلا تكون رجوعًا في الهجرة، وبأن إقامته ﷺ بها عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل، فإنه يقصر فيه، وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء (^١).
وأما الجمهور فجعلوا توجه النبي ﷺ من مكة إلى منى شروعًا في سفر جديد، وقطعًا لإقامته في مكة، وقد أقام النبي ﷺ في مكة يقصر الصلاة، فما زاد عليها لزمه الإتمام احتياطًا.
قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر. فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد … فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا» (^٢).
وقد اختلف الجمهور في كيفية احتساب إقامته ﷺ في مكة، أتحسب بعدد الصلوات التي صلاها في الأبطح، أم تحسب بعدد الأيام.
والقائلون بالأيام اختلفوا في احتساب يومي الدخول والخروج من المدة، ولهذا اختلفت أقوالهم في مدة إقامته بالأبطح على ما سبق ذكره.
وما روي عن الصحابة من قصر الصلاة مع الإقامة الطويلة محمول على أنهم لم يعزموا على الإقامة مدة طويلة، وإنما كانوا ينتظرون قضاء حاجاتهم؛ لأنها حكاية أفعال، فهي تشبه فعل ابن عمر حين قصر الصلاة بسبب الثلج.
_________________
(١) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٤٣٦).
(٢) المغني (٢/ ٢١٣)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٥٧).
[ ١٨ / ٣٠٥ ]
ورد هذا الجواب:
أما الجواب عن الإجماع الذي نقله الترمذي: فلا يصح؛ لأن الخلاف محفوظ من الصحابة وبين الأئمة الأربعة.
فالأصح في مذهب الشافعية أن المسافر إذا أقام، وهو لا يعلم متى تنقضي حاجته، فإنه يقصر ثمانية عشر يومًا، ثم يتم، لا فرق بين المقيم لقتال أو خوف أو تجارة أو غيرها.
قال النووي: «لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا » (^١).
وقال ابن عباس بجواز القصر تسعة عشر يومًا تأسيًا بفعل النبي ﷺ في حجة الوداع مطلقًا، ولم يشترط أن يكون المسافر لم يجمع مكثًا.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها؛ فما الفرق بين الإقامة في اليوم التاسع عشر وبين اليوم العشرين.
ولأن إبطال حكم القصر حكم وضعي، فإذا كانت الإقامة تبطله لم يكن هناك فرق بين الأربعة أيام أو العشرة أو الخمسة عشر، أو التسعة عشر، أو أقل أو أكثر.
وأما الجواب عن دعوى أن إقامته ﷺ في فتح مكة وفي غزوة تبوك بأنه لم يجمع الإقامة مدة معلومة، فمن أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع الإقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب لا يعلم متى تنتهي، ولو كان هذا شرطًا للقصر مع الإقامة لبينه النبي ﷺ؛ لأن شروط العبادة توقيفية، وحتى لا يلتبس على الناس أمر دينهم في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وحتى لا يتأسى به أحد ممن لم يتوفر فيه هذا الشرط.
_________________
(١) منهاج الطالبين (ص: ٤٤). وانظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٦٣٢)، مختصر المزني، ت: الداغستاني (١/ ١٤١)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٠٩٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٣٤).
[ ١٨ / ٣٠٦ ]
الوجه الثاني:
لم يصح عن أحد من الصحابة أن المسافر إذا عزم على إقامة معلومة أتم إلا عن ابن عمر وحده، فقال ابن عمر: يتم إذا أجمع على الإقامة اثني عشر يومًا، وسبق تخريجه.
وأما الأثر عن علي ﵁، فمع مخالفته لابن عمر في تقدير المدة فإن الأثر عنه منقطع:
(ث-٩٧٧) فقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن علي قال: إذا أقمت بأرض عشرًا فأتم، فإن قلت: أخرج اليوم أو غدا، فصلِّ ركعتين، وإن أقمت شهرًا.
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (^١).
وروي عن ابن عباس، ولم يصح عنه.
(ث-٩٧٨) فقد روى الطبري من طريق عبد الوارث بن سعيد، حدثنا، ليث، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: إذا قدمت أرضًا لا تدري متى تخرج، فأتم الصلاة، وإذا قلت: أخرج اليوم أخرج غدًا فَقَصْرُ ما بينك وبين عشر ثم أتم الصلاة.
[منكر] (^٢).
(ح-٣٥٠٤) لمخالفته ما رواه البخاري عن ابن عباس، من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (^٣).
وظاهره من غير فرق بين كونه عزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.
ونقل عن جماعة من الصحابة القصر مطلقًا مع الإقامة الطويلة، منهم ابن عباس، وعبد الرحمن بن مسور، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وابن
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٦٥)، وسبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) صحيح البخاري (٤٢٩٩).
[ ١٨ / ٣٠٧ ]
مسعود وغيرهم، وسبق تخريجها في المسألة السابقة.
وأخذ به بعض التابعين، منهم: الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وقد وثقت ذلك في الأقوال في المسألة السابقة.
هذا هو ما يؤثر عن الصحابة، فلا يصح القول بأنه إذا أجمع إقامة أتم إلا عن ابن عمر وحده، وإذا كان قول ابن عمر مخالفًا لما رواه جمع من الصحابة جزم الباحث أن قوله صادر عن اجتهاد، وليس عن سنة.
والقائلون بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول.
لهذا كله أرى أن التمسك بمطلق فعل النبي ﷺ هو الأولى، ولا يقيد فعل النبي ﷺ إلا نص مثله أو إجماع، أو قول صحابي اشتهر، ولا معارض له، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الجمهور اشترطوا لصحة القصر مع الإقامة شرطين:
أحدهما: ألا يعلم متى تنقضي حاجته.
الثاني: أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر على إحدى القولين.
ومتى اختل شرط من هذين الشرطين لزمه الإتمام (^١).
_________________
(١) جاء في البحر الرائق (١/ ١٤٢): «لو دخل بلدًا، ولم ينو أنه يقيم فيها خمسة عشر يومًا، وإنما يقول غدًا أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين قصر … ولو وصل الحاج إلى الشام، وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يومًا، وعزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر؛ لأنه كناوي الإقامة كذا في المحيط». وقال المالكية: ولو علم عادة أن حاجته لا تنقضي قبل أربعة أيام فالعلم بها كافٍ في إبطال القصر، ولو لم ينو الإقامة. وقال في الإنصاف (٢/ ٣٣١): «إن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فالصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر. قدمه في الفروع والرعاية». انظر: تبيين الحقائق (١/ ٢١٢)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، كنز الدقائق (ص: ١٨٧)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٥)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٧)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٤)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٤)، الفروع (٣/ ٩٥)، المغني (٢/ ٢١٥).
[ ١٨ / ٣٠٨ ]
قال شيخ الإسلام في معرض الرد عليهم: «أقام النبي ﷺ في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر! بل فَتَحَ مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة، وكذلك في تبوك» (^١).
ويقول شيخ الإسلام: «أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان. وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام» (^٢).
ورد على هذا:
هذا الاعتراض يتوجه للقول الذي يشترط أن يكون تربص المسافر لقضاء حاجته يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر، أما الذي لا يشترط هذا الشرط، ويكفي أن تكون حاجته لا يعلم متى تنتهي، حتى ولو قطع أن حاجته لا تنقضي في مدة قريبة، فلا يعترض عليه بمثل ذلك، وقد كان ابن عمر يرى أن من أجمع إقامة اثني عشر يومًا أتم الصلاة، وحين حبسه الثلج في أذربيجان قصر الصلاة ستة أشهر، مع علمه أن الثلج لا يذوب عن قريب، والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٦، ١٣٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٨).
[ ١٨ / ٣٠٩ ]
الدليل الرابع: من الآثار.
صح عن جماعة من الصحابة أنهم قصروا الصلاة مع الإقامة الطويلة أثناء السفر، من ذلك:
(ث-٩٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة،
عن ابن عباس، قال: إن أقمت في بلد خمسة أشهر فاقصر الصلاة.
ولفظه عند الطبري: سئل ابن عباس عن قَصْرِ الصلاة، فقال: قَصِّرْ وإن كنت في أرض خمسة أشهر.
[صحيح] (^١).
(ث-٩٨٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا المثنى بن سعيد عن أبي جمرة نصر بن عمران قال:
قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ فقال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين.
[صحيح] (^٢).
(ث-٩٨١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل، من عنزة يكنى أبا المنهال، قال:
قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا، لا أَشُدُّ على سير، قال: صل ركعتين (^٣).
[صحيح] (^٤).
(ث-٩٨٢) وروى الطبري من طريق عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن،
أن أنس بن مالك، كان بنيسابور على جبايتها، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (ص: ٢٦٩) على إثر: (ث-٩٦٩).
(٢) المصنف (٨٢٠٢) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩). وفي النسخة التي حققها الشيخ محمد عوامة: (عشرين سنة)، ومثلها نسخة ط: دار الفاروق (٣/ ٤٤١).
(٣) المصنف (٨٢٠١).
(٤) سبق تخريجه، انظر: (ث-٩٦٩).
[ ١٨ / ٣١٠ ]
يصلي ركعتين، ولا يُجَمِّعُ، وكان الحسن معه شتوتين.
[صحيح] (^١).
قوله: (ولا يُجَمِّعُ) أي لا يصلي الجمعة.
(ث-٩٨٣) وروى عبد الرزاق، عن معمر عن يحيى بن أبي كثير،
عن حفص بن عبيد الله، أن أنس بن مالك أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين ركعتين.
[حسن، وقد ثبت سماع حفص من جده أنس بن مالك] (^٢).
(ث-٩٨٤) وروى البيهقي في السنن من طريق عاصم بن علي، حدثنا عكرمة ابن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير،
عن أنس، أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامَهُرْمُزَ تسعة أشهر يقصرون الصلاة.
[ضعيف] (^٣).
_________________
(١) رواه عبد الوارث كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٤٢٢). وابن علية كما في تهذيب الآثار للطبري (٤٢٣)، وعبد الأعلى كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٠٩٩، ٨٢٠٣)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٢)، ثلاثتهم عن يونس به. وروى الطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤٢٤)، قال: حدثنا ابن المثنى حدثنا سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، أن أنسًا أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة. وسالم، وشيخه عمر فيهما كلام، لكن الإسناد صالح في المتابعات. وروى الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٤٣) ح ٦٨٢، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، عن الحسن، أنه قام مع أنس بنيسابور سنتين، فكان يصلي ركعتين ركعتين. وسنده صحيح.
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٤٨٦)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٦٠)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٤١٩).
(٣) السنن الكبرى (٣/ ٢١٨). يحيى بن أبي كثير، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٩/ ١٤١): «روى عن أنس مرسلًا، وقد رأى أنسًا رؤية يصلي في المسجد الحرام، ولم يسمع منه». وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٢٤٠).
[ ١٨ / ٣١١ ]
(ث-٩٨٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن،
أن عبد الرحمن بن سمرة، شتى بكابل شتوة أو شتوتين يصلي ركعتين.
[صحيح] (^١).
(ث-٩٨٦) وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن المسور،
عن سعد قال: كنا معه بالشام شهرين، فكنا نُتِمُّ وكان يقصر، فقلنا له، فقال: إنَّا نحن أعلم.
[حسن] (^٢).
_________________
(١) رواه عبد الأعلى كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٠٩٩) ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٢). وسفيان كما في زيادات أبي بكر النيسابوري على المزني (٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٧)، وفي الخلافيات (٢٦٨٥)، كلاهما عن يونس بن عبيد، عن الحسن به.
(٢) رواه الثوري كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٨٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (٨٢٠٠)، وتهذيب الآثار، مسند عمر، للطبري (٣٨٧)، والأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٦٠)، والزيادات على كتاب المزني لأبي بكر النيسابوري (٩٣)، والخلافيات للبيهقي (٢٣٨٤)، وتاريخ دمشق لابن عساكر. ومسعر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٠٠)، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت به. ورواه أبو بكر النيسابوري في زياداته على المزني (٩٤) من طريق أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب حدثه، أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال: خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أدرج، فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بسرغ خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان، فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود، وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم. فقلت لسعد: أبا إسحاق، أنت صاحب رسول الله، ﵊، وشهدت بدرًا، والمسور يصوم، وعبد الرحمن وأنت تفطر؟ قال سعد: إني أنا أفقه منهم. ورواه أبو بكر النيسابوري في زياداته على المزني (٩٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن مسلم، أن رجلًا أخبره، عن عبد الرحمن بن المسور ابن مخرمة، أن سعدًا، والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، قال: وكان سعد يقصر الصلاة ويفطر، وكانا يتمان الصلاة ويصومان، قال: فقيل لسعد: إنك تقصر الصلاة وتفطر ويتمان؟ قال سعد: نحن أعلم. قال أبو بكر: إن كانت رواية ابن أبي أويس صحيحة فإن الزهري لم يسمعه من عبد الرحمن. يعني: ابن المسور. والله أعلم.
[ ١٨ / ٣١٢ ]
(ث-٩٨٧) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، قال: أقمنا مع والٍ، قال: أحسبه بسجستان سنتين، ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل.
[صحيح] (^١).
وأجيب عن هذه الآثار:
حملوا هذه الآثار على من لم يجمع الإقامة مدة معلومة، بل علق رجوعه على قضاء حاجته كالمجاهد لا يدري متى يرجع، ومثل من حبسه الثلج لا يدري متى يذوب، وإن غلب على ظنه أنه قد يطول به المقام على أحد القولين.
دليل من قال: إذا عزم على الإقامة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٠٥) روى أبو داود من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.
_________________
(١) رواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٩٠). وفيه إبهام أصحاب ابن مسعود. ورواه شريك كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨١٦٣)، عن أبي إسحاق، قال: سألت سلمة بن صهيب ونحن بسجستان عن الصلاة فقال: ركعتين ركعتين حتى ترجع إلى أهلك، هكذا كان عبد الله ابن مسعود يقول. وشريك قديم السماع من أبي إسحاق. جاء في تاريخ الإسلام (٤/ ٦٤٣): «وقال الفضل بن زياد: قال أحمد بن حنبل: شريك في أبي إسحاق أقوى من إسرائيل». وفي ميزان الاعتدال (٢/ ٢٧١): «قال أحمد بن حنبل: شريك في أبي إسحاق أثبت من زهير. وروى عثمان بن سعيد، عن يحيى، قال: شريك في أبي إسحاق أحب إلينا من إسرائيل».
[ ١٨ / ٣١٣ ]
[وصله شاذ، والمحفوظ أنه مرسل] (^١).
_________________
(١) رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، ورواه عن عبيد الله اثنان: الزهري، وعراك بن مالك. أما الزهري، فلم يروه عنه إلا ابن إسحاق، وفي علتان: العلة الأولى: الاختلاف على ابن إسحاق في وصله وإرساله، والمحفوظ أنه مرسل: فرواه محمد بن سلمة، كما في سنن أبي داود (١٠٧٦)، وسنن أبي داود (١٢٣١)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٦)، وفي الخلافيات (٢٦٧٥)، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس موصولًا كما هي رواية أبي داود. ورواه يزيد بن هارون كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤٣)، وزياد بن عبد الله البكائي، كما السيرة النبوية لابن هشام (٥/ ١٠٣، ١٠٤). وعبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي فيما ذكره أبو داود في السنن (١٢٣١)، وسلمة بن الفضل كما في تاريخ الطبري (٣/ ٦٩)، خمستهم رووه عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. هكذا مرسل. وهو المحفوظ. قال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس. ورواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق واختلف على ابن إدريس فيه: فرواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٨١٩٦، ٣٦٩٣٥)، ومن طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤١٧)، وأبو سعيد الأشج كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٥١)، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس موصولًا. وهذه متابعة لمحمد بن سلمة من هذا الوجه. قال البيهقي: كذا رواه، ولا أراه محفوظًا. ثم ساقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٥) من طريق الحسن بن الربيع، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق قال: وحدثني محمد بن مسلم: ثم أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة حتى سار إلى حنين. قال البيهقي: هذا هو الصحيح مرسل، ورواه أيضًا عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، ولم يذكروا فيه ابن عباس. وانظر معرفة السنن (٤/ ٢٧٢). والحسن بن الربيع البجلي القسري، أبو علي الكوفي قال فيه أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٣/ ١٤): «أوثق أصحاب ابن إدريس الحسن بن الربيع». وأما رواية عراك بن مالك، فرواه عنه يزيد بن حبيب، واختلف على يزيد بن حبيب. فرواه عبد الحميد بن جعفر كما في المجتبى من سنن النسائي (١٤٥٣)، وفي السنن الكبرى =
[ ١٨ / ٣١٤ ]
وأجيب عن الحديث بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أما رواية ابن إسحاق بالتحديد بخمسة عشر فأعلت بثلاث علل.
العلة الأولى: تفرد ابن إسحاق بهذه الرواية.
العلة الثاني: الاختلاف عليه في الوصل والإرسال، والأكثر على أن الرواية مرسلة، والمرسل من قبيل الضعيف، وقد رجح أبو داود والبيهقي رواية الإرسال، وقولهما أولى من ترجيح ابن عبد البر وابن حجر رواية الوصل.
العلة الثالثة: لو فرضنا ترجيح رواية الوصل فإن رواية ابن إسحاق مخالفة لرواية البخاري: أنه أقام في فتح مكة تسع عشرة ليلة، ورواية البخاري أقوى إسنادًا.
_________________
(١) = (١٩٢٤)، وفي تاريخ بغداد، ت: بشار (١١/ ٥٥٣)، عن يزيد بن حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة. تابع ابن لهيعة عبد الحميد بن جعفر، إلا أنه قد اختلف على ابن لهيعة: فرواه عبد الله بن المبارك كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٣٠٤)، وفي الأوسط له (٧٩٠٢)، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس به موصولًا. قال الطبراني في الأوسط (٨/ ٤٣): لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله إلا عراك بن مالك، ولا عن عراك إلا يزيد، ولا عن يزيد إلا ابن لهيعة، تفرد به: ابن المبارك. خالف ابن وهب عبد الله بن المبارك، فجاء في جامعه (٢٠٦ - ٢٠٢) أخبرك ابن لهيعة، والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح بعد الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. مرسل، وهو أصح. تابعهم على إرساله بكر بن مضر، فقد رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٤٣) من طريق بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، أن النبي ﷺ صلى بمكة عام الفتح خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين. العلة الثانية: أن رواية ابن إسحاق، سواء الموصولة أم المرسلة مخالفة لرواية البخاري، فقد رواه البخاري (٤٢٩٨) من طريق عبد الله -يعني: ابن المبارك- أخبرنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين.
[ ١٨ / ٣١٥ ]
الجواب الثاني:
أن حديث ابن عباس معل بالاضطراب.
رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وذكر الإقامة في مكة خمسة عشر يومًا.
(ث-٩٨٨) ورواه شريك، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة، يصلي ركعتين.
[ضعيف] (^١).
ورواه حفص بن غياث، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أقام سبعَ عشرةَ بمكة يقصُر الصلاة. قال ابن عباس: ومن أقام سبعَ عشرةَ قصر، ومن أقام أكثر أتمَّ.
[وهم فيه حفص في قوله: (سبع عشرة)].
ورواه أبو شهاب الحناط في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
وأبو عوانة في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
_________________
(١) رواه شريك بن عبد الله النخعي، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة، عن ابن عباس، واختلف على شريك. فرواه يحيى بن آدم، وأبو النضر: هاشم بن القاسم كما في مسند الإمام أحمد (١/ ٣٠٣)، وعبد الله بن عون الخراز كما في زيادات عبد الله بن أحمد على المسند (١/ ٣١٥). وعلي بن نصر الجهضمي كما في سنن أبي داود (١٢٣٢)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٥)، ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين، واختلف عليه فيه: فرواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٤٣)، وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٥٨٥)، وعلي بن عبد العزيز كما في المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٢٥٩) ح ١١٦٧٢، ثلاثتهم رووه عن أبي نعيم الفضل بن دكين، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة به، وذكر فيه أقام سبعة عشر يومًا. ورواه محمد بن إسماعيل كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٤٣)، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شريك به، وذكر فيه: (أقام تسعة عشر يومًا). ومدار هذا الإسناد على شريك، وهو سيئ الحفظ.
[ ١٨ / ٣١٦ ]
وابن المبارك في رواية الأكثر عنه، وهي في البخاري.
وأبو معاوية من رواية الأكثر عنه،
وعبد الواحد بن زياد، خمستهم رووه عن عاصم به، فذكروا إقامته في فتح مكة تسعة عشر يومًا (^١).
_________________
(١) اختلف فيه على عاصم الأحول، فرواه حفص بن غياث كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢١١)، وسنن أبي داود (١٢٣٠) وصحيح ابن حبان (٢٧٥٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٥)، ومعرفة السنن (٤/ ٢٧٢)، وفي الخلافيات (٢٦٧٣). خالف حفص بن غياث كل من: الأول: عبد الواحد بن زياد كما في سنن ابن ماجه (١٠٧٥)، فرواه عن عاصم به، وذكر فيه: تسعة عشر. الثاني: أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع، واختلف عليه: فرواه أحمد بن يونس كما في صحيح البخاري (٤٢٩٩)، وداود بن عمرو الضبي (ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٣)، فروياه عن أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة به، بالتحديد بتسعة عشر يومًا، وهو المحفوظ. وخالفهما خلف بن هشام (ثقة والإسناد إليه صحيح) كما في سنن الدارقطني (١٤٤٩) فرواه عن أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة به، وقال: سبع عشرة. وهذا اللفظ شاذ. الثالث: عبد الله بن المبارك، واختلف عليه: فرواه عبدان في رواية كما في صحيح البخاري (٤٢٩٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٣)، وفي معرفة السنن (٤/ ٢٧٢)، وفي الخلافيات له (٢٦٧٤). وحبان بن موسى بن سوار المروزي كما في دلائل النبوة له (٥/ ١٠٤)، كلاهما عن ابن المبارك، عن عاصم به، بالتحديد بالتسعة عشر، وفيه متابعة لرواية أبي شهاب الحناط. خالفهما عبد الرزاق، واختلف عليه: فرواه إسحاق بن إبراهيم الدبري، كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٦٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٣٣٢) ح ١١٩١٢، عن ابن مبارك، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة سبع عشرة ليلة يقصر الصلاة. وإسحاق بن إبراهيم الدبري، وإن كان صدوقًا إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جدًّا، بعد ما عمي. ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب (٥٨٢)، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أنا ابن المبارك، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما افتتح مكة أقام عشرين ليلة يقصر الصلاة. وذكر عشرين يومًا. فواضح أن عبد الرزاق لم يضبط المدة. والمحفوظ رواية عبدان وحبان، عن ابن المبارك. =
[ ١٨ / ٣١٧ ]
وروى علي بن زيد عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال قمنا مع النبي ﵊ بمكة حيث فتحها ثمانية عشر يصلي ركعتين ركعتين.
[ضعيف] (^١).
وقد أعله ابن عبد البر في الاضطراب:
قال: وهو حديث مختلف فيه لا يثبت فيه شيء؛ لكثرة اضطرابه فكيف
_________________
(١) = الرابع: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، واختلف عليه فيه: فرواه الإمام أحمد كما في المسند (١/ ٢٢٣)، وسلم بن جنادة ومحمد بن يحيى بن ضريس، كما في صحيح ابن خزيمة (٩٥٥)، وهناد بن السري كما في سنن الترمذي (٥٤٩)، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وسريج بن يونس، ومجاهد بن موسى ويعقوب الدورقي، والفضل بن الصباح ويوسف بن عيسى (كلهم ثقات) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٤)، رووه عن أبي معاوية، أخبرنا عاصم به، وذكر فيه: تسعة عشر يومًا. خالفهم عثمان بن أبي شيبة، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٤) فرواه عن أبي معاوية، وذكر فيه: (فأقام سبعة عشر). قال البيهقي: ورواه أبو معاوية عن عاصم الأحول فقال في أكثر الروايات عنه: تسع عشرة. الخامس: أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري، واختلف عليه: فرواه موسى بن إسماعيل التبوذكي كما في صحيح البخاري (١٠٨٠)، وشيبان بن فروخ كما في مسند أبي يعلى (٢٣٦٨)، وأبو عمر الحوضي: حفص بن عمر الأزدي، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٤)، ثلاثتهم رووه عن أبي عوانة، عن عاصم وحصين بن عبد الرحمن عن عكرمة، عن ابن عباس وذكر فيه: (تسعة عشر). ورواه مسدد كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٧)، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول أو حصين، عن عكرمة به. بالشك وذكر (تسع عشرة) موافقًا لرواية الجماعة. وخالف هؤلاء كل من: لوين محمد بن سليمان كما في فوائد أبي بكر القاسم بن زكريا المطرز (١١٠)، وسنن الدارقطني (١٤٤٨)، ومجلسان من أمالي ابن صاعد (مخطوط مستفاد من برنامج حاسوبي جوامع الكلم) (٢٨)، وفي المخلصيات لأبي طاهر المخلص (٣٤٠، ١٢٣٨، ١٧٩٣). ومعلى بن أسد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٤)، فروياه عن أبي عوانة به، وفيه: فأقام سبعة عشر يومًا.
(٢) سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.
[ ١٨ / ٣١٨ ]
يثبت مع هذا الاختلاف في مقدار إقامته بمكة عام الفتح أو أي حجة في إقامته بمكة وليست له بدار إقامة، بل هي في حكم دار الحرب، أو حيث لا تجوز الإقامة؟ (^١).
ورد هذا الجواب:
لا أعلم أن أحدًا من أئمة الحديث حكم على حديث ابن عباس بالاضطراب. ولا يحكم عليه بذلك إلا إذا تعذر الترجيح والجمع، ولم يتعذرا.
أما وجه الترجيح: فرواية أنه أقام تسعة عشر يومًا أرجح من غيرها للأسباب التالية.
الأول: أنها رواية الإمام البخاري في صحيحه، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله ﷾، وقد رواها من طريق ابن المبارك، وأبي شهاب الحناط، وأبي عوانة، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس.
الثاني: أن عاصمًا الأحول لم ينفرد به عن عكرمة، فقد تابعه حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام النبي ﷺ تسعةَ عشرَ يقصُر، فنحن إذا سافرنا تسعةَ عشرَ قصرنا، وإن زدنا أتممنا، وهي في صحيح البخاري (^٢).
الثالث: رجح الإمام إسحاق بن راهويه رواية (التسعة عشرة)؛ لأنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة (^٣).
وقال البيهقي: «اختلفت هذه الروايات في (تسع عشرة) و(سبع عشرة) وأصحهما عندي رواية من روى (تسع عشرة) وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح، فأخذ من رواها، ولم يختلف عليه على عبد الله بن المبارك، وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول» (^٤).
الرابع: أن الروايات الأخرى التي تخالف رواية التسعة عشر لا تسلم من علة.
فرواية أنه: (أقام خمسة عشر يومًا)، أعلت بثلاث علل سبق ذكرها.
_________________
(١) الاستذكار (٢/ ٢٤٨).
(٢) رواه البخاري (١٠٨٠) من طريق أبي عوانة، عن عاصم وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وتقدم تخريج طريق أبي عوانة ضمن تخريج الحديث.
(٣) انظر: سنن الترمذي، ت: شاكر (٢/ ٤٣٣)، حلية العلماء، ط: الرسالة (٢/ ٢٣٤)، فتح الباري (٢/ ٥٦٢).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٥).
[ ١٨ / ٣١٩ ]
ورواية: (أنه أقام سبعة عشر يومًا)، مخالفة لرواية الأكثر ممن روى الحديث، فرواه ابن المبارك، وأبو شهاب الحناط، وأبو معاوية، وأبو عوانة، وعبد الواحد بن زياد (من رواية الأكثر عنه) رووه بلفظ: أقام تسعة عشر.
هذه وجوه ترجيح رواية (أقام تسعة عشر).
وأما وجه الجمع:
فقال البيهقي: «ويمكن الجمع بين رواية من روى تسع عشرة، ورواية من روى سبع عشرة، ورواية من روى ثمان عشرة بأن من رواها تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما، والله أعلم» (^١).
الدليل الثاني:
(ث-٩٨٩) روى عبد الرزاق، عن عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرح ظهره، وأتم الصلاة.
[رجاله ثقات] (^٢).
وجه الاستدلال:
الوجه الأول:
أن التحديد بالخمسة عشر يومًا من ابن عباس وابن عمر من المقدرات الشرعية التي لا تعلم إلا من جهة التوقيف، لا مدخل للرأي فيها؛ لأن العقل لا يهتدي إلى مثل ذلك، ولا يظن بهما التكلم جزافًا فكان قولهما معتمدًا على السماع ضرورة، فهو في حكم المرفوع (^٣).
الوجه الثاني:
قال الطحاوي: بأنه لا مخالف لهما من الصحابة (^٤). أي لا مخالف لابن عباس
_________________
(١) السنن الكبرى (٣/ ٢١٦)، وانظر: معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٧٢).
(٢) سبق تخريجه، انظر (ص: ٢٦٦).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٢/ ٣٥)، فتح القدير (٢/ ٣٥)، التجريد للقدوري (٢/ ٨٨١).
(٤) إعلاء السنن (٧/ ٣١٣).
[ ١٨ / ٣٢٠ ]
وابن عمر.
وأجيب عن ذلك:
أما الجواب عن حديث ابن عباس:
فقد سبق الجواب عنه، وأن الراجح فيه رواية التسعة عشر.
وأما الجواب عن أثر ابن عمر:
فإن سالمًا ونافعًا رويا عن ابن عمر بأنه يتم إذا نوى إقامة اثنتي عشرة ليلة، وسبق تخريجه.
وروى مجاهد بن جبر المكي: إذا أراد أن يقيم خمس عشرة ليلة.
فإن حملت الثانية على أنها حكاية عن واقعة حال لا يراد منها التحديد؛ لأن الخمس عشرة اثنتا عشرة وزيادة، وإلا رجحت رواية سالم ونافع؛ لأن رواية آل بيت الرجل أرجح من رواية الغريب، وهما أعلم بابن عمر من مجاهد، والله أعلم.
وأما الجواب عن دعوى الإجماع:
فقال ابن قدامة: «وقول أصحاب الرأي: لم نعرف لهم مخالفًا في الصحابة، غير صحيح، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه» (^١).
دليل من قال: إذا زاد في الإقامة على تسعة عشر يومًا أتم الصلاة:
(ح-٣٥٠٦) روى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (^٢).
وجه الاستدلال:
نظر ابن عباس إلى فعل النبي ﷺ في فتح مكة أنه أكثر ما نقل عن النبي ﷺ أنه قصر في السفر، فرأى جواز القصر في مثلها، ولم ير القصر فيما زاد عليها؛ إما لأن الأصل في الإقامة الإتمام، وإما لأن ما زاد عليها يحتمل أن النبي ﷺ يقصر،
_________________
(١) المغني (٢/ ٢١٣).
(٢) صحيح البخاري (٤٢٩٩).
[ ١٨ / ٣٢١ ]
ويحتمل أن النبي ﷺ يتم، فأخذنا بالاحتياط، وهو الإتمام، ولم يفهم ابن عباس أن النبي ﷺ لم يجمع في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع على إقامة معلومة.
ويجاب:
بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا أقام، وإذا ثبت القصر في الإقامة في أثناء السفر بيقين لم يرفع إلا بيقين.
ولأن قصر النبي ﷺ تسعة عشر يومًا مطلق، والمطلق باق على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر، لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها، وأي فرق في الحكم بين التسعة عشر وبين العشرين يومًا، فكلاهما لا يدخل في حد القليل، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام اثني عشر يومًا أتم:
الدليل الأول:
(ح-٣٥٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وجه الاستدلال:
سوف أستدل لهذا القول حسب اجتهادي، فإن كان صوابًا فالحمد لله، وإن كان خطأ فأستغفر الله،
فالنبي ﷺ بات في اليوم الثالث بذي طوى، وهو قريب من الحرم، فيدخل في حساب إقامة النبي ﷺ في مكة،
(ح-٣٥٠٨) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٥٧٤)، وصحيح مسلم (٢٢٦ - ١٢٥٩).
[ ١٨ / ٣٢٢ ]
ودخل النبي ﷺ مكة صبيحة اليوم الرابع،
(ح-٣٥٠٩) وروى البخاري ومسلم من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: … قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج … الحديث (^١).
ومكث في الحرم إلى نهاية أيام التشريق، فهذه إحدى عشر يومًا، وقد كان النبي ﷺ يقصر فيها، فإذا أقام اثني عشر يومًا أتم الصلاة.
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي قيل عن استدلال ابن عباس في التحديد بتسعة عشر يومًا.
الدليل الثاني:
(ث-٩٩٠) روى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
[صحيح] (^٢).
وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة.
[ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (^٣).
وجه الاستدلال من أثر ابن عمر كوجه الاستدلال به من حديث أنس ﵃ جميعًا.
_________________
(١) صحيح البخاري (١٥٦٤)، وصحيح مسلم (١٩٨ - ١٢٤٠).
(٢) الموطأ (١/ ١٤٨).
(٣) الأوسط (٤/ ٣٥٥). تابع ابن عجلان عبد الله بن عمر العمري كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٧٤). وابن عجلان يضطرب في حديث نافع، لكن تابعه عبد الله بن عمر العمري، والعمري ليس بالقوي. وقد روى مالك في الموطأ (١/ ١٤٨) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاة المسافر، ما لم أجمع مكثًا وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة. وهذا سند صحيح، فكونه يذكر اثنتي عشرة ليلة دليل على اعتبارها لو أجمع مكثًا، والله أعلم.
[ ١٨ / ٣٢٣ ]
ويجاب عنه بنفس الجواب الذي أجبت به عن قول ابن عباس، ويزاد بأن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، وإذا اختلف الصحابة طلب مرجح من خارج قولهم، وأكثر الصحابة والتابعين على أن المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام أكثر من عشرين يومًا أتم:
(ح-٣٥١٠) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ مرسل] (^١).
يقول ابن حزم: إن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله ﷺ القصر إلا مع السفر، لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معًا.
فإذ ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص.
وقد أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة وهذا أكثر ما روي عنه ﵇ في إقامته بتبوك، فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر فصح يقينًا أنه لولا مقام النبي ﵇ في تبوك عشرين يومًا يقصر، وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرًا، ولكان مقيم يوم يلزمه الإتمام.
لكن لما أقام ﵇ عشرين يومًا بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يومًا إذا أقامها المسافر فله فيها حكم السفر، فإن أقام أكثر، أو نوى إقامة أكثر فلا برهان يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلًا (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: المحلى (٣/ ٢١٦) وما بعدها.
[ ١٨ / ٣٢٤ ]
دليل من قال: إذا أقام يومًا وليلة أتم:
(ح-٣٥١١) روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (^١).
وجه الاستدلال:
إذا كان سير المرء يومًا وليلة يجعله في حكم المسافر، فإقامته يومًا وليلة تجعله في حكم المقيم.
وهذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، والله أعلم.
الراجح:
هذه المسألة تعتبر من المسائل الشائكة، والخلاف فيها من لدن الصحابة فمن بعدهم، وقول الجمهور بالتحديد بأربعة أيام، أو أكثر من أربعة أيام قول لا يؤثر عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والتحديد عند بعض الصحابة أصح ما ورد فيه عن ابن عمر وابن عباس، والأول حدد ذلك في إحدى الروايات عنه باثني عشر يومًا، والثاني حدده بتسعة عشر يومًا، وما ورد عن الإمام علي ﵁ فهو ضعيف، وأكثر الصحابة على أن المسافر يقصر، ولو طالت إقامته في سفره، وهو أقوى الأقوال، فمن أراد أن يحتاط فالاحتياط بابه واسع، فيمكن له أن يقصر إلى تسعة عشر يومًا، باعتبار هذا أكثر ما صح عن النبي ﷺ أنه قصر في سفره، وإن قصر حتى يرجع فهذا أقوى من حيث الحجة، وقواعد الأصول والاستدلال، والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (١٠٨٨) ومسلم (٤٢٠ - ١٣٣٩).
[ ١٨ / ٣٢٥ ]