المدخل إلى المسألة:
لا يؤثر نص مرفوع عن النبي ﷺ أن المسافر إذا أقام في أثناء سفره لزمه الإتمام.
كان النبي ﷺ يقصر من حين يخرج من المدينة إلى أن يعود سواء أقام في أثناء سفره أم لا، وسواء أطالت إقامته أم قصرت، وسواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لا.
ما نقل من قصر النبي ﷺ في غزوة تبوك أو في فتح مكة، وكذلك قصر أصحابة مدة طويلة في السفر حكاية أفعال تفيد جواز القصر في مثل هذه الأفعال، ولا تمنع القصر فيما زاد عليها.
لم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة.
من ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره تمنع من الترخص فعليه الدليل، وقد ثبت السفر بيقين فلا يرفع إلا بيقين.
السنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوَّى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف أكثر ما عليه الصحابة.
إذا أجمع الإقامة مدة معلومة لزمه الإتمام في قول الأئمة الأربعة على اختلاف بينهم في تقدير هذه المدة، وهو رأي ابن عمر وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، وروي عن ابن عباس بسند ضعيف.
قال إسحاق: أكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين. اه وظاهره من غير فرق بين أن يعزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.
[ ١٨ / ٢٥٤ ]
[م-١١٣٣] المسافر إذا أقام في موضع واحد لقضاء حاجة، ولم ينو إقامة، وإنما علَّق خروجه على قضاء حاجة لا يدري متى تقضى، أتقضي في زمن قليل أم كثير، أو أقام كما لو أقام من أجل علاج فاختلفوا:
فقيل: يقصر أبدًا إلا أن يعلم أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فعليه الإتمام، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول عند الشافعية، اختاره المزني (^١).
قال خليل: «لو أقام، ولو شهورًا من غير نية الإقامة، بل كان لحاجة، وهو يرجو قضاءها كل يوم قصر. فالقاطع نية الإقامة، لا الإقامة» (^٢).
قال المالكية: ولو علم عادة أن حاجته لا تنقضي قبل أربعة أيام فالعلم بها كافٍ في إبطال القصر، ولو لم ينو الإقامة (^٣).
وقال فخر الدين ابن تيمية في التلخيص: «إن أقام لقضاء حاجة فعلم أنها لا تنجز في الأمد المذكور فهو مقيم فإن كان يتوقع إنجازه في كل يوم، وهو عازم على
_________________
(١) قولنا: (يقصر) أي وجوبًا عند الحنفية وسنة عند الجمهور كما تقدم ذلك عند الكلام على حكم القصر. جاء في البحر الرائق (١/ ١٤٢): «لو دخل بلدًا، ولم ينو أنه يقيم فيها خمسة عشر يومًا، وإنما يقول: غدًا أخرج، أو بعد غدٍ أخرج، حتى بقي على ذلك سنين قصر … ولو وصل الحاج إلى الشام، وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يومًا، وعزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر؛ لأنه كناوي الإقامة كذا في المحيط». وانظر: تبيين الحقائق (١/ ٢١٢)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، كنز الدقائق (ص: ١٨٧)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٥)، مجمع الأنهر (١/ ١٦٣)، الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٠٩) التوضيح لخليل (٢/ ٢٦)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٧)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٣)، جواهر الدرر (٢/ ٤٢٤)، مواهب الجليل (٢/ ١٥٠)، شرح الخرشي (٢/ ٦٣)، المجموع (٤/ ٣٦٢)، منهاج الطالبين (ص: ٤٤)، التنبيه (ص: ٤١) التنبيه (ص: ٤١)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ١٠٤)، المغني (٢/ ٢١٥)، المقنع (ص: ٦٥)، الإنصاف (٢/ ٣٣١)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٤)، الفروع (٣/ ٩٥)، المغني (٢/ ٢١٥).
(٢) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٦)،.
(٣) تحبير المختصر (١/ ٤٦٧)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٤).
[ ١٨ / ٢٥٥ ]
الارتحال؛ فإنه يترخص، وإن أقام حولًا» (^١).
وحكاه في الفروع وفاقًا للأئمة إذا كان لا يعلم فراغ الحاجة قبل المدة. وقيل: ولا يظن (^٢).
وقال ابن قدامة: «من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة، فله القصر، ولو أقام سنين، مثل أن يقيم لقضاء حاجة يرجو نجاحها، أو لجهاد عدو، أو حبسه سلطان أو مرض، وسواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة، أو كثيرة، بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر» (^٣).
فقوله: (بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر) هذا شرط، فلو علم بتأخرها عن المدة لزمه الإتمام.
وقيل: إذا لم يجمع إقامة قصر مطلقًا، ولو أقام دهرًا، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته، وهو قول للحنابلة جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم (^٤).
جاء في الكافي لابن قدامة: «ومن لم يجمع على إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن أقام دهرًا، مثل من يقيم لحاجة يرجو إنجازها، أو جهاد، أو حبس سلطان، أو عدو، أو مرض، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته» (^٥).
وقال في الإنصاف: «إن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فالصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر. قدمه في الفروع والرعاية.
وقيل: له ذلك. جزم به في الكافي، ومختصر ابن تميم. قال في الحواشي: وهو الذي ذكره ابن تميم وغيره» (^٦).
_________________
(١) حاشية ابن قندس على الفروع (٣/ ٩٦).
(٢) الفروع (٣/ ٩٥، ٩٦).
(٣) المغني (٢/ ٢١٥).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٣٠، ٣٣١).
(٥) الكافي (١/ ٣١٠، ٣١١).
(٦) الإنصاف (٢/ ٣٣١). وما ذكره ابن تميم في مختصره (٢/ ٣٦٢) فقد اشترط للقصر جواز قضاء حاجته في الزمن القليل والكثير، ولو غلب على ظنه أنها لا تنقضي في زمن قليل، وإن أقام طويلًا، وأما إذا علم أن حاجته لا تنقضي في أربعة أيام لزمه الإتمام.
[ ١٨ / ٢٥٦ ]
وقيل: إذا علم أن حاجته لا تنقضي في أقل من أربعة أيام كاملة فلا قصر، وإذا لم يعلم متى تنقضي جاز له القصر إلى ثمانية عشر يومًا، ثم يتم، وهو الأصح عند الشافعية (^١).
قال الشيرازي الشافعي: «وإن أقام في بلدٍ لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة قصر إلى ثمانية عشر يومًا في أحد القولين، ويقصر أبدًا في القول الآخر» (^٢).
وقال النووي: «لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا. وقيل: أربعة. وفي قول: أبدًا. وقيل: الخلاف في خائف القتال لا التاجر ونحوه، ولو علم بقاءها مدة طويلة فلا قصر على المذهب» (^٣).
وقال ابن حجر: «وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده
_________________
(١) قال الشافعية: إن علم أن حاجته لا تنقضي في أقل من أربعة أيام كاملة فلا قصر، وقد ذكر ذلك في المنهاج والحاوي، انظر: منهاج الطالبين (ص: ٤٤)، تحرير الفتاوى (١/ ٣٦٤). وأما إذا لم يعلم متى تنقضي، فقد اختلف أصحاب الشافعية على أقوال: أصحها في المذهب: يقصر ثمانية عشر يومًا، لا فرق بين المقيم لقتال أو خوف أو تجارة أو غيرها. وقيل: يقصر أبدًا، كقول الجمهور، وهو اختيار المزني. وقيل: لا يقصر أبدًا. وقيل: لا يجوز القصر بعد أربعة أيام. وقيل: يقصر إلى سبعة عشر يومًا. وقيل: يقصر إلى تسعة عشر يومًا، اختاره السبكي. وقيل: يقصر إلى عشرين. وقيل: هذه الأقوال في المحارب، وأما غيره فلا يجوز له القصر بعد أربعة أيام قولًا واحدًا، ورجحه الماوردي. قال الماوردي في الإقناع (ص: ٤٩): «ولو مر ببلد ينوي الخروج منه إذا انقضت أشغاله فيه بعد يوم أو يومين، فاستمر ذلك به فله أن يقصر تمام أربعة أيام، ويتم بعدها إلا أن يكون محاربًا، فيستكمل القصر سبعة عشر يومًا أو ثمانية عشر يومًا، ثم يتم». انظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٦٣٢)، مختصر المزني، ت: الداغستاني (١/ ١٤١)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٠٩٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٣٤).
(٢) التنبيه (ص: ٤١)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٢٤)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٧)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٥٥).
(٣) منهاج الطالبين (ص: ٤٤).
[ ١٨ / ٢٥٧ ]
فيمن لم يزمع الإقامة فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا» (^١).
وقيل: يقصر المسافر مطلقًا ولو أقام في أثناء سفره، سواء أجمع على الإقامة مدة معلومة أو لم يجمع، وسواء أطالت مدة إقامته أم قصرت ما لم ينو استيطانًا، أو يرجع إلى بلده.
حكاه الإمام إسحاق عن الأقلين من أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٢).
ونسبه إسحاق لأكثر الصحابة والتابعين، يقول: «وأكثر أصحاب النبي ﷺ والتابعين على أنهم كانوا يقيمون في أسفارهم الأشهر والسنة والسنتين لا يصلون إلا ركعتين» (^٣).
وممن صح عنه هذا القول من سادة التابعين مسروق بن الأجدع (^٤)، والإمام
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٥٦٢).
(٢) نقل ابن المنذر في كتابه الأوسط (٤/ ٣٥٨) عن الإمام إسحاق أنه قال: «وقد قال آخرون: وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك، إلا أن تقيم ببلدة لك بها أهل ومال فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربعٍ، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجوا لأنفسهم في ذلك ما سئل ابن عباس عن تقصير الصلاة، فقال: كان النبي ﷺ إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع». وانظر قول شيخ الإسلام ابن تيمية في: مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٨، ١٣٧، ١٤٠)، الاختيارات للبعلي (ص: ١١٠، ١١١)، الاختيارات لشيخ الإسلام لدى تلاميذه (١/ ٢١٨). وانظر قول ابن القيم في: زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧٠٨).
(٣) مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٨٩٣). وقد جاء هذا القول عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وابن عمر. وسوف أخرج هذه الآثار في الأدلة إن شاء الله تعالى.
(٤) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٤٨٩)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤٢٧)، عن الثوري، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٢٠٦) حدثنا جرير. ورواه الطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤٢٥) من طريق فضيل بن عياض، ورواه الطبري في تهذيب الآثار (٤٢٦) من طريق شعبة ثلاثتهم، عن منصور، عن أبي وائل، أنه خرج مع مسروق إلى السلسلة فقصر، وأقام سنتين يقصر، قال: فقلت له: يا أبا عائشة، ما يحملك على هذا؟ قال: التماس السنة، وقصر حتى رجع. وسنده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٢٠٧)، والطبري في تهذيب الآثار (٤٢٨) من طريق أبي معاوية، ورواه أيضًا (٤٢٩) من طريق شعبة، وعبد الرزاق (٤٤٨٧) عن الثوري، ورواه أيضًا (٤٤٨٨) عن معمر، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٤١٠٦) من طريق أبي عوانة، خمستهم، عن الأعمش، عن شقيق، به. ورواه الطبري في تهذيب الآثار (٤٣٠) من طريق خالد بن أبي طلحة مولى بن أسد، عن أبي وائل به.
[ ١٨ / ٢٥٨ ]
الحسن البصري (^١)، وعلقمة بن قيس النخعي (^٢)، وجابر بن زيد (^٣)، وعامر الشعبي (^٤)،
هذه هي الأقوال في مسألة المسافر إذا أقام لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي، وتتلخص فيما يلي:
قيل: يقصر مطلقًا حتى يرجع إلى أهله أو ينوي استيطانًا بتغيير محل إقامته من
_________________
(١) رواه الطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤٣٣) من طريق ابن علية، عن يونس: أن الحسن كان يقول: المسافر يصلي ركعتين حتى يرجع إلى أهله. ورواه عبد الرزاق في المصنف (٤٤٩٢)، عن هشام، عن الحسن قال: يصلي ركعتين وإن أقام سنة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٢٠٨) حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كنت مع علقمة بخوارزم سنين يصلي ركعتين. وسنده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، ت: الشثري (٨٤٢٨) حدثنا وكيع، قال: حدثنا زكريا، عن عامر، قال: أقام علقمة بمرو سنتين في الغزو يقصر الصلاة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٢٠٥)، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن مالك، قال: قلت لجابر بن زيد: أقيم بكسكر السنة والسنتين وأنا شبه الآهل، فقال: صل ركعتين. وسنده صحيح.
(٤) رواه جعفر بن سليمان الضبعي كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٩٤). وهشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (٤٤٩٣)، والزيادات على كتاب المزني لأبي بكر النيسابوري (٩٨). وسعيد بن عامر، كما في الزيادات على كتاب المزني لأبي بكر النيسابوري (٩٩)، عن أسماء بن عبيد، عن الشعبي. وفي رواية أبي بكر النيسابوري إدراج، سواء في روايته عن هشام بن حسان، أو في رواية سعيد بن عامر، وقد فصلت رواية عبد الرزاق المدرج. ورواه مهدي بن ميمون كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٥٥)، عن أسماء بن عبيد به ببعضه.
[ ١٨ / ٢٥٩ ]
غير فرق بين أن يعزم على الإقامة أو لا.
وقيل: يقصر مطلقًا، ولو أقام سنوات، بشرط أن يُحْتَمل انقضاؤها في مدة القصر.
وقيل: يقصر مطلقًا إذا كان لا يعلم متى تنقضي حاجته، ولو علم أنها لا تنقضي قريبًا.
وقيل: يقصر إلى ثمانية عشر يومًا، ثم يتم.
سبب الخلاف:
تسوية كثير من الفقهاء في الحكم بين المقيم في بلده وفي بيته، وبين المقيم في أثناء سفره، مما حملهم على القول بأن الأصل الإتمام إذا أقام في أثناء سفره، وحين وقفوا على النصوص التي تنقل أن النبي ﷺ كان يقصر في أثناء إقامته في سفره، حاولوا تأويلها بالقول بأن النبي ﷺ قصر فيها؛ لأنه لم يجمع على الإقامة فيها، وحين وجدوا بعض النصوص لا تحتمل مثل هذا التأويل، وأن النبي ﷺ كان قد أجمع على الإقامة مدة معلومة كما في حجة الوداع ذهبوا إلى تخصيص القصر في حدود هذه الإقامة، ومنعوا من القصر فيما زاد عليها، وكل هذه القيود ليست منصوصة من الشارع، فلم ينقل عن النبي ﷺ أن هذا الفعل منه هو منتهى ما يقصر فيه المسافر إذا عزم على الإقامة مدة معلومة، ولم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يعزم على الإقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب قد تطول مع العدو، فكل هذه العلل إنما ادعيت للخروج من التزام ظاهر هذه النصوص المطلقة والعامة؛ لاعتقادهم بأن القصر للمسافر أثناء إقامته ممنوع، ولتسويتهم بين إقامة المسافر في بلده وبين إقامته في أثناء سفره، وقد دلت النصوص على الفرق بينهما، والنصوص المطلقة والعامة باقية على عمومها وإطلاقها، لا يقيدها، ولا يخصصها إلا نصوص مثلها، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له، وبالرجوع إلى فهم الصحابة رضوان الله عليهم نجدهم مختلفين، فنلتزم ظواهر النصوص؛ لأن الأصل التزام ظاهر النص إلا لدليل، والله أعلم.
دليل من قال: يقصر ما لم يجمع إقامة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
فقوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته
[ ١٨ / ٢٦٠ ]
إذا لم يجمع مكثًا، كما لو كان لا يدري أيسافر اليوم أو غدًا متى انتهت حاجته، بخلاف المسافر إذا أجمع على الإقامة مدة معينة، فهذا يقطع حكم سفره، ويلحقه بالمقيم، والله أعلم.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا يحفظ نص مرفوع عن النبي ﷺ في التفريق بين المسافر إذا أجمع مكثًا أو أو لم يجمع، فالنبي ﷺ قصر في حجة الوداع، وقد أجمع على الإقامة فيها أربعة أيام، وقيل: عشرة أيام على افتراض أن إقامته في المشاعر إقامة واحدة، وقصر في إقامته في تبوك عشرين يومًا ولم يجمع على إقامة، فدل على أنه لا فرق.
الوجه الثاني:
إبطال حكم القصر بالإقامة في أثناء السفر حكم وضعي، فلو كانت الإقامة في السفر تبطل حكم القصر لأبطلته من حيث كونها إقامة، لا بالنظر إلى سببها، فكما أن السفر لا ينظر إلى سببه في حكم القصر، فيقصر سواء أنشأ السفر لقربة أو لمباح، بل ولو أنشأه لمعصية على الصحيح؛ لأن الحكم معلق بالسفر، لا بسببه، فكذلك الحكم في الإقامة في أثناء السفر، فإذا صح الترخص للمسافر مع الإقامة تسعة عشر يومًا دل ذلك على أن الشارع لم ينظر إلى سبب الإقامة؛ وإنما إلى بقاء نية السفر، ومفارقة بلده، فلا يقطع السفر إلا حيث تنقطع نيته، وهي تنقطع بأحد أمرين: نية الاستيطان بتغيير محل الإقامة، أو الرجوع إلى بلده.
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٨٩) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق أبي شهاب، عبد الله، قال: أخبرنا عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٢٩٩).
[ ١٨ / ٢٦١ ]
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[رجح الإمام البخاري وأبو داود والبيهقي إرساله] (^١).
وجه الاستدلال:
قال إسحاق بن منصور: «قيل لأحمد ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني
_________________
(١) اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير: فرواه معمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق، ت: الأعظمي (٤٣٣٥)، ومن طريقه رواه أحمد (٣/ ٢٩٥)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١١٣٩)، وأبو داود في السنن (١٢٣٥)، والترمذي في العلل (١٥٨)، وابن حبان (٢٧٤٩، ٢٧٥٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢١٦). خالفه: علي بن المبارك كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٠٩)، فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلةً، يصلي صلاة المسافر ركعتين. قال الترمذي: «سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: يُروى عن ابن ثوبان عن النبي ﷺ مرسلًا». وقال أبو داود كما في السنن ت: محيي الدين عبد الحميد (١٢٥٣): غير معمر يرسله لا يسنده». وقال البيهقي في السنن (٣/ ٢١٦): «تفرد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي ﷺ مرسلًا ». وخالفهم النووي، فقال في الخلاصة (٢٥٦٨): «الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر؛ فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة». ويجاب بأن تفرد معمر لا يضر لولا المخالفة، فإنه قد خالف علي بنَ المبارك، وهو من أصحاب يحيى بن أبي كثير. وخرجه ابن حبان في صحيحه، وهو يقتضي تصحيحه (٢٧٤٩)، وهو شاهد على تساهل ابن حبان رحمه الله تعالى. وصححه ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١). وروى البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٧) من طريق معاوية يعني ابن عمرو، عن أبي إسحاق يعني الفزاري، عن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك فأقام بها بضع عشرة فلم يزد على ركعتين حتى رجع. لم يروه عن أبي الزبير إلا أبو أنيسة، وهو رجل مجهول.
[ ١٨ / ٢٦٢ ]
عشرةَ زمنَ الفتح، قال: إنَّما أرادَ حُنينًا لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادةً على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ» (^١).
ولأن المحارب في دار الحرب لا تصح له إقامة؛ لأنه لا يتمكن من الاستيطان، فإنه بين أن يهزم عدوه فيقر، أو يغلب فيرجع، فكانوا ينتظرون الرجوع في كل يوم، فلم يجمعوا على الإقامة مدة معلومة.
وقال أبو بكر الأثرم: «فأما حديث ابن عباس وعمران بن حصين في إقامة النبي ﷺ بمكة في الفتح؛ فإنه لم يكن للنبي ﷺ عزيمة تعلم.
وكذلك السنة في من لم يعزم، أنه يقصر ما أقام، كما فعل أصحاب النبي ﷺ، أقام عدة منهم سنتين يقصر الصلاة» (^٢).
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
قول أبي بكر الأثر: السنة في من لم يعزم أنه يقصر: إن قصد بذلك سنة النبي ﷺ فلا يحفظ في ذلك شيء مرفوع من سنته، وإن قصد سنة أصحابه، فهم مختلفون، ولم يصح ذلك عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر في أحد أقواله التي رويت عنه، وما روي عن عليٍّ وابن عباس فضعيف، وهو معارض بفعل أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود رضي الله عن الجميع (^٣).
الوجه الثاني:
النبي ﷺ لما قصر بمكة وتبوك لم يعلل فعله إلا بالسفر، ولم يبين لهم أنه قصر مع الإقامة لأنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، ولا قال: إن حاجته يحتمل أنها تنقضي قبل الأربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في القصر في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا؛ ولا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة، لهذا قال ابن عباس: في المسافر إذا أقام: يقصر تسعة
_________________
(١) الجامع لعلوم الإمام أحمد (٨/ ١٠٥)، المغني (٢/ ٢١٣).
(٢) الناسخ والمنسوخ (ص: ١٣٩، ١٤٠).
(٣) انظر تخريج هذه الآثار عن الصحابة في المسألة التي بعد هذه.
[ ١٨ / ٢٦٣ ]
عشر يومًا فإذا زاد أتم الصلاة، أخذ ذلك تأسيًا بالنبي ﷺ (^١).
قال شيخ الإسلام: «أقام النبي ﷺ في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر! بل فتح مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة، وكذلك في تبوك» (^٢).
ويقول شيخ الإسلام: «أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان. وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام» (^٣).
ورد على هذا النقاش:
جواب شيخ الإسلام متوجه لقول الجمهور القائلين بأن من لم يجمع مكثًا يقصر بشرط أن يُحْتَمل انقضاء حاجته في مدة القصر، وهو أحد الأقوال في المسألة، وأما على القول الذي لا يشترط هذا الشرط، ويقول: إذا لم يجمع إقامة قصر مطلقًا، ولو أقام دهرًا، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته فلا يصح الاعتراض عليه بأن ما يفعل بمكة وتبوك لا يمكن أن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة، لأنه لا يشترط إلا شرطين: ألا يجمع إقامة، ولا يعلم متى تنقضي حاجته، ولو قطع أنها تتأخر جدًّا، فهذا ابن عمر الذي صرح بأنه إذا أجمع إقامة أتم قد قصر الصلاة حين حبسه الثلج بأذربيجان ستة أشهر، ومن المعلوم أن الثلج لا يذوب خلال شهر، فكأن مناط
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧٠٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٦، ١٣٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٨).
[ ١٨ / ٢٦٤ ]
الحكم عند ابن عمر التفريق بين أن يعزم على الإقامة مدة معلومة طويلة، وبين أن يعلق سفره على تحقق حاجة لا يدري متى تتحقق، وإن علم أو ظن أنه قد يطول به المقام، والله أعلم.
وسوف نجيب عن قول ابن عمر في الدليل التالي منعًا للتكرار.
الدليل الرابع:
(ث-٩٦٤) روى مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاة المسافر، ما لم أجمع مكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة (^١).
فقوله: (ما لم أجمع مكثًا) أي ما لم أعزم على الإقامة مدة معلومة.
ورواه الطبري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة.
[سنده في غاية الصحة] (^٢).
_________________
(١) الموطأ (١/ ١٤٨).
(٢) هذا الأثر عن ابن عمر رواه عنه أهل بيته، سالم، ونافع: أما رواية سالم، فرواه مالك في الموطأ (١/ ١٤٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ٢١٧). ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٧٢)، عن الإمام الزهري، عنه. وسفيان بن عيينة، كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٩٥)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤٢٠)، ثلاثتهم عن الزهري به. وسنده في غاية الصحة. وروى عبد الرزاق في المصنف (٤٤٩٧)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٣٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢٠) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: أتيت سالمًا أسأله، وهو عند باب المسجد، فقلت: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان إذا صدر الظهر، وقال: نحن ماكثون أتم الصلاة، وإذا قال اليوم وغدًا أخر، وإن مكث عشرين ليلة. وسنده صحيح. وروى الطبري في تهذيب الآثار (٣٩٤) من طريق شعبة، قال: سمعت عبد الواحد المالكي يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: كان ابن عمر إذا أجمع المقام أتم الصلاة، ولقد أقام بمكة شهرًا يصلي ركعتين، فقيل له: لو صليت قبلها أو بعدها؟ قال: لو صليت قبلها أو بعدها لأتممت الصلاة. وعبد الواحد بن سليم المالكي البصري ضعيف. وأما رواية نافع: فرواها عبيد الله بن عمر كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٩٨)، وجويرية كما في السنن البيهقي الكبرى (٦/ ١٦٠) كلاهما عن نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة. هذا لفظ عبيد الله، ولفظ جويرية: أن ابن عمر كان إذا أجمع المقام ببلد أتم الصلاة. وسنده صحيح.
[ ١٨ / ٢٦٥ ]
وقوله: (ما لم يجمع إقامة) مفهومة: أنه إذا أجمع على الإقامة مدة معلومة أتم.
وتقدم لنا ما رواه ابن القاسم، قال: أخبرني مالك، عن نافع،
عن ابن عمر: أنه كان حين يكون بمكة يتم، فإذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة.
[صحيح] (^١).
فظاهر أن ابن عمر كان يقدم إلى مكة مبكرًا أثناء المناسك فيقيم في مكة في مدة يراها ابن عمر تقطع أحكام السفر عنده؛ فيكون قد أجمع على الإقامة مدة معلومة، فإذا خرج إلى منى تجدد له سفره بالخروج إليها، وبعدها سيواصل سيره إلى المدينة.
(ث-٩٦٥) وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة.
[ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (^٢).
وروى عبد الرزاق، عن عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرح ظهره، وأتم الصلاة.
[صحيح] (^٣).
_________________
(١) المدونة (١/ ٢٥٠).
(٢) الأوسط (٤/ ٣٥٥). تابع ابن عجلان عبد الله بن عمر العمري كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٧٤). وابن عجلان يضطرب في حديث نافع، لكن تابعه عبد الله بن عمر العمري، والعمري ليس بالقوي. وقد روى مالك في الموطأ (١/ ١٤٨) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاة المسافر، ما لم أجمع مكثًا وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة. وهذا سند صحيح، فكونه يذكر اثنتي عشرة ليلة دليل على اعتبارها لو أجمع مكثًا، والله أعلم.
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٤٧٥). ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢١٧)، كلاهما عن عمر بن ذر، عن مجاهد به. ولم ينفرد به عمر بن ذر، بل تابعه أبو عيسى موسى بن مسلم الطحان، وهو ثقة، كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٥).
[ ١٨ / ٢٦٦ ]
ويجاب:
أما الاختلاف على ابن عمر في مدة الإقامة، فالجواب عنه: بأن سالمًا ونافعًا رويا عن ابن عمر بأنه يتم إذا نوى إقامة اثنتي عشرة ليلة.
وروى مجاهد بن جبر المكي: إذا أراد أن يقيم خمس عشرة ليلة.
فإن حملت الثانية على أنها حكاية عن واقعة حال لا يراد منها التحديد؛ لأن الخمس عشرة اثنتا عشرة وزيادة، وإلا رجحت رواية سالم ونافع؛ لأن رواية آل بيت الرجل أرجح من رواية الغريب عنه، والله أعلم.
وأما الاحتجاج برأي ابن عمر على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، فيقال: هذا رأي لابن عمر، وهو حجة لو كان لا يعلم له مخالف من الصحابة، وقد خالفه ابن عباس، فقال: يقصر إذا أقام إلى تسعة عشر يومًا، فإذا زاد عليها أتم، وسبق تخريجه من صحيح البخاري، ولم يشترط ابن عباس ألا يجمع مكثًا.
كما خالفه جمع من الصحابة نقل عنهم القصر مطلقًا، منهم: أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود. وسوف يأتي تخريج هذه الآثار في موضعها من الأدلة، وإذا اختلف الصحابة طلب مرجح من خارج قوليهما.
الدليل الخامس:
(ث-٩٦٦) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن علي قال: إذا أقمت بأرض عشرًا فأتم، فإن قلت: أخرج اليوم أو غدًا، فصلِّ ركعتين، وإن أقمت شهرًا.
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (^١).
ومثله يتقوى بما ثبت عن ابن عمر من جهة اعتبار أن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فإنه يقصر، ولو طالت المدة، وإذا نوى الإقامة مدة معلومة لم يقصر، وإن اختلفوا في
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٦٥)، ورواه البيهقي في الخلافيات (٢٦٧٠)، وقال: هذا مرسل. أي منقطع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب.
[ ١٨ / ٢٦٧ ]
تقدير هذه المدة.
ويرد على هذا:
الضعيف لا حجة فيه، ولو فرض صحته فقد اختلف مع ابن عمر في مدة الإقامة، وهذا دليل على أن المسألة صادرة عن اجتهاد منهما، وليس عن توقيف، وهو معارض بقول جماعة من الصحابة ترى القصر مطلقًا في الإقامة أثناء السفر.
الدليل السادس:
(ث-٩٦٧) فقد روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق عبد الوارث بن سعيد، حدثنا، ليث، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: إذا قدمت أرضًا لا تدري متى تخرج، فأتم الصلاة، وإذا قلت: أخرج اليوم أخرج غدًا فَقَصْرُ ما بينك وبين عشر، ثم أتم الصلاة.
[منكر] (^١).
(ث-٩٦٨) قد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا المثنى بن سعيد عن أبي جمرة نصر بن عمران قال:
قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ فقال: صلِّ ركعتين، وإن أقمت عشر سنين (^٢).
[صحيح].
وليس هذا خاصًّا بالغزو، كما يميل إليه الإمام الشافعي.
(ث-٩٦٩) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا
_________________
(١) رواه عبد الوارث كما في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤١٦). وخالد بن عبد الله كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٦)، كلاهما عن ليث بن أبي سليم به. وليث رجل ضعيف. وهو منكر؛ لمخالفته ما رواه البخاري (٤٢٩٩) من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا. وظاهره من غير فرق بين كونه عزم على الإقامة مدة معلومة أو لا.
(٢) المصنف (٨٢٠٢) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩).
[ ١٨ / ٢٦٨ ]
شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل، من عنزة يكنى أبا المنهال، قال:
قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا، لا أَشُدُّ على سير، قال: صل ركعتين (^١).
[صحيح] (^٢).
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة،
عن ابن عباس، قال: إن أقمت في بلد خمسة أشهر فاقصر الصلاة.
[صحيح] (^٣).
وقد ورد عن ابن عباس في البخاري: إذا زاد على تسعة عشر يومًا أتم الصلاة، فإما أن نحمل الإتمام إذا زاد على تسعة عشر يومًا في حال نوى الإقامة مدة معلومة، ونحمل رواية القصر مطلقًا فيما إذا لم ينو الإقامة مدة معلومة، كالوارد عن ابن عمر أنه إذا أجمع إقامة أتم، وحين حبسه الثلج ستة أشهر قصر الصلاة.
وإما أن نقول: إن ابن عباس له أكثر من قول في المسألة، وهذا أقرب.
فإذا صح عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقصر الصلاة ما لم يجمع مكثًا، وجاء عن علي بن أبي طالب مثله بسند رجاله كلهم ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وروي عن ابن عباس بسند ضعيف ومثله صالح للاعتبار، وإن اختلفوا في تقدير المدة التي إذا أجمع على إقامتها أتم، كلها يدل على التفريق بين إقامة المسافر إذا أجمع على الإقامة، وبين إقامة المسافر إذا لم يجمع مكثًا، وهو قول الأئمة الأربعة، وإن
_________________
(١) المصنف (٨٢٠١).
(٢) رواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٠١)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩). ووهب بن جرير كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٤١٨). ويزيد بن زريع كما في تهذيب الآثار للطبري (٤١٩)، ثلاثتهم عن شعبة به. وأبو المنهال العنزي: ثقة، واسمه عبد الرحمن بن مطعم.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨١٩٩)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩)، حدثنا جرير بن عبد الحميد به. ورواه الطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٤٢١)، حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير بن عبد الحميد به، بلفظ: سئل ابن عباس عن قصر الصلاة، فقال: «قَصِّرْ وإن كنت في أرض خمسة أشهر.
[ ١٨ / ٢٦٩ ]
اختلفوا في تقدير المدة كان هذا القول هو المترجح في المسألة.
وانظر الجواب عن هذه الآثار في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى دفعًا للتكرار.
الدليل السابع:
الإجماع، حكاه الترمذي وابن المنذر.
قال الترمذي: «أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون» (^١).
وقال مثله ابن المنذر (^٢).
وقوله: «(ما لم يجمع إقامة): أي ما لم يعزم على إقامة. يقال منه: قد أجمع فلان على الإقامة بموضع كذا، وأزمع عليه: يراد به عزم على ذلك.
ومنه قول الله ﷿: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، يعني بذلك: أحكموا أمركم، وأعدوا واعزموا على ما أنتم عليه عازمون» (^٣).
ونوقش هذا:
بأن الإجماع ليس محفوظًا مع وجود الخلاف في مذهب الشافعية، والعجب من متابعة ابن المنذر للترمذي في نقل الإجماع، وهو من أصحاب الإمام الشافعي، ويعلم مذهبه في ذلك، وإن كان الترمذي أيضًا من أصحاب الشافعية، لكنه إلى مدرسة المحدثين أقرب، بينما ابن المنذر من جملة الفقهاء المتقدمين، والله أعلم.
دليل من قال: إذا لم يجمع إقامة قصر ولو علم أن إقامته ستطول جدًّا:
الدليل الأول:
(ث-٩٧٠) رواه الطبري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يجمع الإقامة.
[سنده في غاية الصحة] (^٤).
_________________
(١) سنن الترمذي (٢/ ٤٣١).
(٢) المغني (٢/ ٢١٥)، الفروع (٣/ ٩٦)، المبدع (٢/ ١٢٢)، زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧١١).
(٣) تهذيب الآثار، مسند عمر (١/ ٢٧٢).
(٤) سبق تخريجه، انظر: (ث-٩٦٤).
[ ١٨ / ٢٧٠ ]
وروى ابن المنذر من طريق محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة فأتم الصلاة.
[ابن عجلان صدوق، وفي روايته عن نافع كلام، إلا أنه لم ينفرد به] (^١).
ومفهومه: أنه إذا أجمع الإقامة أقل من اثني عشر يومًا قصر الصلاة، وقد جاء ما يدل على صحة هذا المفهوم.
(ث-٩٧١) فقد روى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
[صحيح] (^٢).
(ث-٩٧٢) وروى الطبري من طريق داود بن قيس، عن نافع،
أن ابن عمر، أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ولم يستطع أن يخرج من البرد، ولم يرد الإقامة.
فقوله: (لم يرد الإقامة) أي لم يعزم على الإقامة مدة معلومة، وإنما علق رجوعه بذوبان الثلج، وهو أجل غير معلوم، وإن كان يتطلب وقتًا طويلًا.
ورواه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر قال: ارْتَجَّ علينا الثلج، ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة. قال ابن عمر: فكنا نصلي ركعتين.
[صحيح] (^٣).
_________________
(١) الأوسط (٤/ ٣٥٥)، وسبق تخريجه.
(٢) الموطأ (١/ ١٤٨).
(٣) رواه عبد الله بن عمر (فيه ضعف) كما في مصنف عبد الرزاق (٤٤٧١)، وطبقات ابن سعد (٤/ ١٦٢). وداود بن قيس (ثقة) كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٤٠١)، والعطاف بن خالد (صدوق) كما في حديث أبي الفضل الزهري (٦٩٩). وعبيد الله بن عمر (ثقة ثبت) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٧)، ومعرفة السنن للبيهقي (٤/ ٢٧٤)، ويحيى بن أبي كثير، كما في الزيادات على كتاب المزني لأبي بكر النيسابوري (٩٢)، وقال: في إمارة عمر، والخلافيات للبيهقي (٢٦٨٢)، وقال: في إمارة عثمان، خمستهم رووه عن نافع عن ابن عمر. وصححه النووي في الخلاصة (٢٥٦٩)، وقال: رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين. وقال النووي في الخلاصة (٢/ ٧٣٤): رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
[ ١٨ / ٢٧١ ]
ورواه أبو الفضل الزهري من طريق عطاف بن خالد، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج يقول: اليوم نخرج، غدًا نخرج.
قوله: (اليوم نخرج، غدًا نخرج) تفرد بهذا الحرف عطاف بن خالد، وهو ثقة، إلا أن عبيد الله بن عمر وداود بن قيس روياه عن نافع، ولم يذكرا هذا الحرف، والثلج في الغالب لا يذوب في أجل قصير، المهم أنه حبس عن الخروج، ولم يرد الإقامة مدة معلومة، والله أعلم.
(ث-٩٧٣) وروى عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك، قال: حدثنا أبو مجلز، قال:
كنت جالسًا عند ابن عمر … وذكر فيه: قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية الأشهر، كيف أصلي؟ قال: صل ركعتين ركعتين.
[صحيح] (^١).
فمجموع هذه الآثار عن ابن عمر تكشف لك رأي ابن عمر، فإذا أجمع مكثًا، فإن كانت الإقامة أقل من اثني عشر يومًا قصر، وإن أجمع الإقامة اثني عشر يومًا فأكثر أتم الصلاة، وإذا لم يجمع مكثًا قصر الصلاة، ولو طال به المقام حتى ولو علم أن إقامته ستطول ما دام لا يعلم متى تنقضي حاجته، ولهذا قصر ابن عمر حين حبسه الثلج بأذربيجان، والثلج عادة في تلك المناطق يحتاج حتى يذوب أن يتجاوز فصل الشتاء، وحتى إذا تجاوز فصل الشتاء فذوبانه لا يتم خلال ساعات، بل يبدأ بالذوبان التدريجي إلى أجل غير معلوم.
وهذا التفصيل من ابن عمر لا يقال إلا بتوقيف، خاصة أن ابن عمر معلوم حرصه
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٤٩٦)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٦١).
[ ١٨ / ٢٧٢ ]
على اتباع الأثر.
وفي هذا دليل على بطلان شرط الجمهور أنه يشترط للقصر ألا يعلم متى تنقضي حاجته بشرط أن يحتمل قضاؤها في مدة السفر، والله أعلم.
ويجاب:
بأن رأي ابن عمر لم يكن عن توقيف، وإنما هو اجتهاد منه بدليل:
الأمر الأول:
اختلاف ابن عمر وابن عباس على تقدير الإقامة التي تقطع حكم السفر يجعل الأمر راجعًا للاجتهاد، ولو كان عن توقيف لاتفقوا على مدة الإقامة.
الأمر الثاني:
أن ابن عمر كان له أكثر من رأي، وهذا يدل على أن ما صدر عنه كان عن اجتهاد.
(ث-٩٧٤) فقد روى ابن المنذر معلقًا، قال: ومن حديث إسحاق، قال الوليد ابن مسلم: حدثنا الأوزاعي، عن نافع،
عن ابن عمر: أنه كانت منه أشياء في قصر الصلاة في إقامته في السفر مختلفة، ثم صار إلى آخر أمره إلى أن كان إذا قدم بلدة، فأجمع أن يقيم بها اثنتي عشرة فأكثر من ذلك أتم الصلاة، وإذا قدم بلدة لا يدري ما يقيم فيها قصر الصلاة فيما بينه وبين اثنتي عشرة، فإذا كملها أتم الصلاة، وإن خرج من غد.
[معلق، والمعلق ضعيف] (^١).
ورد على هذا الجواب:
بأن ما حكاه الأوزاعي عن نافع، فهو منتقد من جهتين:
الأولى: أنه معلق، علقه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع.
والثاني: أن رواية الأوزاعي عن نافع، وفيها كلام، وسبقت الإشارة إليه في مسألة سابقة.
_________________
(١) الأوسط (٤/ ٣٥٦). وفيه علتان: إحداهما: التعليق، والمعلق ضعيف. الثانية: أن رواية الأوزاعي عن نافع فيها كلام، وسبقت الإشارة إلى هذه العلة في مسألة سابقة.
[ ١٨ / ٢٧٣ ]
وأن المنقول عن ابن عمر في القصر إذا لم يجمع إقامة قولان:
أحدهما: إذا أجمع إقامة اثني عشر يومًا أتم.
والثاني: إذا أجمع إقامة خمسة عشر يومًا أتم.
ورواية الاثني عشر يومًا رواية سالم ونافع.
ورواية: خمسة عشر يومًا رواية مجاهد.
فإن كان الطريق الجمع، فقد تكون رواية الخمسة عشر يومًا واقعة حال، لا تدل على التحديد، والخمسة عشر يومًا داخلة في الاثني عشر وزيادة.
وإن امتنع الجمع فرواية سالم ونافع أرجح؛ لأن رواية آل بيت الرجل من المدنيين أرجح من رواية الغريب، ولأن مجاهد بن جبر مكي ولم يتابع على روايته بخلاف رواية نافع فقد تابعه عليها سالم.
والنظر إنما هو في القدر المتفق عليه بين ابن عمر وعلي ﵃، وأن من عزم على الإقامة مدة معلومة أتم، وإن اختلفوا في تقدير هذه المدة، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أقام ثمانية عشر يومًا أقام الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٩١) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن علية، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة،
عن عمران ابن حصين قال: أقمت مع النبي ﷺ عام الفتح بمكة، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعًا فإنا قوم سفر.
[ضعيف] (^١).
_________________
(١) مداره على علي بن زيد بن جدعان، رواه جماعة عنه منهم: إسماعيل بن إبراهيم بن علية، كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤٣)، ومصنف ابن أبي شيبة، ت: الشثري (٣٨٦٠، ٨١٧٤، ٨١٩٥)، والسنن المأثورة للشافعي (ص: ١١٩)، ومسند أحمد (٤/ ٤٣١، ٤٣٢)، وسنن أبي داود (١٢٢٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٤٣)، وفي مستخرج الطوسي (٣٨٣ - ٥١٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٠٩) ح ٥١٥، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٢٣)، وفي معرفة السنن (٤/ ٢٤٢). وحماد بن سلمة كما في سنن أبي داود الطيالسي (٨٧٩، ٨٩٨)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤٤)، ومسند أحمد (٤/ ٤٣٠)، وسنن أبي داود (١٢٢٩)، وفي الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٦٥)، وشرح معاني الآثار (١/ ٤١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٦). وشعبة كما في مسند أحمد (٤/ ٤٤٠)، وعبد الوارث كما في صحيح ابن خزيمة (١٦٤٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٠٩) ح ٥١٦، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢١٦). وهشيم كما في سنن الترمذي (٥٤٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٠٨) ح ٥١٤. وآفته تفرد علي بن زيد بن جدعان به، وهو ضعيف، روى له مسلم حديثًا واحدًا مقرونًا بثابت، عن أنس. كان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عن شيوخه عنه، وكان يحيى بن سعيد يتقي حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أحمد: ليس هو بالقوي، وروى عنه الناس.
[ ١٨ / ٢٧٤ ]
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٩٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
[المحفوظ أنه مرسل] (^١).
فهذا الرواية محمولة على أن الراوي عدَّ يوم الدخول ويوم الخروج.
ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن المرسل ضعيف؛ لعلة الانقطاع، فلا حجة فيه على الصحيح.
الوجه الثاني:
لو صحَّ، فالفقهاء يجيبون عنه بأحد جوابين:
أما من يرى التحديد بأربعة أيام كالجمهور فالجواب عندهم: أن النبي ﷺ لم ينو الإقامة، بل كان ينتظر متى ينتهي من مهمته ليرحل، وكل من لم يجمع الإقامة مدة معلومة فإنه يقصر ولو مكث سنوات، وحكي إجماعًا.
وأما من يرى أن المسافر يقصر حتى يرجع إلى أهله، فيرى أن قصر النبي ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه في صدر البحث.
[ ١٨ / ٢٧٥ ]
بتبوك هذه المدة حكاية فعل لا ينفي جواز القصر فيما زاد عليها. فمن أين لنا أن النبي ﷺ لو زاد عليها يومًا سيمتنع من القصر، والأصل أن اليوم الحادي والعشرين كاليوم العشرين، وقد ثبت السفر بيقين فلا يرتفع إلا بيقين.
وأجيب على هذا:
قال الشوكاني: «لا شك أن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك» (^١).
يقصد أن الأصل في المقيم الإتمام إلا ما ورد فيه النص من قصره في مكة وتبوك، ولم يصح أنه ﷺ قصر في الإقامة أكثر من ذلك فيقتصر على هذا المقدار.
ورد على هذا الجواب:
من قال: إن الأصل في المقيم المسافر الإتمام، فالسنة فرقت بين المقيم في بلده وبين المقيم في أثناء السفر، ومن سوى بينهما فقد خالف السنة المرفوعة، وخالف ما عليه أكثر الصحابة.
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٩٣) روى البخاري من طريق أبي شهاب، عن عاصم، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا (^٢).
وهذه الرواية محمولة على أن الراوي عدَّ يوم الدخول، ولم يعد يوم الخروج، أو العكس.
قال ابن حجر: «وجه الدلالة من حديث ابن عباس لما كان الأصل في المقيم الإتمام فلما لم يجيء عنه ﷺ أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر» (^٣).
ويجاب عن حديث ابن عباس بما أجيب به حديث جابر ﵁.
_________________
(١) نيل الأوطار (٣/ ٢٥١).
(٢) صحيح البخاري (٤٢٩٩).
(٣) فتح الباري (٢/ ٥٦٢).
[ ١٨ / ٢٧٦ ]
دليل من قال: الإقامة في أثناء السفر لا تمنع من القصر مطلقًا:
هذا القول لا يرى الإقامة في أثناء السفر مانعة من الترخص في أحكام السفر مطلقًا، سواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لم يعزم، فالسفر لا يرفعه إلا أحد أمرين: الرجوع إلى أهله أو نية الاستيطان بتغيير محل الإقامة.
وأدلة هذا القول سوف أذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة: حكم الترخص إذا عزم على الإقامة مدة معلومة.
الراجح:
أن المسافر يقصر مطلقًا، سواء أعزم على الإقامة مدة معلومة أم لا، وسواء أعلم أن حاجته تنقضي قريبًا أم بعيدًا، ولا يرفع حكم السفر إلا أحد أمرين: نية الاستيطان المطلق، أو الرجوع إلى بلده، والخطأ في هذه المسألة جاء من تسوية الإقامة في بلده وفي مسكنه بالإقامة في أثناء سفره بعيدًا عن منزله، بحجة أن الإقامة في أي موضع تنافي السفر، وغاية ما يستفيده المسافر من إقامته في سفره هو تخفيف مؤونة السفر، وإذا كان الترف في السفر لا يمنع من الترخص لم تمنع منه الإقامة إذا تخللت سفره، أما من يسوي بين الإقامة في بلده وفي مسكنه وبين الإقامة في سفره من كل وجه فقد جانب الصواب، وخالف السنة المرفوعة من عدم التفريق بينهما كما فعل النبي ﷺ في حجة الوداع، والله أعلم.
وانظر المسألة التالية تكشف لك مزيد بيان في حكم المسافر مع الإقامة في أثناء السفر.
[ ١٨ / ٢٧٧ ]