المدخل إلى المسألة:
إذا عجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا إلى جدار، أو معتمدًا على عصا وجب عليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الانتقال إلى القعود لا يجوز إلا عند العجز عن صورة القيام كما لو فقد بعض العضو في الغسل وجب عليه غسل الباقي.
القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.
إذا عجز عن تحقيق القيام الكامل سقط ما عجز عنه، ووجب عليه أن يأتي من القيام بما قدر عليه؛ لأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
إذا عجز عن الانتصاب قام منحنيًا قياسًا على الأحدب؛ ولأن القائم منحنيًا أقرب إلى القيام من القعود فكذلك من قام مستندًا.
لو حلف ألا يقوم، فقام مستندًا على شيء حنث في يمينه؛ لأنه يعد قائمًا، ولأن الاتكاء لا يسلب اسم القيام خاصة مع العذر.
غايةُ المستند على شيء أن يكون قادرًا على القيام بغيره، وقد ذهب أكثر الفقهاء أن القادر بغيره كالقادر بنفسه، فالأعمى إذا كان قادرًا على الوصول إلى المسجد عن طريق قائد يقوده وجبت عليه الجمعة.
[م-١١٣٩] إذا عجز عن القيام استقلالًا صلى معتمدًا على عصا، أو مستندًا إلى شيء، وهو قول الأئمة الأربعة، على خلاف بينهم في وجوب ذلك:
فقيل: إذا أمكنه الصلاة قائمًا مستندًا على شيء لم يصلِّ جالسًا، فالترتيب، وهو
[ ١٨ / ٣٣٩ ]
مذهب الحنفية، ورجحه ابن شاس وابن الحاجب وخليل وابن ناجي من المالكية، والأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، بل قال الشافعية: لو عجز عن القيام على قدميه، وأمكنه النهوض على ركبتيه لزمه مع أنه لا يسمى قائمًا (^١).
جاء في البحر الرائق: «لو قدر عليه متكئًا، أو معتمدًا على عصا، أو حائط، لا يجزئه إلا كذلك وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك» (^٢).
وقال القرافي: «فإن عجز انتقل إلى الجلوس مستقلًّا، فإن عجز ففرضه
_________________
(١) جاء في المحيط البرهاني (٢/ ١٤١): «وإذا قدر على القيام متكئًا لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في شيء من الكتب، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: الصحيح أنه يصلي قائمًا متكئًا، ولا يجزئه غير ذلك، وكذلك لو قدر على أن يعتمد على عصا، أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام، فإنه يقوم ويتكئ خصوصًا على قول أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله، فإن على قولهما: إذا عجز المريض عن الوضوء، وكان يجد من يوضئه لم يجزئه التيمم، وقدر بغيره كقدرته بنفسه، فكذلك هذا». وجاء فيه أيضًا (٢/ ١٤٢): «لم يذكر محمد ﵀ في (الأصل): ما إذا لم يقدر على القعود مستويًا، وقدر عليه متكئًا، أو مستندًا إلى حائط أو إنسان، أو ما أشبه ذلك، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا ﵏: يجزئ أن يصلي قاعدًا مستندًا أو متكئًا، لا يجزئه أن يصلي مضطجعًا خصوصًا على قولهما، هكذا ذكر في (النوادر)». وانظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (٢/ ١٢١)، النهاية في شرح الهداية (٤/ ٢)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، العناية شرح الهداية (٢/ ٣)، خزانة المفتين (ص: ٧٠٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٧٩)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٦)، فتح القدير (٢/ ٣). واشترط المالكية لجواز الصلاة مع الاعتماد أن يكون استناده لغير حائض أو جنب، فإن استند إلى واحد منهما أعاد في الوقت. انظر في مذهب المالكية: عقد الجواهر لابن شاس (١/ ١٠١)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، تحبير المختصر (١/ ٣٢١)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ٢٠٦). وانظر في مذهب الشافعية: فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، الغاية في اختصار النهاية (٢/ ٧٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (٢/ ٣٠٥)، الإقناع (١/ ١٧٦)، كشاف القناع (٣/ ٢٤٩)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٨٧)، غاية المنتهى (١/ ٢٢٩).
(٢) البحر الرائق (٢/ ١٢١).
[ ١٨ / ٣٤٠ ]
الجلوس مستندًا» (^١).
وقال خليل: «واعلم أن مراتب الصلاة سبع، أربع على الوجوب … فالأربع: أن يقوم مستقلًّا، ثم مستندًا، ثم يجلس مستقلًّا، ثم مستندًا » (^٢).
وقال النووي: «إذا لم يقدر على الاستقلال، فيجب أن ينتصب متكئًا على الصحيح» (^٣).
ولم يذكر الشافعية الاستناد في الجلوس إذا عجز عنه استقلالًا فيما وقفت عليه، لكنهم قالوا: إذا عجز عن القيام قعد كيف شاء؛ لإطلاق الحديث.
وقيل: لا يلزمه القيام مستندًا، وهو قول للمالكية، ووجه شاذ للشافعية (^٤).
قال ابن ناجي وزروق: «الترتيب بين القيام مستندًا وبين الجلوس مستحب» (^٥).
قال مالك كما في العتبية: «إن عجز عن القيام فأحب إلي أن يصلي متكئًا على عصا إن قدر» (^٦).
وقال النووي: «وفي وجه شاذ: لا يلزمه القيام في هذا الحال، بل له الصلاة قاعدًا» (^٧).
وقيل: يجب عليه الجلوس، ولا يصح القيام مستندًا، وبه قال ابن المسيب والحسن، ورجحه ابن حزم (^٨).
والخلاف في الجلوس مستندًا إذا لم يستطع الجلوس استقلالًا كالخلاف في القيام مستندًا إذا تعذر القيام استقلالًا، والأدلة واحدة، والله أعلم.
دليل من قال: إذا أمكنه الاستناد قائمًا لم يصلِّ جالسًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥١٦) ما رواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، أنبأ شيبان بن
_________________
(١) الذخيرة (٢/ ١٦١).
(٢) التوضيح (١/ ٣٤٨).
(٣) روضة الطالبين (١/ ٢٣٣).
(٤) التهذيب في الفقه الشافعي (٢/ ١٧٣).
(٥) شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ٢٠٦)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٣٩٩)، جواهر الدرر (٢/ ١٥٩).
(٦) انظر: التاج والإكليل (٢/ ٢٦٦)، حاشية جواهر الدرر (٢/ ١٦١).
(٧) روضة الطالبين (١/ ٢٣٣).
(٨) المحلى (٣/ ١٤٠).
[ ١٨ / ٣٤١ ]
عبد الرحمن، عن حصين بن عبد الرحمن،
عن هلال بن يساف، قال: قدمت الرقة فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ؟ قال: قلت: نعم غنيمة، فدفعنا إلى وابصة بن معبد قلت لصاحبي: نبدأ، فنظر إلى دله فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين، وبرنس خز غبر، وإذا هو معتمد على عصا في صلاته، فقلنا له بعد أن سلمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن، أن رسول الله ﷺ لما أسن، وحمل اللحم اتخذ عمودًا في الصلاة يعتمد عليه.
[صحيح] (^١).
وجه الاستدلال:
قوله: (وإذا هو معتمد على عصا في صلاته).
وأجيب:
هذا الفعل من الصحابي ﵁ يدل على جواز الاعتماد على العصا في الصلاة إذا احتاج إليه المصلي، ولا يدل على أن ذلك فرض؛ لأن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل واجب، فكيف بفعل الصحابي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥١٧) روى البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: … إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. وقد رواه مسلم (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٩٧٥)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٩)، ورجاله ثقات. ورواه أبو داود في السنن (٩٤٨)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٧٧) ح ٤٣٤ من طريق عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، أخبرنا أبي، عن حصين بن عبد الرحمن به، وهذا إسناد ضعيف، في إسناده عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد مجهول، والله أعلم.
(٢) صحيح البخاري (٦٧٤٤)، ومسلم (٢٣٨٠).
[ ١٨ / ٣٤٢ ]
وجه الاستدلال:
أن المصلي مأمور بالقيام الكامل مع القدرة عليه، وهو القيام استقلالًا غير مستند، ولا معتمد على شيء، فإذا عجز عن تحقيق القيام الكمال سقط ما عجز عنه، ووجب عليه أن يأتي من القيام بما قدر عليه.
لأن ما لحق القيام من نقص بالاعتماد لا أثر له؛ لأنه معذور فيه، فصار قيامه كأنه لم يستند فيه على شيء.
وقياسًا على الأحدب، حيث يجب عليه القيام ولو كان منحنيًا كهيئة الراكع، فكذلك هنا، حيث كان انتصاب قدميه كافيًا في تحقيق القيام مع العذر.
ولأن المقدور لا يسقط بالمعسور.
ولأن القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.
ولأن الاستناد إذا تعين طريقًا لتحصيل القيام الواجب صار الاستناد واجبًا؛ لعموم القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولأنه لو حلف ألا يقوم، فقام مستندًا على شيء حنث في يمينه؛ لأنه يعد قائمًا حتى قال الشافعية: لو قام مستندًا على شيء مع قدرته على القيام، كره، وصح قيامه؛ لأنه يصدق عليه أنه قائم، وسبق لنا توثيق ذلك في المسألة السابقة.
ولأن غاية المستند على شيء أن يكون قادرًا على القيام بغيره، وقد ذهب أكثر الفقهاء أن القادر بغيره كالقادر بنفسه، فالأعمى إذا كان قادرًا على الوصول إلى المسجد عن طريق قائد يقوده وجبت عليه الجمعة.
دليل من قال: يستحب القيام متكئًا ولا يجب:
(ح-٣٥١٨) روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (١١١٧).
[ ١٨ / ٣٤٣ ]
وجه الاستدلال:
الحديث أمره بالصلاة قائمًا، وظاهره القيام الواجب عليه في الصلاة، وهو القيام استقلالًا، فإذا لم يستطع سقط عنه، وصار فرضه الصلاة جالسًا، ولم يجعل بين القيام استقلالًا وبين الجلوس مرتبة أخرى، وهو القيام مستندًا.
قال ابن رشد: «لما سقط عنه القيام، وجاز له أن يصلي جالسًا صار قيامه نافلة، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النافلة» (^١).
ونوقش:
المخالف ينازع في سقوط القيام عنه مع قدرته على القيام مستندًا؛ لأن القيام بالصلاة واجب، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان الاستناد واجبًا لتحصيل فرض القيام.
دليل من قال: يجب عليه الجلوس إذا لم يستطع القيام استقلالًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٥١٩) روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عبد الوارث: عن عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟. قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت. فقال النبي ﷺ: لا، حلوه، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد.
وجه الاستدلال:
من شروط التكليف القدرة، وأن يكون قادرًا بنفسه، فكل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، من إنسان أو جدار أو عصا، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره.
ونوقش هذا:
بأن حديث أنس في تكليف الإنسان نفسه أكثر مما يطيقه مما لا يجب عليه،
_________________
(١) التاج والإكليل (٢/ ٢٦٨)، حاشية جواهر الدرر (٢/ ١٦١).
[ ١٨ / ٣٤٤ ]
(ح-٣٥٢٠) وقد روى الشيخان من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة،
عن عائشة ﵂ قالت: … كان النبي ﷺ يقول: خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لن يمل حتى تملوا، وكان يقول: أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ (^١).
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٢١) وروى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (^٢).
(ح-٣٥٢٢) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^٣).
قال ابن حزم: «وليس له أن يعمل في صلاته ما لم يؤمر به، ولو كان ذلك فضلًا لكان رسول الله ﷺ أولى بذلك، لكنه لم يفعله، بل صلى جالسًا إذ عجز عن القيام، وأمر بذلك من لا يستطيع، فصلاة المعتمد: مخالفة لأمر رسول الله ﷺ» (^٤).
الدليل الثالث:
(ح-٣٥٢٣) روى مسلم، من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٩٧٠)، وصحيح مسلم (١٧٧ - ٧٨٢).
(٢) صحيح البخاري (٨٠٥)، وصحيح مسلم (٧٧ - ٤١١)، واللفظ لمسلم.
(٣) صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).
(٤) المحلى (٣/ ١٤٠).
(٥) صحيح مسلم (١٧١٨).
[ ١٨ / ٣٤٥ ]
لم يؤمر المصلي إذا ضعف عن القيام أن يعتمد على العصا، ولا أن يستند إلى جدار، ولا أن يستعين بغيره، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فكان فرضه الجلوس بنص حديث عمران بن الحصين.
وقد حملت أدلة القائلين بالوجوب الرد على ابن حزم ﵀، والله أعلم.
الراجح:
أن المصلي إذا أمكنه الاستناد إلى جدار، أو الاعتماد على عصا بلا كلفة أن ذلك يجب عليه لتحصيل ركن القيام، والله أعلم.
[ ١٨ / ٣٤٦ ]