المدخل إلى المسألة:
الرجوع لحاجة نسيها ليس رجوعًا عن السفر، فلا يسقط حكمه ما لم يدخل وطنه.
إذا كان المسافر يقصر لمفارقته العمران فالعائد لحاجة نسيها لا يزال يقصر ما دام مفارقًا للعمران حتى يدخل العمران.
كون الإياب لا يعد من مسافة السفر لا يعني عدم الترخص فيه.
الذهاب لا يضم إلى الإياب في مسافة السفر، لا في الترخص.
من قصر ثم رجع قبل استكمال المسافة لا يعيد الصلاة؛ لأن المعتبر نية مسافة القصر لا حقيقتها.
[م-١١٢٩] إذا شرع الرجل في السفر، ثم بدا له الرجوع لحاجة نسيها، وكان الرجوع إلى وطنه الأصلي (^١)، وهل يقصر في عودته؟
فقيل: لا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع يقصر فيها الصلاة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وبه قال إسحاق (^٢).
_________________
(١) وصف الأصلي قيد أريد به إخراج الرجوع إلى مكان إقامته في سفره، كما لو أقام في مكانٍ إقامةً تمنع من الترخص على مذهب من يقول: ينقطع حكم السفر إذا أجمع على الإقامة مدة معينة، فإذا خرج منه، واستأنف القصر ثم بدا له حاجة فرجع إلى موضع إقامته، فإنه يقصر حتى فيه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وسبق ذكر هذا الخلاف في المسألة السابقة.
(٢) جاء في المبسوط (١/ ٢٣٨): «وإن كان خرج من مصره مسافرًا، ثم بدا له أن يرجع إلى مصره لحاجة له قبل أن يسير مسيرة ثلاثة أيام صلى صلاة المقيم في انصرافه». وجاء في الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٢٨): «قال مالك: ومن خرج مسافرًا تقصر في مثله الصلاة، فسار ما لا يقصر في مثله الصلاة، ثم رجع إلى بيته في حاجة بدت له فليتم في رجوعه حتى يبرز ثانية». وقال الغزالي في الوجيز: «فإن رجع المسافر لأخذ شيء نسيه لم يقصر في رجوعه إلى وطنه». وقال الرافعي في شرح الوجيز (٤/ ٤٤٢): «لا يخفى أن الكلام مفروض فيما إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن قدر مسافة القصر، وإلا فهو سَفَر مُنْشَأٌ». وقال الروياني في بحر المذهب (٢/ ٣٢٢): «إن سار قدر مسافة القصر، ثم نوى الرجوع صار مقيمًا في موضعه؛ لأنه ترك سفره الأول، ثم عند الانصراف له القصر في الطريق». وانظر: بدائع الصنائع (١/ ١٠٤)، المحيط البرهاني (٢/ ٣٥)، فتح القدير (٢/ ٣٤)، تبيين الحقائق (١/ ٢١١)، البحر الرائق (٢/ ١٤٢)، النهاية في شرح البداية للسغناقي (٤/ ٤٦)، مراقي الفلاح (ص: ١٦٣)، خزانة المفتين (ص: ٧٢٠)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٩)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٨)، المدونة (١/ ٢٠٧)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٢٨)، شرح التلقين (١/ ٩٢٠)، مختصر خليل (ص: ٤٣)، التاج والإكليل (٢/ ٤٩٨)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٣)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ٤١٧)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٢)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٢٦٤)، الأم (١/ ٢١٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٠)، المجموع (٤/ ٣٤٩، ٣٥٠)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٢)، تحرير الفتاوى (١/ ٣٦٣)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٥١٩)، الفروع (٣/ ٩٨)، دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٧١٨)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٢)، الإقناع (١/ ١٨٠)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٧٠). وانظر: قول إسحاق في مسائل الكوسج (٣٥٩).
[ ١٨ / ٢٣٢ ]
قال ابن قدامة: «ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة في نفسها» (^١).
وقال النووي: «هذا كله -يعني: عدم القصر- إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن مسافة القصر، فإن كانت فهو مسافر مستأنف، فيترخص بلا خلاف» (^٢).
وقيل: يقصر في رجوعه مطلقًا، ما لم يدخل بيوت القرية، اختاره ابن الماجشون من المالكية، وحكاه في الموازية عن مالك، وهو وجه في مذهب الشافعية، وصفه النووي بالشذوذ، وقول في مذهب الحنابلة، قواه المجد، ورجحه شيخ الإسلام (^٣).
_________________
(١) المغني (٢/ ١٩٠).
(٢) المجموع (٤/ ٣٥٠) روضة الطالبين (١/ ٣٨٣).
(٣) جاء في التوضيح لابن الحاجب (٢/ ٢١): «واختلف إذا رجع لشيء نسيه، وإن لم يكن في ذلك مسافة القصر، فقال مالك وابن القاسم: لا يقصر؛ لأن رجوعه سفر مبتدأ. ابن عبد السلام وابن هارون: وهو المشهور. وقال ابن الماجشون: يقصر؛ لأن المانع من قصره نية الإقامة وهي مفقودة. وحكى في الموازية القولين عن مالك. ولا شك على القولين أنه إذا دخل وطنه يتم». وجاء في أسنى المطالب (١/ ٢٣٦): «وحكى فيه في أصل الروضة وجهًا شاذًّا أنه يترخص إلى أن يصله، قال البلقيني: وليس شاذًّا، بل هو مذهب الشافعي المنصوص عليه صريحًا في البويطي وغيره، وعليه العراقيون. والأول: إنما هو طريقة القفال وأتباعه». وانظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٢٨)، النوادر والزيادات (١/ ٤٢٠)، شرح التلقين (١/ ٩٢٠)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٢٦٤)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٣)، التبصرة للخمي (٢/ ٤٦٦)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٥١)، الإشراف لابن المنذر (٢/ ٢٠٩)، المجموع (٤/ ٣٤٩). قال المرداوي في تصحيح الفروع (٣/ ٩٨): «قال ابن تميم: ولو نسي المسافر حاجة في بلده، فرجع لأخذها عن قرب، فهل يقصر في رجوعه؟ فيه وجهان: اختار الشيخ: القصر، والقاضي عدمه، وحكي ذلك عن أحمد. فإن نوى أن يقيم به ما يمنع القصر لم يقصر في رجوعه إليه عن قرب وجهًا واحدًا». فقوله: (فرجع لأخذها عن قرب) قيد (القرب) يفهم منه أنه لو رجع بعد أن بلغ مسافة القصر، فإنه يقصر؛ لأنه سفر منشأ. والله أعلم. وقال في الفروع (٣/ ٩٨): «ولو لم ينو الرجوع، بل بدا له لحاجة لم يترخص بعد نية عوده حتى يفارقه ثانية (و) وعنه. يترخص في عوده إليه، لا فيه». فساقه ابن مفلح راوية عن أحمد، وساقه ابن تميم وجهًا، والله أعلم. وفي الإنصاف (٢/ ٣٣٢): «قال المجد: ويقوى عندي أنه لا يقصر إذا دخل وطنه، ولكن يقصر في عوده إليه».
[ ١٨ / ٢٣٣ ]
جاء في شرح الخرشي: «قال ابن الماجشون إذا رجع لشيء نسيه يقصر؛ لأنه لم يرفض سفره، وهذا إن لم يدخل وطنه وإلا فلا شك في إتمامه» (^١).
وقال النووي: «وحكى البندنيجي والرافعي وجهًا أنه يترخص في رجوعه، لا في البلد، وهو شاذ ضعيف» (^٢).
وجه من قال: لا يقصر:
الوجه الأول:
أن سيره في الرجوع غير سيره للخروج، فلا يضاف أحدهما إلى الآخر، وإذا
_________________
(١) شرح الخرشي (٢/ ٥٩).
(٢) المجموع (٤/ ٣٥٠).
[ ١٨ / ٢٣٤ ]
لم يضف الرجوع إلى السير وجب أن يتم في الرجوع إذا كانت المسافة بينهما أقل من مسافة القصر، ولو جاز هذا لجاز القصر لمن خرج لسفر مبلغه بريدان، ونيته أن يعود من فوره؛ وإنما منع من القصر؛ لأجل أن الذهاب لا يضم إلى الإياب.
الوجه الثاني:
أن هذا الرجل لما نوى الرجوع انقطع سفره إلى جهته التي خرج إليها، فإذا شرع في الرجوع نظر، فإن كان وطنه يبعد عنه مسافة سفر كان سفرًا مستأنفًا، فكان له أن يقصر، وقياسًا على المسافر إذا سافر حتى بلغ غايته من سفره، فإنه يقصر في رجوعه إلى أن يدخل بلده، فكذلك هذا، يقصر في رجوعه حتى يدخل بلده.
وإن كانت المسافة بينه وبين وطنه لا تبيح القصر لم يقصر لا في مقامه، ولا في عودته؛ لأنه حين قطع سفره صار مقيمًا في موضعه، فامتنع القصر.
ويناقش:
كونه قطع سفره إلى جهته التي خرج إليها هذا واضح، أما كونه ينقطع سفره حال إقامته مع أنه قد قطع مسافة قصر، ولم ينو في موضعه إقامة مانعة من القصر فهذا غير مفهوم، فبقاؤه في موضعه له حكم السفر كرجوعه إلى وطنه.
وجه من قال: يقصر:
الوجه الأول:
أن الرجوع لحاجة نسيها ليس رجوعًا عن السفر، فلا يسقط حكمه.
الوجه الثاني:
المسافر إذا لم ينو إقامة فهو باق على حكم سفره ما لم يدخل البلد.
الوجه الثالث:
الذهاب لا يضم إلى الإياب في مسافة السفر، لا في الترخص.
الوجه الرابع:
إذا كان المسافر يقصر بشرطين: نية السفر، ومفارقة العمران، فالعائد لحاجة نسيها لم يقطع نية السفر، ولا يزال مفارقًا للعمران، فالشرطان متوفران في حقه،
[ ١٨ / ٢٣٥ ]
فيقصر حتى يدخل العمران.
الراجح:
الراجح أن من قطع سفره في أثناء سفره، فإن كان لم يقطع مسافة تبيح القصر لم يقصر لا في موضعه، ولا في رجوعه، وإن قطع مسافة تبيح القصر، فإنه يقصر في موضعه وفي رجوعه ما لم يدخل بلده، أو ينوي إقامة مطلقة في موضعه، والله أعلم.
[ ١٨ / ٢٣٦ ]