المدخل إلى المسألة:
من سافر ليترخص لم يقصر على الصحيح؛ لأنه سفر محرم، ومن سافر لغرض مباح فسلك الأبعد ليترخص قصر الصلاة؛ لأنه سفر مباح.
السفر مقصد والطريق وسيلة، والمقصد أقوى من الوسيلة.
إذا طول لغير غرض لا يكون بأكثر ممن سافر ابتداء لغير غرض، فإذا جاز القصر في أحد الموضعين فكذلك الآخر.
[م-١١١٤] إذا كان للمسافر طريقان: يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر من جهة المسافة، فإن سلك الأبعد لغرض صحيح، لكونه آمنًا، ولو مباحًا، فله القصر بالاتفاق.
قال النووي: «فإن سلك الأبعد لغرض أمن الطريق، أو سهولته، أو كثرة الماء، أو المرعى، أو زيارة، أو عيادة، أو بيع متاع، أو غير ذلك من المقاصد المطلوبة دينًا أو دنيا فله الترخص بالقصر وغيره من رخص السفر بلا خلاف» (^١).
وإن كان لا غرض له، أو قصد الأبعد ليترخص، فاختلف في ذلك:
فقيل: لا يترخص، وهو مذهب المالكية، ونص عليه في الأم، وهو الأظهر عند أصحابه، وقول لبعض الحنابلة (^٢).
_________________
(١) المجموع (٤/ ٣٣٠).
(٢) مختصر خليل (ص: ٤٣)، التوضيح لخليل (٢/ ٢١)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٣)، التاج والإكليل (٢/ ٤٩٩)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٦)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧١)، شرح الخرشي (٢/ ٥٩)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٢)، الأم (١/ ٢١٢)، مختصر المزني، ت: الدغستاني (١/ ١٤٤)، المهذب (١/ ١٩٣)، فتح العزيز (٤/ ٤٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٧)، المجموع (٤/ ٣٣٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٨٣)، مغني المحتاج (١/ ٥٢٣)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٦١).
[ ١٨ / ١٣٨ ]
جاء في مختصر المزني: «قال الشافعي: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فإن سلك الأبعد؛ لخوف، أو حزونة في الأقرب قصر، وإلا لم يقصر» (^١).
وقيل: يقصر، وهو مذهب الحنفية، وهو قول الإمام الشافعي في الإملاء قال المزني: وهذا عندي أقيس؛ لأنه سفر مباح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).
وجه من قال: لا يقصر:
الوجه الأول:
أن تركه الطريق الأقرب وأخذه بغيرها لغير معنى عبث، ومن كان عابثًا لم يترخص.
ورد:
بأن الأصح أن من سافر لغير غرض فله أن يترخص؛ لعلة السفر.
الوجه الثاني:
لأنه طَوَّل الطريق على نفسه من غير غرض، فصار كما لو مشى في مسافة قريبة طولًا وعرضًا حتى بلغت المرحلة مرحلتين فإنه لا يترخص.
ورد هذا:
بأن المشي في المسافة طولًا وعرضًا لا يصل به إلى محل قصده بخلاف هذا.
الوجه الثالث:
القياس على من سافر ليفطر، فإن الأصح أن الفطر يحرم عليه، فكذلك هذا.
_________________
(١) مختصر المزني، ت: الدغستاني (١/ ١٤٤).
(٢) التجريد للقدوري (٢/ ٨٩٨)، المحيط البرهاني (٢/ ٢٣)، البحر الرائق (٢/ ١٤٠)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٨٥)، مجمع الأنهر (١/ ١٦١)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٨)، مختصر المزني (١/ ١٤٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١١٣، ١١٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٨٦، ٣٨٧)، التنبيه (ص: ٤١)، المجموع (٤/ ٣٣٠)، تحرير الفتاوى (١/ ٣٦٥)، الإنصاف (٢/ ٣٢٦)، المبدع (٢/ ١١٩)، الإقناع (١/ ١٨٢)، غاية المنتهى (١/ ٢٣٣)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٨٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٢٨)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٣١).
[ ١٨ / ١٣٩ ]
ورد:
بأن من سافر ليترخص لم يقصر؛ لأنه سفر محرم، ومن سافر لغرض مباح فسلك الأبعد ليترخص قصر الصلاة؛ لأنه سفر مباح.
دليل من قال: يقصر:
الدليل الأول:
عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
الدليل الثاني:
ولأنه سفر مباح، وقد قطع مسافة يقصر في مثلها فجاز أن يقصر.
الدليل الثالث:
ولأنه إذا طول لغير غرض لا يكون بأكثر ممن سافر ابتداء لغير غرض، فإذا جاز القصر في أحد الموضعين فكذلك الآخر.
الدليل الرابع:
أن السفر مقصد والطريق وسيلة، والمقصد أقوى من الوسيلة وإذا كان السفر لم يعقد من أجل القصر كان اعتباره أقوى من اعتبار الوسيلة، بخلاف من سافر ليترخص، فإن مقصده هو الترخص فامتنع، فكان كمن سافر ليفطر.
الدليل الخامس:
ولأن صحة الأغراض وحدوث الأعذار لا تعتبر في الأسفار إذا كانت مباحة، ألا تراه لو سافر للنزهة والشهوة واختار لذة قلبه وطلب مراده جاز له القصر، فكذلك هذا، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
[ ١٨ / ١٤٠ ]