المدخل إلى المسألة:
وطن الرجل: محل إقامته الدائمة، ولا علاقة له بوطن الزوج، ولا بوطن المال.
الأصل أن المسافر إذا فارق وطنه ومحل إقامته أبيح له القصر.
القول بأن وطن الزوجة وإن لم يكن وطنًا للمسافر فهو في حكم الوطن هذه دعوى في محل النزاع، فيفتقر إلى دليل.
لا يوجد دليل من كتاب ولا سنة، ولا إجماع أن دخول بلد الزوجة أو دخول بلد الأقارب قاطع لحكم السفر.
الأصل أن الزوجة تابعة للزوج وليس العكس.
الترفه ليس هو مناط ترخص المسافر، بل مفارقة محل الإقامة، سواء أكان عزبًا أم متزوجًا.
عقد النبي ﷺ زواجه على ميمونة بعد عمرة القضية، وهو في مكة، ولم يدع القصر.
حج الرسول ﷺ حجة الوداع وحج معه خلق كثير من المهاجرين، وكان لعدد منهم دور وأقارب فلم يأمرهم بالإتمام، ولم يمنعهم ذلك من القصر.
[م-١١٣١] اختلف أهل العلم في المسافر يمر ببلد له فيه زوجة، ولم يتخذه وطنًا، هل يقصر؟
القول الأول:
أنه يتم، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (^١).
_________________
(١) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (٢/ ٤٣)، الدر المختار (ص: ١٠٧)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٣١)، البناية شرح الهداية (٣/ ٣٧). وانظر في مذهب المالكية: مختصر خليل (ص: ٤٣)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٢)، مواهب الجليل (٢/ ١٤٨)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٣)، شفاء الغليل في حل مقفل خليل (١/ ٢٣٦)، جواهر الدرر (٢/ ٤٢٢)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٧٤)، شرح الخرشي (٢/ ٦١)، الفواكه الدواني (١/ ٢٥٥). وانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد رواية عبد الله (٤٢٣)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٦)، غاية المنتهى (١/ ٢٣٢)، هداية الراغب (٢/ ١٧٤)، كشاف القناع، ط: العدل (٣/ ٢٩٦)، حاشية الخلوتي (١/ ٤٥٠)، المغني (٢/ ٢١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٠)، الفروع (٣/ ٩٧)، المبدع (٣/ ١٢٣)، الإنصاف (٢/ ٣٣١) الإقناع (١/ ١٨٠). وانظر قول الشافعية في: فتح العزيز (٤/ ٤٤٤)، المجموع (٤/ ٣٥٠).
[ ١٨ / ٢٤١ ]
قال الحنفية: لو كان له أهل ببلدتين، فأيَّتهما دخلها، صار مقيمًا، ولو تزوج المسافر في بلد ولم ينو الإقامة، صار مقيمًا، وهو الأوجه. وقيل: لا (^١).
واشترط المالكية أن تكون الزوجة قد دخل بها.
قال خليل: «وقطعه -أي القصر- دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط» (^٢).
قال الخرشي تعليقًا: «ولو لم يتخذه وطنًا» (^٣).
وهو مفهوم من عطفه مكان الزوجة على الوطن يقتضي أنه غير داخل في مسمى الوطن، وإنما هو في حكمه؛ لأن الوطن هو محل الإقامة (^٤).
وقوله: (دخل بها فقط) يفهم منها مسألتان:
أحدهما: أن المرور بمكان زوجة غير مدخول بها، لا يقطع القصر؛ وألحق به في شرح المجموع لمحمد الأمير: دخول بلد زوجة ناشزة (^٥).
والمسألة الثانية: فهم من قوله: (فقط) أيضًا أن السرية وأم الولد ليست كالزوجة، وألحقهما ابن حبيب بها، ودرج عليه ابن الحاجب (^٦).
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٤٣)، النهر الفائق (١/ ٣٤٩)،
(٢) مختصر خليل (ص: ٤٣).
(٣) شرح الخرشي (٢/ ٦١).
(٤) مواهب الجليل (٢/ ١٤٨).
(٥) انظر: ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٨٣).
(٦) انظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٤٠)، شرح الخرشي (٢/ ٦١)، جواهر الدرر (٢/ ٤٢٢).
[ ١٨ / ٢٤٢ ]
وقال الدردير: «يحتمل أنه أراد من قيد الزوجة الاحتراز به عن الأقارب كالأم والأب» (^١).
وقال الحنابلة: «إذا مر ببلد له فيه زوجة، أو دخل بلدًا فتزوج فيه أتم، قال في شرح المنتهى: وظاهره، ولو بعد فراق الزوجة» (^٢).
وعلم منه أنه لو كان له به أهل من والد أو ولد لم يمنعه ذلك من القصر.
قال ابن تميم في مختصره: «وإن قدم بلدًا له فيه والد أو ولد أو دار أو مال فله القصر» (^٣).
القول الثاني:
ذهب الإمام أحمد في رواية أنه لا يقصر إذا كان له فيه أهل من والد أو ولد، أو ماشية، أو مال، وهو رواية عن أحمد (^٤).
وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: «إذا انتهى الرجل إلى أهله أو أرضه، أو ماشيته، وهو مسافر، قال: يتم الصلاة» (^٥).
وجاء في الإنصاف: وعنه -أي عن الإمام أحمد- يتم أيضًا إذا مر ببلد له فيه أهل، أو ماشية. وهي من المفردات» (^٦).
القول الثالث:
إذا مرَّ ببلد له فيه زوجة أو عشيرة، ولم يتخذه محلًّا لإقامته أبيح له القصر، وهو
_________________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٣).
(٢) جاء في دقائق أولي النهى (١/ ٢٩٤): «أو مرَّ ببلد له به امرأة: أي زوجة، وإن لم يكن وطنه لزمه أن يتم حتى يفارقه، أو مرَّ ببلد تزوج فيه لزمه أن يتم حتى يفارقه؛ لأنه صار في صورة المقيم، وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة». يقصد أنه دخل بلدًا مسافرًا فتزوج فيه ولم ينو إقامة أربعة أيام، لزمه الإتمام ولو طلق الزوجة. قال ابن قاسم في حاشيته (٢/ ٣٩٢): وليس المراد أنه قد تزوج فيها أولًا، ثم أتاها بعد». وهو نص ابن تميم في مختصره (٢/ ٣٦٤): «ولو دخل بلدًا له فيه زوجة أو تزوج به … يتم». وأصرح منه قول أبي يعلى في تعليقته الكبرى (٣/ ٣٤): «فإن قدم بلدًا، فتزوج فيه، ولم ينو إقامة أربعة أيام، لم يجز له القصر، وكذلك لو قدم على بلد له فيه أهل. نص على الأولى في رواية الأثرم، وأبي الحارث، وصالح، وأبي داود، ونص على الثانية في رواية عبد الله، وابن منصور».
(٣) مختصر ابن تميم (٢/ ٣٦٤).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٣١)، معونة أولي النهى (٢/ ٤٢٦).
(٥) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص: ١٠٧)، وانظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٥٥٧).
(٦) الإنصاف (٢/ ٣٣١).
[ ١٨ / ٢٤٣ ]
الأصح في مذهب الشافعية، ونص عليه في الأم، واتفق عليه الرافعي والنووي (^١).
قال الشافعي: «وإن سافر رجل من مكة إلى المدينة، وله فيما بين مكة والمدينة مال، أو أموال، أو ماشية، أو مواشٍ، فنزل بشيء من ماله، كان له أن يقصر، ما لم يجمع المقام في شيء منها أربعًا، وكذلك إن كان له بشيء منها ذو قرابة، أو أصهار، أو زوجة، ولم ينو المقام في شيءٍ من هذه أربعًا قصر إن شاء» (^٢).
وقال النووي: «ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة، فهل ينتهي سفره بدخولها؟ قولان. أظهرهما: لا» (^٣).
ومطلق قوله: (أهل) يدخل فيها الزوجة وقد اتفق علماء اللغة على إطلاق أهل الرجل على زوجه، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ [النمل: ٧].
وقال الخليل: «أهل الرجل زوجه» (^٤).
ونقله ابن فارس في مقاييس اللغة مقرًّا له (^٥).
جاء في المصباح المنير: «وَأَهَلَ الرَّجُلُ يَأْهَلُ وَيَأْهِلُ أُهُولًا إذَا تَزَوَّجَ وَتَأَهَّلَ كَذَلِكَ، وَيُطْلَقُ الْأَهْلُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالْأَهْلُ: أَهْلُ الْبَيْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْقَرَابَةُ …» (^٦).
ولنص الشافعي في الأم على الزوجة وسبق نقل كلامه ﵀.
ولأنه عطف العشيرة على الأهل.
وقال في المجموع: «ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة وليس هو مستوطنها الآن فهل ينتهي سفره بدخولها فيه قولان مشهوران (أصحهما) لا ينتهي بل له الترخص فيها؛ لأنه ليس مقيمًا، وبهذا قطع الشيخ
_________________
(١) الأم (١/ ٢١٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٥)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٣٨)، البيان للعمراني (٢/ ٤٨٠)، فتح العزيز (٤/ ٤٤٤)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٨٣)، المجموع (٤/ ٣٥٠)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٣٧٥).
(٢) الأم (١/ ٢١٦).
(٣) روضة الطالبين (١/ ٣٨٣).
(٤) العين (٤/ ٨٩).
(٥) مقاييس اللغة (١/ ١٥٠).
(٦) المصباح المنير (١/ ٢٨).
[ ١٨ / ٢٤٤ ]
أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب» (^١).
فصارت الأقوال ثلاثة إذا دخل بلدًا له فيه زوجة ولم يتخذه محلًا لإقامته:
أحدها: يتم المسافر إذا دخل بلدًا له فيه زوجة، ويقصر مع وجود غيرها من الأقارب.
الثاني: يقصر مطلقًا، ولو كان له فيه زوجة أو أهل.
الثالث: يتم المسافر إذا كان له فيه والد أو ولد أو مال، وبعضهم خص المال بالمنقول.
دليل من قال: إذا دخل بيتًا له في زوجة أتم:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٨٧) روى الإمام أحمد من طريق عكرمة بن إبراهيم الباهلي حدثنا عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب،
عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ قول: من تأهل في بلد فليصلّ صلاة المقيم (^٢).
[ضعيف] (^٣).
الدليل الثاني:
(ث-٩٥٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء،
عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم (^٤).
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (^٥).
_________________
(١) المجموع (٤/ ٣٥٠).
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٦٢).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) المصنف (٨١٤٠).
(٥) سبق تخريجه، انظر: (ث-٩٠٣).
[ ١٨ / ٢٤٥ ]
تابع روح بن القاسم ابن عيينة.
فقد رواه البيهقي من طريق روح، عن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح،
عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: أقصر من مر؟ قال: لا، قال: أقصر من عرفات؟ قال: لا، قال: أقصر من جدة؟ قال: نعم، قال: من الطائف؟ قال: نعم، قال: فإذا أتيت أهلك أو ماشيتك فأتم الصلاة.
[إسناده صحيح] (^١).
وأجيب عنه بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن الأثر مداره على عطاء، عن ابن عباس، وقد اختلف فيه على عمرو بن دينار عن عطاء بذكر الأهل.
فرواه ابن عيينة، وروح بن القاسم، عن عمرو بن دينار بذكر الأهل.
ورواه أيوب وشعبة، عن عمرو بن دينار فلم يذكرا لفظ الأهل (^٢).
ورواه ابن جريج، عن عطاء فلم يذكر الأهل، وابن جريج من أخص أصحاب عطاء.
(ث-٩٥٩) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة، أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر الصلاة إلا في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم، فإن ذهبت إلى الطائف، أو إلى جدة، أو إلى قدر ذلك من الأرض إلى أرض لك، أو ماشية فاقصر الصلاة، فإذا قدمت فأوف (^٣).
_________________
(١) السنن الكبرى (٣/ ٢٢٢)، وسبق تخريجه، انظر: (ث-٩٠٣).
(٢) فقد رواه أيوب كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٢٣، ٨٢٢٤)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (١٢٧١)، بلفظ: إذا انتهيت إلى ماشيتك فأتمم. ورواه شعبة كما في تهذيب الآثار للطبري (١٢٧٣) عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس: أقصر إلى عرفات؟ قال: لا. قلت: إلى الطائف؟ قال: نعم. ولم يذكر الأهل ولا الماشية.
(٣) المصنف، ط: التأصيل (٤٤٢٦).
[ ١٨ / ٢٤٦ ]
الجواب الثاني:
أن قول الصحابي حجة بشرطين:
ألا يخالف نصًّا. ولا يخالفه صحابي آخر. وهذا ما لم يتوفر في هذا الدليل فقد خالف سنة مرفوعة كما سيأتي بيانه في أدلة القائلين بأنه يقصر.
وخالفه ابن عمر ﵁، فقد كان يذهب إلى مال له بخيبر فيقصر.
(ث-٩٦٠) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقصر الصلاة إلى مال له بخيبر يطالعه.
[صحيح] (^١).
وروى الطبري من طريق أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يأتي أرضه بالجرف فما يقصر ويأتي أرضه بخيبر فيقصر (^٢).
[صحيح].
وقال ابن حزم: «ومن طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة؟ فقال: حاج، أو معتمر، أو غاز؟ قلت: لا، ولكن أحدنا تكون له الضيعة بالسواد، فقال: تعرف السويداء؟ قلت: سمعت بها، ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع، إذا خرجنا إليها قصرنا» (^٣).
[رجاله ثقات إلا أنه معلق].
(ث-٩٦١) روى محمد بن الحسن، قال: أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الوالبي، قال:
سألت عبد الله بن عمر ﵄، إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أتعرف السويداء؟ قال: قلت: لا، ولكني قد سمعت بها، قال: هي ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (٤٤٢١).
(٢) تهذيب الآثار للطبري (١٢٥٦).
(٣) المحلى (٣/ ١٩٤).
[ ١٨ / ٢٤٧ ]
[ومحمد بن الحسن إمام في الفقه، وتكلم في حفظه بعض أهل العلم].
(ث-٩٦٢) ما رواه ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا موسى، حدثنا محمد ابن الصباح، أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم،
أن ابن عمر: خرج إلى أرض له اشتراها من ابن بجينة فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا (^١).
[رجاله ثقات، وقد تكلم بعضهم في رواية الأوزاعي عن الزهري] (^٢).
فلم يمنع ابن عمر إتيانه ماله من القصر.
الجواب الثالث:
على فرض أن تكون لفظ (الأهل) محفوظة عن ابن عباس؛ فإنه يحتمل أن يكون مقصود ابن عباس: أي إذا عدت إلى بلدك ومحل إقامتك الذي فيه أهلك وماشيتك، ومع الاحتمال وتفرد ابن عباس بهذا الرأي، ومخالفته للسنة المرفوعة كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني، واختلافه مع ابن عمر، لا يكون قول ابن عباس حجة، والله أعلم.
دليل من قال: يقصر:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من كتاب أو سنة أن دخول بلد الزوجة أو دخول بلد الأقارب قاطع لحكم السفر، والأصل أن المسافر إذا فارق وطنه ومحل إقامته أبيح له القصر، وهو باقٍ على سفره حتى يرجع إلى وطنه ومحل إقامته، وهذه البلاد ليست وطنًا له، ولا محلًّا لإقامته، فلا تقطع حكم سفره.
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٨٨) روى البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء،
أن ابن عباس أخبره، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم (^٣).
_________________
(١) الأوسط (٤/ ٣٤٨).
(٢) سبق تخريجه، انظر: (ث-٩٠٧).
(٣) صحيح البخاري (١٨٣٧)، وصحيح مسلم (٤٦ - ١٤١٠).
[ ١٨ / ٢٤٨ ]
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ تزوج ميمونة في عمرة القضاء في مكة، وكان يقصر حتى رجع إلى المدينة.
ونوقش هذا:
اختلفا الروايات في زواج ميمونة، والأصح أن النبي ﷺ تزوجها، وهو حلال، وليس هذا موضع بحثها، وقد دخل بها بسرف، موضع يقع بين التنعيم ووادي فاطمة شمال غرب مكة، على بعد ١٢ كم منها، فليس فيه دليل على مسألتنا.
ورد هذا:
كون النبي ﷺ عقد عليها وهو حلال، لا يغير من الحكم شيئًا، فقد عقد عليها وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة، وهو في مكة، وبنى بها بسرف (^١).
وإذا كان الرجل يكون زوجًا بالعقد فلم يمنع ذلك النبي ﷺ من القصر.
ويجاب:
بأن المالكية يشترطون أن يكون قد دخل بها، ولا يكفي مجرد العقد؛ لأن الترفه بالأهل لا يكون بالعقد حتى يدخل بها، وقد دخل بها في طريق عودته بسرف، وقد فارقت مكة مسافرة إلى المدينة.
ويرد على هذا الجواب:
بأن هذا الشرط وإن كان شرطًا للمالكية فقط، فهو يدل على ضعف منزع القول؛ لأن مناط الحكم إما أن يكون وجود الزوجة، وإما أن يكون محل إقامتها.
فإن كان المانع من القصر محل إقامتها، فلماذا يشترط دخوله بها، وعلة القصر مفارقة الوطن عزبًا كان أو متزوجًا، ووطنها ليس وطنًا له، ولا محلًّا لإقامته، وليس الزوج في حكم التابع لزوجته حتى يعطى حكمها بمجرد دخوله محل إقامتها، بل العكس هو الصحيح.
وإن كان المانع من القصر هو الترفه بوجود الزوجة؛ ولهذا اشترطنا دخولها بها، فلو صحبته في سفره لم يمنعه ذلك من القصر فكذلك اجتماعه بها في محل
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩).
[ ١٨ / ٢٤٩ ]
إقامتها في أثناء سفره، والله أعلم.
والادعاء بأن وطن الزوجة يعطى حكم وطنه، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك؟
دليل من قال: إن الأقارب غير الزوجة لا يمنع من القصر:
حج الرسول ﷺ وحج معه خلق كثير من المهاجرين، وقد قصر النبي ﷺ بمن معه، وكان لعدد من أصحابه دار أو أكثر، وقرابات، منهم أبو بكر له بمكة دار وقرابات، وعمر له بمكة دور كثيرة، وعثمان له بمكة دار وقرابة.
قال الشافعي: «فلم أعلم منهم أحدًا أمره رسول الله ﷺ بالإتمام ولا أتم، ولا أتموا بعد رسول الله ﷺ في قدومهم مكة، بل حفظ عمن حفظ عنه منهم القصر بها» (^١).
(ث-٩٦٣) روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه،
أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (^٢).
[صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح].
وهذا كما يصدق على أمير المؤمنين، يصدق على بقية المهاجرين ممن لهم في مكة أهل ودور ومال.
الراجح:
أن الرجل إذا لم يتخذ وطن زوجته مسكنًا له، بل يأتيه زائرًا، ثم يعود إلى وطنه ومحل إقامته فهذا له أن يقصر إذا دخل بلد زوجه، وإن كان الإنسان قد اتخذه مسكنًا، بحيث يقيم في كلا البلدين إقامة مطلقة، فهذا قد اتخذ البلدين وطنًا له، فلا يقصر في واحد منهما، ويقصر فيما بينهما في أثناء سفره إن كان ما بينهما مسافة سفر، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الأم (١/ ٢١٦)، معرفة السنن (٤/ ٢٧٥)، البيان للعمراني (٢/ ٤٧٢).
(٢) الموطأ، رواية يحيى، ت: عبد الباقي (١/ ١٤٩).
[ ١٨ / ٢٥٠ ]