اختلف العلماء في الماء المتغير بالملح:
فقيل: طهور مطلقًا، سواء كان الملح مائيًا أو معدنيًا، طرح قصدًا أو من غير قصد، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)،
ووجه في مذهب الشافعية (^٣)،
_________________
(١) مذهب الحنفية أوسع المذاهب من جهة الماء إذا تغير بشيء طاهر سواء كان من الملح أو من غيره، ولذلك قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٧١): " يجوز الوضوء بالماء، ولو خالطه شيء طاهر، فغير أحد أوصافه التي هي: الطعم واللون والريح ". اهـ فلا يقيدون التغير أن يكون مما لا يمكن حفظ الماء عنه، ولا بكونه ترابًا، ولا بكونه ملحًا مائيًا. وبخصوص التغير بالملح فلهم قيد أن يكون ماء انعقد به الملح، لا بماء الملح: أي الحاصل بذوبان الملح. والفرق بينهما أن ماء الملح: يجمد في الصيف، ويذوب في الشتاء عكس الماء. فماء الملح: هو ماء يتحول إلى ملح لجوهر الماء، وليس بسبب الأرض السبخة، وله عيون تسمة عيون الملح تنبع ماء، ثم يتحول إلى ملح. فالحنفية يجوزن الطهارة بماء وقع فيه ملح بسبب الأرض ونحوها، ولا يجوزن الطهارة بماء الملح؛ لأنهم يرونه جنسًا آخر غير الماء. انظر تبيين الحقائق (١/ ١٩)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢١)،
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٦،٣٧)، شرح خليل (١/ ٦٩). وقال في مواهب الجليل (١/ ٥٧): " الماء إذا تغير بشيء طرح فيه، وكان ذلك المطروح من جنس ما هو من قرار الماء كالتراب والملح، فإن ذلك لا يسلبه الطهورية، ولو كان الطرح قصدًا، وهذا هو المشهور. وقيل: إن ذلك يسلبه الطهورية إذا كان الطرح قصدًا، حكاه المازري وغيره، ونقله ابن عرفة. وانظر المنتقى شرح الموطأ (١/ ٥٥).
(٣) روضة الطالبين (١/ ١١).
[ ١ / ١٢٧ ]
واختاره ابن تيمية (^١).
وقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور، وإن تغير بملح معدني فهو طاهر غير مطهر، وهذا ما عليه أكثر أصحاب الإمام الشافعي (^٢).
وقيل: أن تغير بملح معدني فإنه طاهر .. وإن تغير بملح مائي فإنه طهور
_________________
(١) لا يفرق ابن تيمية ﵀ بين ما تغير بالملح، أو تغير بشيء طاهر، فكل ذلك عنده طهور، ما دام يسمى ماء، انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤)، والفتاوى المصرية (ص: ٥). بل إن ابن تيمية ﵀ لا يثبت القسم الطاهر، ويرى أن الماء قسمان: طهور ونجس.
(٢) قال النووي في روضة الطالبين: والمتغير بالملح فيه أوجه: أصحها: يسلب الجبلي منه دون المائي. والثاني: يسلبان. والثالث: لا يسلبان. وانظر المجموع (١/ ١٥١). ويشترط في الجبلي حتى يكون سالبًا للطهورية أن لا يكون بممر الماء، فإن كان بممر الماء لم يسلبه الطهورية لمشقة التحرز منه، كما سبق تحريره في مسألة الماء المتغير بما يشق صون الماء عنه. انظر أسنى المطالب (١/ ٨). قال الماوردي: الماء الذي ينعقد منه ملح إن بدأ في الجمود، وخرج عن حد الجاري، لم تجز الطهارة به. وإن كان جاريًا فهو ضربان: ضرب يصير ملحًا لجوهر التربية كالسباخ إذا حصل فيها مطر أو غيره صار ملحًا، جازت الطهارة به. وضرب يصير ملحًا لجوهر الماء كأعين الملح التي ينبع ماؤها مائعًا، ثم يصير ملحًا، فظاهر مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه: جواز الطهارة به؛ لأن اسم الماء يتناوله في الحال، وإن تغير في وقت آخر، كما يجمد الماء فيصير ثلجًا. وقال أبو سهل الصعلوكي: لا يجوز؛ لأنه جنس آخر كالنفط، وكذا نقل القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وجهين في الماء الذي ينعقد منه ملح، وعبارة البغوي: ماء الملاحة، والصواب الجواز مطلقًا مادام جاريًا، والله أعلم. اهـ
[ ١ / ١٢٨ ]
مكروه، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (^١).
وقيل: إن طرح فيه الملح قصدًا سلبه الطهورية، وإلا فلا، وهو قول في مذهب المالكية اختاره ابن يونس (^٢)، ووجه في مذهب الإمام أحمد (^٣).