قالوا: إن زيادة الثقة لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، بل ينظر في كل
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٩٢).
[ ١ / ١٩ ]
زيادة بحسبها، على حسب ما يقوم عندهم من القرائن المحتفة بالقبول أو الرد.
يقول ابن حجر عن منهج الشيخين: والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد، بل هو دائر مع القرائن، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديثٍ أعرضا في تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله (^١).
وقال الزيلعي ﵀: من الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل: وهي أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها (^٢). اهـ
وقال ابن دقيق العيد: من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد، فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول (^٣).
وقد يقول بعض الحفاظ: هذه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، فيفهم من ليس له ممارسة واطلاع على عمل المحدثين أن الزيادة مقبولة مطلقًا إذا لم تكن منافية، وهذا فهم غير دقيق.
قال ابن رجب ﵀ في شرحه لعلل الترمذي: وهكذا الدراقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في بعض المواضع
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢٠٣).
(٢) نصب الراية (١/ ٣٣٦).
(٣) النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٠٤).
[ ١ / ٢٠ ]
زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد، فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في تلك الموضع خاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها (^١). اهـ
فقد أراحنا ابن رجب ﵀ في هذا التفسير من اعتراض بعض الطلبة ممن تخرج على النخبة، ولم يمارس التصحيح، فيقطع نصًا من كلام بعض العلماء، ويقول: انظر الإمام فلان يقول: هذه زيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، فلا يعني هذا الكلام قبول زيادة الثقة مطلقًا، كما لا يعني أيضًا: قبولها بشرط أن لا تكون منافية، فهذا التفصيل على منهج المحدثين غير معروف.
فإذا كان ترجيح الأئمة يدرو مع القرائن، فإني سوف أستعرض لك أشهر القرائن التي تكون سببًا في ترجيح الأئمة على زيادة بالحفظ أو الرد، فمنها:
الأولى: الكثرة، وهي من أشهر القرائن وأوضحها. قال الشافعي ﵀: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد (^٢).
(٣) مثال ذلك، ما رواه البخاري ﵀ في صحيحه، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر مرفوعًا في إجابة المؤذن: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته".
تفرد محمد بن عوف، عن علي بن عياش بزيادة: إنك لا تخلف الميعاد، كما في سنن البيهقي (^٣)، فهذه الزيادة شاذة لمخالفة محمد بن عوف جماعة من
_________________
(١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: سقط هذا الهامش من المطبوع.
(٢) الرسالة (ص: ٢٨١)، وسنن البيهقي (٢/ ٢٥).
(٣) سنن البيهقي (١/ ٤١٠).
[ ١ / ٢١ ]
الحفاظ، منهم:
الأول: البخاري في صحيحه (^١).
الثاني: أحمد بن حنبل (^٢)، ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (^٣).
الثالث: محمد بن سهل البغدادي، كما في سنن الترمذي (^٤).
الرابع: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، كما في سنن الترمذي (^٥).
الخامس: محمد بن يحيى الذهلي، كما في سنن ابن ماجة (^٦).
السادس: أبو زرعة الدمشقي، كما في شرح معاني الآثار (^٧).
السابع: موسى بن سهل الرملي، كما في صحيح ابن خزيمة (^٨).
الثامن: محمد بن جعفر السمناني، كما في سنن ابن ماجه (^٩).
التاسع: العباس بن الوليد الدمشقي، كما في سنن ابن ماجه (^١٠).
العاشر: عمرو بن منصور النسائي، كما في سنن النسائي (^١١).
_________________
(١) رقم (٦١٤).
(٢) المسند (٣/ ٣٥٤).
(٣) رقم (٥٢٩).
(٤) رقم (٢١١).
(٥) الرقم السابق.
(٦) رقم (٧٢٢)، وابن حبان (١٦٨٩).
(٧) شرح معاني الآثار (١/ ١٤٦).
(٨) رقم (٤٢٠).
(٩) رقم (٧٢٢).
(١٠) الرقم السابق.
(١١) رقم (٦٨٠).
[ ١ / ٢٢ ]
فاتفاق العشرة على عدم ذكر زيادة محمد بن عوف، يدل على ضبطهم، ووهمه.