تمهيد: هل يشمل التغير بغير ممازح اللون والطعم؟
اختلف الفقهاء ﵏، هل يشمل المتغير بغير ممازج جميع أوصاف الماء من طعم ولون ورائحة أو يشمل التغير بالرائحة فقط .. على قولين.
القول الأول:
قالوا: المقصود بالتغير تغير الرائحة فقط؛ لأن تغير اللون أو الطعم لا يتصور إلا بانفصال أجزاء واختلاطها بالماء، وبالتالي يكون التغير تغيرًا عن ممازجة ومخالطة وليس تغيرًا بالمجاورة.
وقد اختار هذا القول أكثر المالكية (^١)، واختاره الماوردي (^٢) وابن الصلاح من الشافعية (^٣)، وظاهر عبارة صاحب المهذب (^٤)، ومفهوم عبارة الشافعي في
_________________
(١) الإكليل شرح مختصر خليل (١/ ٦).
(٢) الحاوي الكبير (١/ ٥٣) قال ﵀: إذا تغير بالكافور فله ثلاث أحوال: الأولى: حال يعلم انحلال الكافور فيه فاستعماله غير جائز لأنه تغير عن مخالطة. الثانية: وحال يعلم أنه لم يدخل فيه فاستعماله جائز لأنه تغير عن مجاورة. الثالثة: وحال يشك فيه، فينظر في صفاء التغير، فإن تغير الطعم دون الرائحة فهو دال على تغير المخالطة ولا يجوز استعماله، وإن كان تغير الريح ففيه لأصحابنا وجهان.
(٣) نقل النووي عن ابن الصلاح في المجموع (١/ ١٥٤) قوله: "وعندي أن التغير بالمجاورة لا يكون إلا بالرائحة؛ لأن تغير اللون والطعم لا يتصوران إلا بانفصال أجزاء واختلاطها، والرائحة تحصل بدون ذلك، ولهذا تتغير رائحته بما على طرف الماء لا طعمه ولونه ".
(٤) قال ﵀ (١/ ١٥٤): وإن وقع فيه ما لا يختلط به فغير رائحته كالدهن الطيب =
[ ١ / ١١١ ]
الأم (^١).
واختاره من الحنابلة المجد في شرحه وتبعه صاحب الحاوي الكبير (^٢).
وقيل: إن التغير بغير ممازج يشمل الأوصاف الثلاثة. واختاره النووي من الشافعية: وقال إنه هو الموافق لإطلاق كلام الأصحاب. بل قد صرح به أبو حامد وصاحبه المحاملي بأنه شامل لأوصاف الماء كلها (^٣).
والراجح القول الأول: أنه لا يشمل إلا الريح فقط. إذ لا يتصور أن يتغير لون الماء ثم يكون تغيره عن مجاورة وليس عن
ممازجة، فالتغير بالمجاورة مقصور على الريح فقط.
خلاف العلماء في الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج.
إذا تغير الماء بطاهر غير ممازج كالدهن وقطع الكافور، فاختلف العلماء فيه هل يبقى على طهوريته أم يتحول إلى طاهر:
فقيل: الماء طهور بلا كراهة،
وهو مذهب الحنفية (^٤)، واختاره ابن رشد وابن الحاجب من
_________________
(١) = والعود. ثم قال: وإن وقع فيه قليل كافور فتغيرت به رائحته.
(٢) قال ﵀ (١/ ٧): ولو صب فيه دهن طيب أو ألقي فيه عنبر أو عود أو شيء ذو ريح لا يختلط بالماء فظهر ريحه بالماء توضأ به. الخ
(٣) الإنصاف (١/ ٢٣)، والحاوي الكبير هذا كتاب حنبلي، وهو غير كتاب الماوردي، لأن الماوردي شافعي.
(٤) النووي في المجموع (١/ ١٥٥). انظر متن المهذب مع شرحه المجموع.
(٥) في مذهب الحنفية لا يفرقون بين الممازج وغير الممازج، فإذا كان الممازج طهورًا عندهم، فغير الممازج من باب أولى، انظر شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٧١).
[ ١ / ١١٢ ]
المالكية (^١)، وهو مذهب الشافعية (^٢)، ورجحه ابن حزم (^٣)، وابن قدامة (^٤).
وقيل: يكون طاهرًا، اختاره من المالكية ابن عرفة وابن مرزوق والأجهوري (^٥)، وهو وجه في مذهب الشافعية رجحه البويطي (^٦)، واختاره
_________________
(١) قال في حاشية الدسوقي (١/ ٣٦): " وإن كان تغير ريحه بدهن لا صق: أي برياحين مطروحة على سطح الماء، فنشأ من ذلك تغير ريحه فلا يضر على ما قاله المصنف تبعًا لابن عطاء الله وابن بشير وابن رشد وابن الحاجب، وهو ضعيف، والمعتمد أنه يضر مثل تغير اللون والطعم كما قال ابن عرفة: إنه ظاهر الروايات، والحاصل أن التغير بالمجاور الغير الملاصق لا يضر مطلقًا: أي سواء تغير الريح أو اللون أو الطعم أو الثلاثة، وسواء كان التغير بينًا أولا، كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وأما التغير بالمجاور الملاصق فيضر اتفاقًا إن كان المتغير لونًا أو طعمًا، كان التغير بينًا أولا، قل الماء أو كثر، وفي تغير الريح خلاف، والمعتمد الضرر، وأما التغير بالممازج فيضر مطلقًا باتفاق، هذا محصل كلام الشارح، وانظر مواهب الجليل (١/ ٥٤) والتاج والإكليل (١/ ٧٥)، وشرح الخرشي (١/ ٧٠).
(٢) الأم (١/ ٢٠): " ولو صب فيه دهن أو طيب، أو ألقي فيه عنبر أو عود أو شيء ذو ريح لا يختلط بالماء، فظهر ريحه في الماء توضأ به؛ لأنه ليس في الماء شيء منه يسمى الماء مخوضًا به، ولو كان صب فيه مسك أو ذريرة أو شيء ينماع في الماء حتى يصير الماء غير متميز منه فظهر فيه ريح لم يتوضأ به؛ لأنه حينئذ ماء مخوض به، وإنما يقال له: ماء مسك مخوضة وذريرة مخوضة، وهكذا كل ما ألقي فيه من المأكول من سويق أو دقيق ومرق وغيره، إذا ظهر فيه الطعم والريح مما يختلط فيه لم يتوضأ به؛ لأن الماء حينئذ منسوب إلى ما خالطه منه. اهـ. وانظر المجموع (١/ ١٥٥) ..
(٣) قال ابن حزم في المحلى (مسألة ١٤٧): " وكل ماء خالطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحه وطعمه إلا أنه لم يزل عنه اسم الماء، فالوضوء به جائز، والغسل للجنابة جائز، ثم قال: سواء كان الواقع فيه مسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا، أو غير ذلك.
(٤) انظر المغني (١/ ٢٣)، والمبدع شرح المقنع (١/ ٣٦)، والإنصاف (١/ ٢٣).
(٥) الإكليل (١/ ٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦).
(٦) المجموع (١/ ١٥٤).
[ ١ / ١١٣ ]
أبو الخطاب في الانتصار (^١)، والمجد، وصاحب الحاوي الكبير من الحنابلة (^٢).
وقيل: يصبح طهورًا مكروهًا، وهو المشهور عند الحنابلة (^٣).