(١٣٨٩ - ٢٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء وفيه: فنام رسول الله - ﷺ - حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).
وجه الاستدلال:
أن النبي - ﷺ - نام حتى أصبح على غير ماء، وأنه لم يصل هو ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فإذا كان الطهور هو الماء وحده قبل نزول آية التيمم، وحين فقد الماء لم يصل رسول الله - ﷺ -، ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فكذلك يكون الحال فيمن فقد القدرة على التيمم لا يصلي حتى يتمكن من الفعل.
أجاب عن ذلك ابن رجب ﵀:
قال: " وأما توقفهم - يعني الصحابة - في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول آية التيمم في سورة النساء، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة؛ لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب
_________________
(١) المجموع (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).
[ ١٢ / ٧٦ ]
إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه، مع إمكان سيرهم جميعًا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرًا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء، ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة، دون الأسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (^١) (^٢).
وقال أيضًا: " وزعم بعضهم أن رواية القاسم، عن عائشة: أن النبي - ﷺ - نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو لا من معه. وهذا في غاية الضعف، وقد قررنا فيما تقدم أن آية سورة النساء التي فيها ذكر آية التيمم كان نزولها سابقًا لهذه القصة، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال لا رخصة له في التيمم، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك، والظاهر أن الجميع صلوا بالتيمم، ولكن حصل لهم شك في ذلك، فزال ذلك عنهم بنزول أية المائدة، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٠٠).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٢٢١).
[ ١٢ / ٧٧ ]