(١٣٧٩ - ١٢) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله - ﷺ - عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿ ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ (^١)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله - ﷺ -، ولم يقل شيئًا (^٢).
[أعله أحمد بالانقطاع، وهذا الإسناد له علتان] (^٣).
_________________
(١) النساء: ٢٩.
(٢) المسند (٤/ ٢٠٣).
(٣) الأولى: ضعف ابن لهيعة، لكن تابعه على ذلك يحيى بن أيوب المصري، فقد أخرجه أبو داود (٣٣٤) والدارقطني (١/ ١٧٨) والحاكم (١/ ١٧٧،١٧٨) من طريق يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب به. العلة الثانية: الانقطاع. قال أحمد بن حنبل ﵀ كما في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٧٩): " ليس إسناده بمتصل ". فالانقطاع بين عبد الرحمن بن جبير وعمرو بن العاص، وقد قال ابن حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٢١) أدرك عمرو بن العاص، وسمع من عبد الله بن عمرو. اهـ =
[ ١٢ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فهنا ابن أبي حاتم نص على إدراكه لعمرو، وخص السماع بعبد الله بن عمرو، خاصة أن الحديث قد روي بذكر واسطة بين عبد الرحمن بن جبير المصري، وبين عمرو بن العاص تارة بزيادة أبي قيس مولى عمرو بن العاص، وتارة بزيادة أبي فراس يزيد بن رباح، وتارة بإسقاط الواسطة، وتارة بالوصل وتارة بالإرسال، فحديث هذا شأنه لا شك في ضعفه، وسيأتي بيان ذلك بالتخريج. وذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض في باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم، قال البخاري: ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم، وتلا ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ فذكر للنبي - ﷺ - فلم يعنف. قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٥٤): " وإسناده قوي، لكن علقه بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره. الخ كلامه. واختلف على ابن لهيعة، فرواه حسن بن موسى عنه كما سبق. ورواه زيد بن الحباب كما في فتوح مصر لابن عبد الحكم (ص: ٢٤٩) عن ابن لهيعة، فزاد في إسناده بين عبد الرحمن بن جبير، وبين عمرو بن العاص أبا فراس يزيد بن رباح. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٧٨) عن ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه أصابته جنابة، وهو أمير الجيش، فترك الغسل من أجل آية، قال: إن اغتسلت مت، فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على النبي - ﷺ - عرفه بما فعل، وأنبأه بعذره، فسكت. وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٣)، وقال: رواه الطبراني في الكبير، وقال: وفيه أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ولم أجد من ذكره. وقال ابن حجر تغليق التعليق (٢/ ١٩١): هذا إسناد جيد، لكني لم أعرف حال إبراهيم هذا. كما روي مرسلًا أيضًا وبزيادة أبي قيس في إسناده، فقد أخرجه أبو داود بإثر حديث رقم (٣٣٥) وابن حبان (١٣١٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن حبيب، عن عمران، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية، فذكر الحديث، وذكر أنه غسل مغابنه، وتوضأ، وصلى، ولم يذكر أنه تيمم. =
[ ١٢ / ٥٦ ]
وجه الاستدلال:
قوله: " صليت بأصحابك وأنت جنب " فدل على أن التيمم لم يرفع الجنابة، ولو كان التيمم يرفع الجنابة لم يكن عمرو بن العاص ﵁ صلى، وهو جنب، بل صلى وقد ارتفع حدثه.
ويجاب:
بأن الرسول - ﷺ - حين قال له ذلك قاله مستفهمًا؛ لأنه معلوم أن من تيمم مع وجود الماء، وبلا عذر، فإن حدثه لا يرتفع إجماعًا، وأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف من استعماله لمرض ونحوه، وحين أخبره عمرو بن العاص ﵁ بعذره، أقره عليه، وعلم الرسول - ﷺ - أنه لم يصل، وهو جنب، فكيف لا يكون إقرار النبي - ﷺ - بعد اطلاعه على عذره دليلًا على أن حدثه قد ارتفع.
يقول ابن تيمية ﵀: " قوله: " أصليت بأصحابك وأنت جنب " استفهام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو ﵁ أنه لم يفعله، بل تيمم لخوفه أن يقتله البرد، فسكت عنه، وضحك، ولم يقل شيئًا.
_________________
(١) = وفي هذه الرواية زيادة أبي قيس في إسناده، قال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٧٩): وظاهرها الإرسال". وقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٧٩): " روى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير للأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: بعث النبي - ﷺ - بعثًا، وأمَّر عليهم عمرو بن العاص، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثنوا عليه خيرًا إلا أنه صلى بنا جنبًا .. وذكر نحو الحديث. قال ابن رجب: وهذا مرسل، وقد ذكره أبو داود في سننه تعليقًا مختصرًا، وذكر فيه أنه تيمم ". انظر لمراجعة طرق الحديث: إتحاف المهرة (١٥٩٥٦)، أطراف المسند (٥/ ١٣٨)، تحفة الأشراف (١٠٧٥٠).
[ ١٢ / ٥٧ ]
فإن قيل: إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة، فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز، فإنه - ﷺ - لم ينكر ما هو منكر، فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل على أنه لم يصل وهو جنب.
فالحديث حجة على من احتج به، وجعل المتيمم جنبًا ومحدثًا، والله يقول: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر، والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة، فكيف يكون جنبًا غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل، فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة، وتطهر بالماء حينئذ؛ لأن البول المتقدم جعله محدثًا، والصعيد جعله مطهرًا إلى أن يجد الماء، فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم، لا أن الحدث كان مستمرًا " (^١).