في تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس.
تكلمنا عن تخليل الشعر في الوضوء، وكان محل التخليل في الوضوء هو خاص في اللحية؛ لأن شعر الرأس في الوضوء يمسح مسحًا، فلا حاجة فيه إلى التخليل، وانتهينا إلى أن الراجح أن التخليل ليس بسنة، ولا يصح فيه حديث.
وأما في الغسل، فإن عندنا مع شعر اللحية شعر الرأس، فهل يشرع لهما التخليل، أو لا؟
قال مالك: «ولم يأت أن النبي - ﷺ - فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (^١).
الأصل في هذا الباب هو حديث عائشة ﵂.
(١٣٥٦ - ٢٢٩) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
فقول عائشة ﵂: «ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره» نص على تخليل شعر الرأس.
(١٣٥٧ - ٢٣٠) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام به، وفيه:
_________________
(١) رواه ابن نافع، عن مالك، انظر النوادر والنوازل (١/ ٣٣).
[ ١١ / ٥٢٥ ]
«ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (^١).
قال ابن رجب في شرح البخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي - ﷺ -، لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم، إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة، وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (^٢).
ويمكن أيضًا يستدل بمشروعية تخليل الشعر بالقياس على غسل الحيض، فإن غسل الحيض وغسل الجنابة متشابهان في كثير من الأحكام، وبجامع أن كلًا منهما حدث أكبر،
(١٣٥٨ - ٢٣١) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث،
عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي - ﷺ - عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها » الحديث (^٣)، والحديث ورواه البخاري بأخصر من هذا (^٤).
_________________
(١) مسلم (٣١٦).
(٢) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٣١١).
(٣) صحيح مسلم (٣٣٢).
(٤) صحيح البخاري (٣١٤)، وسبق بحثه في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية، رقم (١١٢).
[ ١١ / ٥٢٦ ]
قلت في مذهب المالكية قولان في تخليل اللحية:
قال أشهب: عن مالك: «وعليه تخليل لحيته في غسل الجنابة. قيل له في موضع آخر: أيخللها في غسله من الجنابة؟ قال: نعم، ويحركها، واحتج في الموضعين بأن النبي ﵇ خلل أصول شعر رأسه، وكذلك روى عنه ابن القاسم، وابن وهب في المجموعة، بأنه يخلل لحيته في الغسل ويحركها» (^١).
وقال ابن حبيب: «ومن ترك تخليل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه» (^٢).
وجه وجوب التخليل:
قال الباجي: «وجه قول أشهب: قول عائشة في هذا الحديث:» ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره. ومن جهة المعنى: أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها بالبلل، وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين، ولم يجز في الغسل» (^٣).
قلت: القول بوجوب التخليل قد يتمشى مع مذهب مالك القائل بوجوب الدلك في الغسل، ولكن الراجح أن تخليل أصول الشعر ليس بواجب لما يلي:
_________________
(١) النوادر والنوازل (١/ ٦٣).
(٢) المرجع السابق (١/ ٦٤).
(٣) المنتقى للباجي (١/ ٩٤).
[ ١١ / ٥٢٧ ]
أولًا: أن هذه الصفة لم يأت فيها أمر شرعي، كما لو قال: خللوا شعوركم أو نحو ذلك، وإنما هي حكاية فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما في القواعد الأصولية.
ثانيًا: أن هناك أحاديث كثيرة أخرى، تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة من قوله، ومن فعله - ﷺ -، وليس فيها ذكر التخليل،
أما الأحاديث القولية: فمنها:
قوله - ﷺ - في قصة الرجل الذي أصابته جنابة، ولا ماء، قال له: «خذ هذا فأفرغه عليك» قطعة من حديث طويل رواه البخاري (^١)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه.
(١٣٥٩ - ٢٣٢) ومنها قول الرسول - ﷺ - لأم سلمة:
«إنما كان يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». رواه مسلم (^٢)، فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر التخليل.
وأما الأحاديث الفعلية:
وهي التي تحكي لنا فعل الرسول - ﷺ -، فمنها وأشهرها حديث ميمونة:
(١٣٦٠ - ٢٣٣) فقد رواه البخاري ﵀، عنها، قالت: وضعت للنبي - ﷺ - ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه، وراه مسلم، واللفظ للبخاري (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٣٧) من حديث طويل.
(٢) صحيح مسلم (٣٣٠).
(٣) البخاري (٢٦٥)، ومسلم (٣١٧).
[ ١١ / ٥٢٨ ]
القول الثاني في مذهب مالك: أنه ليس عليه تخليل لحيته.
روى ابن القاسم، عن مالك: ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته (^١).
قال الباجي: «وجه رواية ابن القاسم: أن الفرض قد انتقل إلى الشعر النابت على البشرة، فوجب أن يسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة بإمرار اليد عليها» (^٢).
قلت: إن كان نفي التخليل المقصود به نفي الوجوب، فذاك مسلم، وإن كان تعليل الباجي قد يفهم منه، أن إيصال الماء إلى البشرة قد سقط، وليس بمشروع، فإن كان هذا هو المقصود، فحديث عائشة رد عليه، وهو يفيد استحباب تخليل أصول شعر الرأس في الغسل، ولا يفيد الوجوب كما أسلفنا، وقد ترجم النسائي رحمه الله تعالى في سننه، في كتاب الطهارة، قال: باب: تخليل الجنب رأسه، ثم ساق حديث عائشة ﵂، وهو يدل على أن الاستحباب ما زال محكمًا في غسل الجنابة، والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: «قوله: «ثم يخلل بيديه شعره» التخليل ههنا: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل، هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار به إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم: «ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول شعره» فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر: هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة
_________________
(١) النوادر والنوزال (١/ ٦٣)، المنتقى للباجي (١/ ٩٤).
(٢) المنتقى للباجي (١/ ٩٤).
[ ١١ / ٥٢٩ ]
بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة ﵂ فيه، فقالت فيه: «كان رسول الله - ﷺ - يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثًا». قال: فهذا يبين أن التخليل بالماء. قال النووي: وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر، لا بالخمس» (^١).
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ١٣١).
[ ١١ / ٥٣٠ ]