الماء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق.
(١٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،
عن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (^١).
فإذا كان كسبه محرمًا وصححنا الوضوء به نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ.
(١١) وقد روى مسلم، من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩).
(٢) صحيح مسلم (١٧١٨).
[ ١ / ٧٠ ]
ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ.
قال ابن حزم ﵀: «من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء بسواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه، وليس هذا قياسًا، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، وكل هؤلاء عمل عملًا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ (^١).
• ويجاب عن كلام ابن حزم:
أن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛
_________________
(١) المحلى (١/ ٢٠٧، ٢٠٨).
[ ١ / ٧١ ]
ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب.
وأما القياس على صيام أيام الفطر فلا يصح، ذلك أن النهي عائد في الصيام إلى ذات العبادة، فلا يصح صومه فيها، بخلاف الطهارة بالماء المغصوب، فالنهي ليس عائدًا إلى الطهارة، وإنما هو إلى أمر خارج، وهو الغصب.
وأما القياس على ما إذا وجب عليه طعام فأطعم المساكين طعام غيره، فإن كان الطعام قد تصرف فيه المساكين فيصح إطعامه لهم، ويستقر عليه الضمان، ولا فائدة من القول بأنه لا يصح إطعامه إياهم مع القول بجوب ضمانه؛ لأنه بضمانه ما دفع قد ملك هذا الطعام، فصح إخراجه إياه، وأما الإعتاق فلا يملكه، ولا يكون العبد حرًا، فعتقه إياه كعدمه؛ لأنه لم يصادف ملكًا، فالعبد باق على ملك صاحبه، وتبقى ذمته مطالبة بالإعتاق، والله أعلم.