أن تغيره جاء من غير مخالطة، فلم يخالطه شيء لا طاهر ولا نجس، والماء طهور في نفسه حتى تخالطه الأخباث العارضة، وهذا ما لم يحصل في الماء الآجن.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ وأنه توضأ بماء آجن، فهذا الحديث يذكره الفقهاء كصاحب المبدع، والروض، ولا يذكرون من خرجه، ولم أجده في كتب السنة من السنن والمسانيد والمعاجم، وقد ذكر ابن قاسم النجدي في حاشيته بأنه رواه البيهقي، وبالرجوع إلى البيهقي لم أجده بهذا اللفظ، وإليك ألفاظه:
(١٤) فقد روى البيهقي، من طريق عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود،
_________________
(١) الأوسط (١/ ٢٥٩).
(٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٦)، وحكاه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٦)، وحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع (١/ ٣٦).
(٣) المصنف (١/ ٤٦) رقم ٤٥٨.
(٤) ورواه أبو عبيد في كتاب الطهور (ص: ٣١٠).
[ ١ / ٩١ ]
عن عروة في قصة أحد وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فقال رسول الله ﷺ هذا ماء آجن، فمضمض منه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم (^١).
[ضعيف] (^٢).
(١٥) وروى البيهقي أيضًا، من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم،
عن عبيد الله بن كعب بن مالك، قال: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه ﷺ (^٣).
[إسناده ضعيف] (^٤).
_________________
(١) سنن البيهقي (١/ ٢٦٩).
(٢) وهذا فيه علتان: الأولى: أنه مرسل. والثانية: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وسيأتي إن شاء الله بيان أن ابن لهيعة ضعيف مطلقًا قبل احتراق كتبه وبعدها.
(٣) سنن البيهقي (١/ ٢٦٩).
(٤) وهذا فيه علتان أيضًا: الأولى: كونه مرسلًا. الثانية: فيه رجل مبهم، ومع ذلك اختلف فيه على يونس بن بكير: فرواه البيهقي عن الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك مرسلًا كما في سنن البيهقي. لكن الحديث في مستدرك الحاكم (٣/ ٢٢) بالإسناد نفسه، وعنه البيهقي أيضًا (٦/ ٣٦٩)، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده الزبير، فوصله، لكنه اقتصر في لفظه على ذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة الماء المتغير. وربما كان هذا التخليط من أحمد بن عبد الجبار، فهو رجل ضعيف. وعلى كل حال فهذا الإسناد الموصول هو المعروف. فقد رواه أبو سعيد الأشج كما في سنن الترمذي (١٦٩٢)، ومسند البزار في مسنده (٩٧٢)، عن يونس بن بكير، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده، عن الزبير ابن العوام به، بذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة الماء المتغير. كما رواه وهب بن جرير واختلف عليه: فرواه ابن حبان في صحيحه (٦٩٧٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، فوصله، وساق قصة الماء المتغير. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٨)، قال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا وهب بن جرير به، بدون ذكر قصة علي بن أبي طالب والماء المتغير. لذا لا تجد أحدًا ذكر قصة الماء المتغير إلا وقد اختلف عليه في ذكرها، وهي مذكورة في سيرة ابن إسحاق (ص: ٣٣١). وقد رواه أحمد (١/ ١٦٥) وأبو يعلى في مسنده (٦٧٠) من طريق إبراهيم بن سعد. ورواه ابن شيبة في المصنف تحقيق عوامة (٣٢٨٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٧) والشاشي في مسنده (٣١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٠) من طريق ابن المبارك، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزبير، عن الزبير بذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة علي، ولا الماء المتغير، وهذا هو المعروف.
[ ١ / ٩٢ ]
(١٦) وقال ابن المنذر: احتج إسحاق بحديث روي عن الزبير بن العوام،
قال إسحاق: أنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأتى المهراس، فأتى بماء في درقته، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء التي في وجهه، وهو يقول: اشتد
[ ١ / ٩٣ ]
غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ، وكان الذي أدمى وجه رسول الله ﷺ يومئذ عتبة بن أبي وقاص.
قال إسحاق: ففي ذلك بيان على أنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل النبي ﷺ الدم به (^١).
[ذكره ابن المنذر معلقًا، وسبق تخريجه في الحديث السابق].
وإذا ثبت أنه ليس بنجس، فإنه طهور؛ لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما كما تبين من الخلاف السابق عند الكلام على أقسام الماء، والله أعلم.