(٢٢٢٨ - ١٧٩) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا
عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر بن عبد الله، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد (^١).
[الحديث صحيح، واختلف في قوله: وجنبوه السواد] (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم (٢١٠٢).
(٢) هذا الحديث مداره على أبي الزبير، عن جابر. يرويه عن أبي الزبير زهير بن معاوية، وابن جريج، وليث بن أبي سليم، وعزرة بن ثابت، والأجلح، وأيوب السختياني. فرواه ثقتان زهير بن معاوية، وعزرة بن ثابت عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يقولوا: وجنبوه السواد، ورواية زهير صريحة أن أبا الزبير ينفي أن تكون هذه اللفظة في الحديث. ورواه الباقون بذكرها، إلا أن الليث والأجلح ضعيفان. وأما ابن جريج فهو ثقة، وأما رواية أيوب فقد رواها عنه عبد الوارث، وهو ينفرد عنه بأشياء لا يروها عنه أصحابه، كما قال الإمام أحمد، ومنه هذا الحديث، وتابعه روح إلا أن الطريق إليه ضعيف. والحديث له شواهد سنأتي على ذكرها أثناء تخريج الحديث إن شاء الله تعالى. والحديث كما سبق مداره على أبي الزبير، عن جابر، ويرويه عنه جماعة كالآتي: الطريق الأول: زهير بن معاوية عن أبي الزبير. أخرجه الطيالسي (١٧٥٣) حدثنا زهير، عن أبي الزبير، قال: قلت له: أحدثك جابر أن رسول الله ﷺ قال لأبي قحافة: غيروا، وجنبوه السواد؟ قال: لا. وهذه الرواية مختصرة، والنفي في الحديث المقصود به أن الرسول ﷺ لم يقل: وجنبوه السواد، وأما الأمر بالتغيير فهو ثابت من طريق زهير فقد أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٨)، قال: ثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال أحمد في حديثه: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: أتي رسول الله ﷺ بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح - ورأسه ولحيته مثل الثغام أو مثل الثغامة. قال حسن: فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا الشيب. قال حسن: قال زهير: قلت لأبي الزبير: أقال: جنبوه السواد؟ قال: لا. =
[ ١٠ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه مسلم (٢١٠٢) حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي بأبي قحافة أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثغام، أو الثغامة، فأمر أو فأمر به إلى نسائه قال: غيروا هذا بشيء. وأبو خيثمة: هو زهير بن معاوية. وأخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٦٥٢) من طريق شبابة، وأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٧ من طريق عمرو بن خالد الحراني، كلاهما عن زهير به. واختلف على زهير بن معاوية، فرواه عنه من سبق:
(٢) يحيى بن يحيى عند مسلم، (٢١٠٢).
(٣) أبو داود الطيالسي في مسنده (١٧٥٣).
(٤) حسن بن موسى، كما في مسند أحمد (٣/ ٣٣٨).
(٥) أحمد بن عبد الملك كما في المسند (٣/ ٣٣٨).
(٦) شبابة كما في مسند ابن الجعد، (٢٦٥٢).
(٧) عمرو بن خالد كما في معجم الكبير للطبراني، (٨٣٢٧)،
(٨) الهيثم بن جميل كما في مستخرج أبي عوانة (١٥١٣).
(٩) مالك بن إسماعيل، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥١٣)،
(١٠) أبو جعفر عبد الله بن محمد بن نفيل كما في مستخرج أبي عوانة (٨٧٠٨)،
(١١) حسن بن محمد بن أعين، عشرتهم رووه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير عن جابر، وليس فيه ذكر السواد، بل في بعضها التصريح على أنها ليست في الحديث. وخالفهم إبراهيم بن إسحاق بن مهران، فرواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١٧٧٣) من طريق إبراهيم بن إسحاق بن مهران، عن شيخ مسلم يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية به بذكر: (وجنبوه السواد)، ولا شك أن هذا وهم في رواية زهير بن معاوية، فلو خالف إبراهيم مسلمًا وحده لكان ذلك علة، فكيف وقد خالف ستة رواة ممن رووه عن زهير بدونها. الطريق الثاني: عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير. أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٤١٦) وفي المجتبى (٥٢٤٢) قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٢) من طريق عبيد الله بن معاذ، كلاهما عن خالد بن الحارث، قال: حدثنا عزرة - وهو ابن ثابت - عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي النبي ﷺ بأبي قحافة، ورأسه ولحيته كأنه ثغامة، فقال النبي ﷺ: غيروا - أو اخضبوا. اهـ هذا لفظ الصغرى، ولفظ الكبرى: (غيروا هذا، خضبوا لحيته)، =
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولم يقل: وجنبوه السواد. ورجاله إلى أبي الزبير كلهم ثقات أثبات. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٣) من طريق خالد بن الحارث، ثنا عزرة بن ثابت به. فهنا ثقتان زهير بن معاوية، وعزرة بن ثابت يرويانه عن أبي الزبير، عن جابر بدون وجنبوه السواد. وفي طريق زهير ينقل عن أبي الزبير أنه يصرح أن قوله: (وجنبوه السواد) ليست في الحديث. ويشهد له ما روه أحمد (٦/ ٣٤٩) وابن حبان (٧٢٠٨) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨٨) رقم ٢٣٦ من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء وفيه: (غيروا هذا من شعره) ولم يقل: وجنبوه السواد، وسوف يأتي الكلام على هذا الطريق إن شاء الله تعالى. الطريق الثالث: ابن جريج، عن أبي الزبير. أخرجه مسلم (٢١٠٢) قال: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد. وومن طريق ابن وهب أخرجه أبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي (٥٠٧٦)، وأبو عوانة (١٥١٢)، وابن حبان (٥٤٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٩). الطريق الرابع: أيوب السختياني، عن أبي الزبير. أخرجه أبو عوانة في مسنده (٥/ ٥١٣) حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي القهستاني، قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ عام الفتح، وكان رأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال رسول الله ﷺ ابعثوا به إلى عند نسائه، فليغيرنه، وليجنبنه السواد. وهذا الطريق وإن كان رجاله ثقات إلا أن الإمام أحمد قد تكلم في رواية عبد الواث عن أيوب. قال الميموني: سمعته (يعني أحمد بن حنبل) وذكر عبد الوارث. فقال: قد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه، وهو عنده مع هذا ثبت ضابط». «سؤالاته» (٤٢٣). قلت: قد تابع عبد الوارث روح بن القاسم عند الطبراني إلا أن إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٦ حدثنا يحيى بن معاذ التستري، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا عبد الله بن بزيغ، عن روح بن القاسم، عن أيوب السختياني به. ويحيى بن معاذ شيخ الطبراني مجهول، وعبد الله بن بزيغ ضعيف. الطريق الخامس: ليث بن أبي سليم، عن جابر. =
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
فقيل: إنها ليست من الحديث، لأن أبا الزبير أنكرها من رواية زهير ابن معاوية عنه، ولم يذكرها عزرة بن ثابت عن أبي الزبير، وإذا اختلف في ثبوتها عن أبي الزبير
_________________
(١) = أخرجه عبد الرزاق (١١/ ١٥٤) قال: أخبرنا معمر، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتي بأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح كأن رأسه ثغامة بيضاء، فقال: غيروه، وجنبوه السواد. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢)، وأبو عوانة (٥/ ٥١٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٤٠) رقم ٨٣٢٤. وأخرجه أحمد (٣/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٠٠٠)، ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٣٦٢٤) عن إسماعيل بن علية، عن ليث به. وليث رجل ضعيف. الطريق السادس: الأجلح، عن أبي الزبير. أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٨١٩) قال: حدثنا أبو بكر، حدثنا شريك، عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم النبي ﷺ مكة أتي بأبي قحافة، ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة، فقال: غيروا الشيب، واجتنبوا السواد به. وهذا إسناد فيه ضعف من أجل شريك بن عبد الله. ومن طريق شريك أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٤) رقم ٥٦٥٨، وفي الصغير (٤٨٣). وهذا طريق ضعيف، شريك، وشيخه الأجلح ضعيفان. الطريق السابع: مطر بن طهمان الوراق، عن أبي الزبير. أخرجه الطبراني في الكبير (٨٣٢٥) حدثنا الحسن بن علوية القطان، ثنا إسماعيل بن عيسى العطار، ثنا داود بن الزبرقان، عن مطر الوراق وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير به. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه داود بن الزبرقان، وهو متروك، وفيه مطر بن طهمان الوراق كثير الخطأ. وقد اختلف فيه على مطر بن طهمان. فرواه داود بن الزبرقان عنه كما سبق. وأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٨ قال: حدثنا خلف بن عمرو العكبري، ثنا الحسن بن الربيع البوراني، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، عن مطر بن طهمان الوراق يكنى بأبي رجاء، عن أبي رجاء العطاري، عن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال رسول الله ﷺ: اذهبوا إلى بعض نسائه يغيرنه، قال: فذهبوا به فحمروها.
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
فإن المرجع هو أبو الزبير، وقد صرح أنها ليست في الحديث.
وثانيًا: أن ابن جريج كان يصبغ بالسواد، وهو ممن روى الحديث عن أبي الزبير.
• وأجيب:
أولًا: أنه قد رواه جملة من الرواة غير زهير بن معاوية بإثبات: (وجنبوه السواد) منهم ابن جريج وهو في مسلم، وأيوب السختياني عند أبي عوانة. وليث بن أبي سليم، وأجلح وفي إسناديهما ضعف منجبر، فلا يتصور وقوع إدراج في الحديث؛ لأن الإدراج يحتمل وروده من الواحد، أما من الجماعة فبعيد.
وعليه فيكون نفي أبي الزبير محمولًا على نسيانه لها، وهذا قد يحدث لبعض الحفاظ الكبار كما هو معروف.
قلت: ليست العلة في الحديث إدراج لفظة: (وجنبوه السواد) إنما علته تردد
أبي الزبير، فتارة يثبتها، وتارة ينفيها، ولو كان أبو الزبير يشك في ثبوتها أو يتردد لقيل: من حفظ مقدم على من لم يحفظ، وإذا اختلف على الراوي فتارة يذكرها، وتارة ينفيها كان هذا سببًا في إضعاف روايته، ولا أحمل على أحد من الرواة عن أبي الزبير، وإنما الحمل عليه هو. وأبو الزبير ليس بالمتقن (^١).
_________________
(١) قال الخطيب في الكفاية (ص: ١٣٨): «ما قولكم فيمن أنكر شيخه أن يكون حدثه بما رواه عنه؟ قيل: إن كان إنكاره لذلك إنكار شاك متوقف، وهو لا يدرى هل حدثه به أم لا فهو غير جارح لمن روى عنه، ولا مكذب له، ويجب قبول هذا الحديث والعمل به؛ لأنه قد يحدث الرجل بالحديث وينسى أنه حدث به، وهذا غير قاطع على تكذيب من روى عنه، وإن كان جحوده للرواية عنه جحود مصمم على تكذيب الراوي عنه، وقاطع على أنه لم يحدثه، ويقول: كذب على فذلك جرح منه له، فيجب أن لا يعمل بذلك الحديث وحده من حديث الراوي، ولا يكون هذا الإنكار جرحًا يبطل جميع ما يرويه الراوي؛ لأنه جرح غير ثابت بالواحد، ولأن الراوي العدل أيضًا يجرح شيخه، ويقول: قد كذب في تكذيبه لي، وهو يعلم أنه قد حدثني، ولو قال: لا أدرى حدثته أولا؟ لوقفت في حاله، فأما قوله: أنا أعلم أنى ما حدثته، فقد كذب وليس جرح شيخه له أولى من قبول جرحه لشيخه، فيجب إيقاف العمل بهذا الخبر، ويرجع في الحكم إلى غيره، ويجعل بمثابة ما لم يرو». =
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
قالوا: وأما كون ابن جريج يصبغ، فليس بحجة في قوله، ولا في فعله، فالحجة في روايته، فكيف تبطلون ما روي عن الرسول ﷺ بفعل تابعي غير معصوم؟ ! !
ثانيًا: أن الإمام أحمد قد جاء عنه ما يدل على تصحيحه لهذه اللفظة.
(٢٢٢٩ - ١٨٠) جاء في كتاب الترجل والوقوف: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: وأكره السواد؛ لأن النبي ﷺ يقول: وجنبوه السواد (^١).
وجَزْمُ إمام أهل السنة بنسبة الحديث إلى الرسول ﷺ يدل على ثبوته عنده، فلو كان الاختلاف على أبي الزبير مؤثرًا لأعله إمام أهل السنة، فإنه في العلل سل به خبيرًا.
قلت: فأما كراهيته للسواد فهذا ثابت عن أحمد، لا نزاع في ثبوته عنه، ولا يلزم من كراهيته له أن تكون زيادة: (وجنبوه السواد) ثابتة؛ لأن الإمام قد يأخذ به فقهًا لأمور ودواع أخرى مما يوافق أصوله، ولا يراه ثابتًا من ناحية الإسناد، فهذا حديث التسمية في الوضوء يرى الإمام أحمد أنه لا يصح في الباب شيء، ومع ذلك يراه فقهًا، وأمثلة هذا كثيرة.
_________________
(١) = وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث (١/ ٣١٠): «مسألة: وإذا حدث ثقة، عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه بالكلية: فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه لجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقبل روايته عنه، وأما إذا نسيه فإن الجمهور يقبلونه». اهـ لكن يعكر عليه قوله في (ص: ٢٨٣): «إن أهل العلم كافة اتفقوا على العمل باللفظ الزائد في الحديث إذا قال راويه: لا أحفظ هذه اللفظة، وأحفظ أني رويت ما عداها ». إلخ. إلا أن يقال: إن قوله: «لا أحفظ ليس بمثابة قوله: أحفظ أني لم أروها، لأن هناك فرقًا بين النفي والإثبات، والله أعلم. وعلى كل حال قد يختلف الحال من راو لأخر، وقد يوجد إنكار لفظة من طريق تثبت من طريق آخر، فكل حالة لها حكم خاص أشبه بزيادة الثقة والشذوذ، ومنه يتبين هل يكون إنكار راويه يبطلها أو لا يبطلها، وقد يعرف من أين أتى الخطأ من الشيخ أو من التلميذ حال تتبع الحكم على الزيادة من جميع الطرق والشواهد، والله أعلم.
(٢) الوقوف والترجل (ص: ١٣٨).
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
وأما نسبة الحديث إلى الرسول ﷺ فجاء من طريق عصمة بن عصام، عن حنبل ابن إسحاق، عن أحمد، فلا أظنها تثبت عنه (^١).
ثالثًا: أن الإمام مسلمًا قد أخرجها في صحيحه، وهو أصح كتاب بعد البخاري، وقد تلقته الأمة بالقبول، وإخراجها في كتابه تصحيح لها، وهذا يدل على أن الحديث ثابت عنده، وكفى بذلك تصحيحًا.
• وأجيب:
لا يلزم من إيراد مسلم له في صحيحه أن يكون قد صحح هذه الزيادة، فقد قال لي بعض الإخوة في المذاكرة: إذا ساق مسلم الحديث بلفظ، ثم أعقبه بلفظ آخر يخالفه كان ذلك منه تنبيهًا على علته، ولو لم يصرح، وقد أكثر من هذا أبو داود في سننه.
وهذا يمكن أن يقبل لو نص عليه إمام، أو كان نتيجة للدارسة والسبر، فإن كان
_________________
(١) عصمة بن عصام، له ترجمة في تاريخ بغداد وذكر عنه أنه يروى عن حنبل، ولم يذكر راويًا عنه سوى الخلال، ولم يذكر فيه شيئًا من جرح أو تعديل. تاريخ بغداد (١٢/ ٢٨٨). وأما حنبل فهو وإن كان ثقة في نفسه، إلا أنه تكلم فيما ينفرد به عن أحمد، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥): «وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه». وقال ابن رجب عن رواية حنبل في شرحه للبخاري (٢/ ٣٦٧): «وهو ثقة، إلا أنه يهم أحيانًا، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد، هل تثبت به رواية عنه أم لا؟ وقال أيضًا (٧/ ٢٢٩): «كان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل عن أحمد رواية». اهـ ومن أخطائه ما نسبه إلى أحمد، وهو غير معروف عنه من مذهبه: من تأويل قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) الفجر، آية: ٢٢، قال: وجاء أمر ربك، وهذا خلاف مذهب السلف. ونسب أيضًا للإمام أحمد أن الإمام يتحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام في حال السهو، قال ابن رجب: وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب، والمذهب عندهم أنها لا تجزئه، كما لا تجزئ عن الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد. والله أعلم. وانظر زاد المعاد (٥/ ٣٩٢).
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
هذا مسلمًا فذاك، وإن كان غير مسلم، فإنه قد انتقدت بعض الأحاديث في البخاري ومسلم، وسُلِّم للدارقطني وغيره بعض الإعتراضات على بعض الأحاديث، وما انتقده العلماء ليس داخلًا في تلقي الأمة له بالقبول، وهذا الحديث منها، والله أعلم.
ثم وجدت من نص على هذه الحقيقة، وقد أثبت ذلك من خلال دراسته لصحيح مسلم (^١).
• جواب آخر ذكره أبو حفص الموصلي:
قال: والجواب عن حديث وجنبوه السواد من وجهين:
الأول: أن أحاديث مسلم لا تقاوم أحاديث البخاري.
يقصد حديث أبي هريرة في الصحيحين: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم، فأمر بالصبغ وأطلق ولم يقيد بشيء.
والجواب: أحاديث البخاري أقوى من أحاديث مسلم بالجملة هذا مسلم، ولا نحتاج إلى الترجيح إلا حيث يوجد التعارض بحيث لا يمكن العمل بكلا الدليلين، وحديث البخاري لا يعارض هنا حديث مسلم، لأن مطلق حديث أبي هريرة بالأمر بالصبغ مقيد بحديث جابر في تجنيب السواد، والمطلق لا يعارض المقيد، كما أن العام
_________________
(١) وقد أجاد الدكتور حمزة بن عبد الله المليباري في كتابه القيم: عبقرية الإمام مسلم في ذكر هذه الخاصية للإمام مسلم، واستنبطها من مقدمة مسلم، فقد قال مسلم في كتابه: إنه قسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام: قال مسلم: «فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، ولم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم». فتبين أن مسلمًا يقدم الحديث الأنقى، ثم يعقبه بالحديث الذي أقل منه درجة، وقد يكون في الحديث الثاني علة، فيكون ذلك كالتنبيه عليها، فجزى الله الشيخ حمزة خيرًا، وإني أنصح بقراءة كتب الشيخ لاهتمامه بطريقة المتقدمين من المحدثين، والله أعلم.
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
لا يعارض الخاص، وهذا الجواب قوي لو صح الحديثان، فالمقيد يقدم على المطلق إذا كانا صحيحين، وإلا فلا يقيد الحديثَ الصحيحَ حديثُ ضعيفُ، والله أعلم.
الوجه الثاني: قال: إن الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص قد صبغوا بالسواد، فلو كان حرامًا لما فعلوه، وكذلك كانوا في زمان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فلو كان حرامًا لأنكروا عليهم (^١).
• وأجيب:
بأن العصمة إنما هي للوحي، وكم من حديث صحيح ثابت خالفه أفراد من الصحابة، فنعتذر للصاحب بأنه لا يتعمد الخطأ، لكن لا نبطل النص الشرعي لمخالفة بعض الصحابة، والله أعلم.