مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• روى الرواي لفظة (وجنبوه السواد) ثم جزم بنفيها، فهل يقدم الإثبات باعتباره القديم، أو يقال: لو كان أبو الزبير يشك في ثبوتها أو يتردد لقيل: من حفظ مقدم على من لم يحفظ، أما إذا كان جازمًا بعدم ورودها في الحديث فلا تقبل، وإذا اختلف على الراوي فتارة يذكرها، وتارة يجزم بنفيها كان هذا سببًا في إضعاف روايته.
• أمر الشارع بالصبغ أمرًا مطلقًا، وروي النهي عن السواد، فهل يحمل المطلق على المقيد، باعتبار أن المقيد لا يعارض المطلق، كما أن العام لا يعارض الخاص، أو يقال: لو صح الحديثان، فالمقيد مقدم على المطلق، وما دام أن لفظة (وجنبوه السواد) لا تثبت فلا يقيد الحديثَ الصحيحَ حديثُ ضعيفُ، والله أعلم.
[م-٨٦٧] خضاب الشيب بالسواد اتفقوا على جوازه في الحرب (^١)،
واختلفوا في غير الحرب:
فقيل: يحرم.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٤٩٩): «ويستثنى من ذلك -يعني النهي عن الصبغ بالأسود- المجاهد اتفاقًا».
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره جماعة منهم، ورجحه النووي (^١).
وقيل: يكره بالسواد لغير حرب،
وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، ومذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الشافعية (^٤)، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٥).
وقيل: جائز بلا كراهة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٦)،
واختيار
_________________
(١) أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٥): «اتفقوا على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في الإحياء، والبغوي في التهذيب، وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه، والصحيح بل الصواب أنه حرام، وممن صرح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة، قال: إلا أن يكون في الجهاد، وقال في آخر كتابه (الأحكام السلطانية): يَمْنَع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد». اهـ وانظر معالم القربة في معالم الحسبة (ص: ١٩٧، ١٩٨)، وفتاوى الرملي (٢/ ٢٧).
(٢) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٨٢).
(٣) المنصوص عن مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٩): «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق». الخ كلامه ﵀. وقال محمد بن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ١٦٦ - ١٦٨): «أما صبغ الشعر بالحناء والكتم والصفرة، فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز، ثم قال: وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من العلماء ثم ذكر حديث قصة مجيء أبي قحافة، ثم قال: وقد صبغ بالسواد جماعة منهم: الحسن والحسين ومحمد بنو علي بن أبي طالب، وسرد جماعة من التابعين. وانظر الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧).
(٤) اختاره الغزالي والبغوي، انظر المجموع (١/ ٣٤٥).
(٥) جاء في كتاب الوقوف والترجل (ص: ١٣٨): «أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، أن إسحاق بن منصور حدثهم، أنه قال لأبي عبد الله: يكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله مكروه». ونقله ابن قدامة في المغني (١/ ٦٧)، وانظر الإنصاف (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ٧٧).
(٦) قال ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٧٥٦): «ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية، وقال أيضًا: والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره». وقال في الفتاوى الهندية: «وعن الإمام - يعني أبا حنيفة - أن الخضاب حسن بالحناء والكتم والوسمة». اهـ والوسمة السواد.
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
أبي يوسف (^١)، ومحمد بن الحسن (^٢)، ومذهب بعض الصحابة (^٣)، واختاره جماعة من التابعين منهم ابن سيرين (^٤)، وأبو سلمة (^٥)، ونافع بن جبير (^٦)، وموسى بن طلحة (^٧)، وإبراهيم النخعي (^٨) وغيرهم.
وقيل: يجوز للمرأة، ولا يجوز للرجل، وهو قول إسحاق (^٩)، واختاره الحليمي (^١٠).
_________________
(١) قال في حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢): «وبعضهم جوزه بلا كراهة - يعني الصبغ بالأسود - روي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي، يعجبها أن أتزين لها».
(٢) قال محمد بن الحسن: «لا نرى بالخضاب بالوسمة والحناء والصفرة بأسًا، وإن تركه أبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك حسن». الموطأ لمالك رواية محمد بن الحسن (ص: ٣٣١).
(٣) سيأتي النقول عنهم إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث.
(٤) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣)، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، كانوا يسألون محمدًا - يعني ابن سيرين - عن الخضاب بالسواد، فقال: لا أعلم له بأسًا. [وسنده صحيح].
(٥) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع وابن مهدي، عن سفيان، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة أنه كان يخضب بالسواد.
(٦) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) قال: حدثنا وكيع، عن عبد الله بن عبدالرحمن بن موهب، قال: رأيت نافع بن جبير يختضب بالسواد.
(٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع، عن عمرو بن عثمان، قال: رأيت موسى بن طلحة يختضب بالوسمة. وإسناده صحيح، وعمرو بن عثمان هو عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب ثقة.
(٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: لا بأس بالوسمة، إنما هي بقلة.
(٩) جاء في كتاب الوقوف والترجل للخلال (ص: ١٣٩): «أخبرنا عبد الله بن العباس، حدثنا إسحاق بن منصور، قال: قلت لإسحاق، قال - يعني ابن راهوية - الخضاب بالسواد للمرأة؟ قال: لا بأس بذلك للزوج أن تتزين له.
(١٠) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).
[ ١٠ / ٣٤٠ ]