• مكانة الإجماع: الإجماع هو الأصل الثالث من الأصول التي تستمد منها الشريعة الأحكام، ويذكره علماء الأصول بعد الحديث عن الأصلين الأولين (الكتاب والسنة)، فهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإِسلامي.
بل عند تعارض الأدلة النصية من الكتاب والسنة مع الإجماع؛ فقال بعض العلماء بتقديم الإجماع عليهما (١)، وذلك لعدم تصور احتمال النسخ في إجماع العلماء واتفاقهم في تلك المسألة على رأي موحد، كما هو محتمل في النصوص (٢).
ولأن الإجماع مستند في الحقيقة إلى نصوص شرعية، سواء علمناها وتوصلنا إليها من خلال المصادر المتوفرة، أم لم نتمكن من الوصول إليها، كما هو الراجح في هذه المسألة (٣).
يقول ابن النجار الفتوحي الحنبلي ﵀: "ولأن الإجماع معصوم عن مخالفته دليلًا شرعيًّا لا معارض له، ولا مزيل عن دلالته، فيتعين إذا وجدناه خالف شيئًا أَنَّ ذلك إما غير صحيح إن أمكن ذلك، أو أنه مؤول، أو نسخ بناسخ؛ لأن إجماعهم حق، فالإجماع دليل على النسخ لا رافع للحكم. . . " (٤).
ويقول أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي ﵀: "فحكمه - أي الإجماع -: أن يُصار إليه ويُعمل به، ولا يجوز تركه بحال؛ إذ لا يتسلط على حكمه بعد ثبوته نسخ؛ لأنه لا طريق إلى النسخ بعد انقطاع الوحي، ولا نص يعارضه، ولا لنا إجماع يعارضه، بخلاف ما قلنا في النص الذي يعارضه نص آخر؛ لاجتماع نصين في زمنٍ واحد؛ لأن النصين يصدران عن عصرٍ يجتمع فيه النصان، وهو عصر النبوة، والإجماع لا يتحقق
_________________
(١) انظر: "التقرير والتحبير" (٣/ ٦٢)، "شرح الكوكب المنير" (٦٣٧).
(٢) "التقرير والتحبير" (٣/ ٢٦) و(٣/ ٦٨)، وانظر "تشنيف المسامع بجمع الجوامع" للزركشي (٢/ ٨٦١)، "شرح الكوكب المنير" (٤٧٥).
(٣) سيأتي الحديث عن هذه المسألة في المبحث السادس إن شاء اللَّه.
(٤) "شرح الكوكب المنير" (٤٧٥).
[ ٢٨ ]
في عصر النبوة، والنص لا يبقى لنا مجددًا في زمن الإجماع، فلذلك لم يتصور معارضته بنص ولا إجماع، وامتناع إجماعين في عصر واحد، ولأن الأمة معصومة في اتفاقها عن أن تُجمع على حكم ثبت فيه نص عن اللَّه سبحانه أو عن رسوله بخلاف اتفاقهم" (١).
فالإجماع ليس دليلًا منفردًا عن الأصلين الأولين، بل هو تابع لهما من حيث كونه لا يقع إلا وله مستند شرعي علمناه أم لم نعلمه.
فإذا وقع، دلّ ذلك على وجود الدليل الشرعي، وأن ذلك النص صحيح، غير مؤول ولا منسوخ، بخلاف النصوص الشرعية؛ فقد تكون محتملة التأويل، أو النسخ.
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول الذي يقول بأن النظر أولا إلى الإجماع، ثم النصوص، وبين أن طريقة السلف هي النظر أولًا في كتاب اللَّه تعالى، ثم في سنة المصطفى ﵊، ثم في الإجماع (٢).
ثم نقل عن بعض المتأخرين قولهم: "يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع، فإن وجده؛ لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصًّا خالفه؛ اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نسخه! والصواب طريقة السلف" (٣).
• حجية الإجماع: هذا، وقد دلّ على حجيّة الإجماع، وكونه دليلًا يستمد منه الأحكام عدة أدلة، نذكر بعضًا منها: