• المستند: هو الدليل الذي ارتكز عليه المجتهدون، الذين أجمعوا على رأيٍ واحد، في مسألة من المسائل.
• ومستند الإجماع إما أن يكون نصًّا شرعيًّا، وإما أن يكون غير ذلك.
فإن كان نصًّا من الكتاب أو السنة، أكسبه الإجماع رفع كل الاحتمالات التي قد تضعف دلالة النص على المسألة؛ إذ أن الإجماع ينفي كل الاحتمالات الأخرى، فلا يحتمل النسخ ولا التأويل.
وإن كان ليس نصًّا، وكان ذلك من القياس (١)، اكتسب من الإجماع عدم المنازعة في صحته وسلامته من القادح (٢).
هذا وقد اختلف الأصوليون في مستند الإجماع؛ هل هو شرط للإجماع أم لا؟
• القول الأول: أنه يشترط للإجماع أن يكون له مستند.
وهذا قول جماهير العلماء، وهو الراجح.
• القول الثاني: أنه لا يشترط للإجماع أن يكون له مستند، فيجوز انعقاد الإجماع من غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب، من غير أن يكون لهم مستند، أو دليل يستندون إليه.
وهذا قول ضعيف، قال به بعض أهل العلم.
• دليل القول الراجح:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
• وجه الدلالة: أن رسول اللَّه -ﷺ- لا يقول قولًا ولا يحكم حكمًا إلا بالوحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا من خلال دليل قد استندوا عليه (٣).
_________________
(١) ستأتي مناقشة كون المستند من القياس.
(٢) انظر: "الإجماع" لحسيني (٢٢٠).
(٣) "المهذب في أصول الفقه" للنملة (٢/ ٩٠٠)، وانظر: "الإحكام" للآمدي (١/ ٢٦١)، "شرح مختصر =
[ ٥٠ ]
٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
• وجه الدلالة: أن الإجماع دون مستند شرعي قول على اللَّه تعالى بغير علم، وعلماء الأمة منزهون عن ذلك (١).
• دليل القول الثاني: استدلوا بالوقوع، كإجماع العلماء على جواز أجرة الحجام، فقالوا: إن الواقع يثبت عددًا من الإجماعات التي لا يعرف لها دليل (٢).
• وجوابه: أن عدم معرفة الدليل لا يعني عدمه، وقد لا يعرفه عالم أتى بعد الإجماع، وقد يعرفه آخر.
وهناك مسألة أخرى، وهي: هل يشترط أن يكون الإجماع مستندًا على دليل قطعي، أو أنه يجوز أن يكون ظنيًّا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة (٣) على قولين:
القول الأول: أن الدليل الظني يجوز أن يكون مستندًا للإجماع، وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح.
القول الثاني: أن الإجماع يجب أن يستند إلى دليل قطعي، ولا يجوز أن يستند إلى دليل ظني، وهو قول بعض أهل العلم.
• دليل القول الراجح:
١ - أن الدليل الظني يوجب العمل، وإن كان لا يوجب القطع واليقين؛ إلا أن غلبة الظن توجب العمل (٤).
٢ - أن أدلة حجية الإجماع تدل على الاحتجاج بالإجماع عمومًا، ولم تفرق بين إجماع مستند لدليل قطعي وإجماع مستند لظني، فما دام وقع إجماع فإنه يكون حجة،
_________________
(١) = الروضة" للطوفي (٣/ ١١٨)، "إرشاد الفحول" للشوكاني (١/ ٣٠٨)، "كشف الأسرار" (٣/ ٢١٣)، "البحر المحيط" (٦/ ٣٩٧)، "أصول الفقه وابن تيمية" (١/ ٣٠٦)، "الإجماع" لحسيني (٢٢٠)، "أحكام الإجماع" للمحمد (٦٧).
(٢) "حجية الإجماع" (٣٦١).
(٣) "المهذب في أصول الفقه" للنملة (٢/ ٩٠١)، "حجية الإجماع" (٣٦٣).
(٤) "العدة" (٤/ ١١٢٥)، "الواضح" (٥/ ١٦٧)، "المستصفى" (١٥٣)، "شرح الكوكب المنير" (٢/ ٢٢٤).
(٥) "المهذب في أصول الفقه" للنملة (٢/ ٩٠٤).
[ ٥١ ]
وإن كان عن دليل ظني (١).
• دليل القول الثاني: أن الإجماع حجة شرعية توجب العلم القطعي، ولا يجوز أن يثبته إلا دليل قطعي (٢).
• وجوابه: أنا لا نسلم أن الإجماع يوجب العلم القطعي دائمًا (٣)، بل هناك إجماعات ظنية (٤).