• وأما تعريف الإجماع اصطلاحًا: فقد اختلفت تعريفات العلماء في ذلك، أذكر بعضًا منها:
١ - عرفه القاضي أبو يعلى بأنه: "عبارة عمن تثبت الحجة بقوله" (١).
٢ - عرفه الآمدي بأنه: "اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد ﵊ في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع" (٢).
٣ - عرفه ابن السبكي بأنه: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي -ﷺ- في عصرٍ على أي أمرٍ كان" (٣).
• التعريف المختار: فهو اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد -ﷺ- بعد وفاته على أمرٍ من أمور الدين.
وهذا التعريف هو أسلم التعريفات الأصولية من الاعتراضات، وهو مأخوذ من تعريف الإمام ابن السبكي ﵀ في "جمع الجوامع" إلا أنه أضيف إليه تقييد الأمر المجمع عليه بالديني، وبهذا يكون سالمًا من الاعتراضات الواردة عليه (٤).
• شرح التعريف وبيان محترزاته: (اتفاق): هو أن تكون آراء العلماء متطابقة ومشتركة في الرأي والوجهة، سواء كان عن طريق الأقوال؛ أو الأفعال؛ أو السكوت مع كلام البعض الآخر.
_________________
(١) "العدة" (٤/ ١٠٥٧).
(٢) "الإحكام في أصول الأحكام" (١/ ١٩٦).
(٣) "جمع الجوامع" (٢/ ٢٠٩) مع "شرح الجلال وحاشية العطار".
(٤) "جمع الجوامع" (٢/ ٢٠٩) مع "شرح الجلال وحاشية العطار".
[ ٢٥ ]
وبهذا يكون التعريف شاملًا لنوعي الإجماع (الصريح أو اللفظي؛ والسكوتي) (١).
(مجتهدي): المجتهد هو: الفقيه الذي استكمل شروط الاجتهاد المعروفة في أبواب الاجتهاد في أصول الفقه (٢).
وبهذا يخرج من التعريف العوام وطلاب العلم الذين لم يستكملوا شروط الاجتهاد (٣).
(العصر): أي ذلك العصر الذي وقعت فيه تلك الحادثة، ولو خالف عالم بعد ذلك فلا عبرة بخلافه؛ لأنه خالف الإجماع.
ويلاحظ هُنا أن العصر مطلق؛ أيْ في أيِّ عصرٍ كان، بخلاف من قال باشتراط حدوث الإجماع في عصر الصحابة فقط، وهم الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد ﵀، وسيأتي مزيد من البيان لهذه المسألة في المبحث الثالث إن شاء اللَّه تعالى (٤).
وكذلك يلاحظ عدم تقييد التعريف باشتراط انقراض العصر، الذي وقعت فيه تلك الحادثة، بموت جميع العلماء الذين أفتوا في تلك الحادثة برأي موحد، بخلاف من اشترطه (٥).
_________________
(١) شروط الاجتهاد هي:
(٢) أن يكون عارفًا بكتاب اللَّه تعالى.
(٣) أن يكون عارفًا بسنة النبي -ﷺ-.
(٤) أن يكون عالمًا بالمجمع عليه والمختلف فيه.
(٥) أن يكون عالمًا بأصول الفقه.
(٦) أن يكون عالمًا بالقياس.
(٧) أن يكون عالمًا باللغة العربية وقواعدها.
(٨) معرفة مقاصد الشريعة.
(٩) أن يكون عدلًا مجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة. انظر: "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٢٣٠)، و"شرح التلويح على التوضيح" لمسعود التفتازاني (٢/ ٨٣)، "البحر المحيط" لبدر الدين الزركشي (٦/ ٤٥٦)، و"التقرير والتحبير في شرح التحرير" لابن أمير حاج (٣/ ١٠١)، و"المهذب" (٥/ ٢٣٢٢).
(١٠) انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٤١٥)، "شرح الكوكب المنير" لابن النجار (٦٠٢).
(١١) انظر: "الوصول إلى الأصول" لابن برهان (٢/ ٨٤)، "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" للإمام الشوكاني (١/ ٣٣٧).
(١٢) انظر: "البحر المحيط" للزركشي (٦/ ٤٥٥)، "التقرير والتحبير" لابن أمير حاج (٣/ ٩٧)، "العُدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (٤/ ١٠٩١).
(١٣) انظر: "البحر المحيط" للزركشي (٦/ ٤٧٨)، "الفصول في الأصول" للجصاص (٣/ ٣٠٤)، "المستصفى من علم الأصول" للإمام الغزالي (١٤٩)، "كشف الأسرار" للبخاري (٣/ ٢٧٣)، "العدة في أصول =
[ ٢٦ ]
(من أمة محمد -ﷺ-): قَيْدٌ يُخرج المجتهدين من أتباع الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فلا يُعتد بخلافهم أو إجماعهم، ولو وصلوا إلى رتبة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.
(بعد وفاته): قيد يُخرج الإجماع في عصر النبوة؛ لأنه لا يتصور وقوعه في حال حياة المصطفى ﵊، إذ بوجوده هو المصدر التشريعي الوحيد الناقل للوحي، فلو أقر الإجماع كان إقراره هو الحجة، ولو أنكر الإجماع كان إنكاره هو الحجة أيضًا، ولا اعتبار لهذا الإجماع الذي أنكره الرسول ﵊.
ولذلك يقول الجلال المحلي: "ووجهه؛ أنه إن وافقهم فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم دونه" (١).
(على أمر من أمور الدين): قيد يُخرج الإجماع في الأمور غير الشرعية؛ كاللغة والحساب والفلك وغير ذلك من أمور الدنيا.
فالإجماع الاصطلاحي الشرعي هو ما كان في أمور الدين فقط (٢).
* * *
_________________
(١) = الفقه" للقاضي أبي يعلى (٤/ ١٠٩٥)، "الوصول إلى الأصول" لابن برهان (٢/ ٩٧).
(٢) "شرح جمع الجوامع" للجلال المحلي (٢/ ٢١٢) مع "حاشية العطار"، وانظر: "سلالة الفوائد الأصولية من أضواء البيان في تفسير آي القرآن" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، جمع الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس (٥٩).
(٣) انظر في تعريف الإجماع أيضًا: "الإجماع مصدر ثالث من مصادر التشريع الإسلامي" للدكتور عبد الفتاح حسيني الشيخ (١١) وما بعدها؛ "الإجماع عند الأصوليين" للدكتور علي جمعة (٩)، "الغلو في حجية الإجماع الأصولي" للدكتور صلاح الدين سلطان (١٢)، "حجية الإجماع" للدكتور عدنان السرميني (٢١)، "المهذب في علم أصول الفقه المقارن" للدكتور عبد الكريم النملة (٢/ ٨٤٥)، "أحكام الإجماع والتطبيقات عليها" لخلف المحمد (١٧).
[ ٢٧ ]