إذا اختلف العلماء في مسألةٍ ما على أقوال متفاوتة، فيها الأكثر والأقل، فإن القول المُثْبِت للأقل يعتبر مجمعًا عليه، من حيث ثبوت الأقل دون نفي الزيادة، والأصوليون يبحثون مسألة الأخذ بالإجماع في إثبات القول بأقل ما قيل في المسألة، وأنا هنا لا أريد بحث هذه المسألة، فهي مسألة أصولية خلافية مشهورة (٣)، وإنما أريد الإشارة إلى أن العلماء لم يختلفوا في أن القول بأقل ما قيل في المسألة مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الأقل، دون نفي الزيادة التي قالت بها الأقوال الأخرى.
فالعلماء اختلفوا في دية اليهودي مثلًا على أقوال؛ فمنهم من قال: إنها مثل دية المسلم، وقيل: النصف، وقيل: الثلث.
فالقول بلزوم الثلث مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الثلث، لا من حيث نفي الزيادة.
ولذلك يقول الإمام الغزالي معلقًا على هذه المسألة: "فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة" (٤).
ويقول الآمدي: "فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه، وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه" (٥).
_________________
(١) "العدة" (٤/ ١١٠٦)، "المهذب" (٢/ ٩٢١).
(٢) "المهذب" (٢/ ٩٢١).
(٣) انظر: "المستصفى" (١٥٩)، "البحر المحيط" (٨/ ٣٠).
(٤) "المستصفى" (١٥٩)، ونقلها عنه الزركشي في "البحر المحيط" (٨/ ٣٠).
(٥) "الإحكام" (١/ ٢٨١)، وانظر: "روضة الناظر" (٢/ ٥٠٢).
[ ٥٣ ]
وقد يكون الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، بأن يُنظر في أقوال العلماء أيها أكثر أو أعلى، فيكون الإجماع على عدم الزيادة على ذلك.
فالقول بأن دية اليهودي كدية المسلم، هذا أكثر ما قيل في المسألة، فلا يجوز بهذا أن يقال بأن ديته أكثر من دية المسلم بحال.
يقول ابن رشد في أقل مدة الطهر: "وقيل: سبعة عشر يومًا، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب" (١)، فهذه الحكاية للإجماع مبنية على الإجماع على أكثر ما قيل.
وقد أشرت إلى هذا المعنى؛ لأن كثيرًا من الإجماعات التي يحكيها العلماء هي من هذا القبيل، وأكثر من يتخذ هذا المنهج في حكاية الإجماع هو الإمام ابن حزم ﵀ في "مراتب الإجماع"، وستأتي مناقشة ذلك في الحديث عن منهجه إن شاء اللَّه تعالى (٢).