ويقصد به: أن يعمل بعض المجتهدين في عصرٍ عملًا، أو يبدي رأيًا صريحًا في مسألة اجتهادية، ويسكت الباقي من المجتهدين بعد علمهم بذلك الرأي (٣).
وهو ما يسميه بعض علماء الحنفية بالرخصة (٤).
ولكي يكون الإجماع سكوتيًّا فيجب أن تتحقق فيه عدة شروط؛ هي:
١ - أن يكون السكوت مجردًا من جميع علامات الرضا والسخط؛ لأنه إن وجد ما
_________________
(١) = (٣/ ١٠٣)، "المهذب" للنملة (٢/ ٩٥٠)، "الإجماع" لعبد الفتاح حسيني (٢٥٤)، "الفصول في الأصول" للجصاص (٣/ ٣١٨)، "المستصفى" للغزالي (١٤٨)، "البحر المحيط" للزركشي (٦/ ٤٤١)، "التقرير والتحبير" (٣/ ١٠١)، "حاشية العطار على شرح الجلال المحلي" (٢/ ٢١٣)، "مراقي السعود إلى مراقي السعود" لمحمد الأمين بن محمد زيدان الجكني (٣٠٠).
(٢) "الإجماع" للدكتور عبد الفتاح حسني (١٢٨)، "المدخل الفقهي العام" للزرقا (١/ ٧٨).
(٣) "أصول السرخسي" (١/ ٣٠٣)، "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٢٢٦).
(٤) "الإجماع" لحسيني (١٣١).
(٥) "أصول السرخسي" (١/ ٣٠٣)، "كشف الأسرار" (٣/ ٢٢٨).
[ ٣٩ ]
يدل على الرضا كان من قبيل الإجماع الصريح لا الإجماع السكوتي، وإن وجد ما يدل على السخط لم يكن إجماعًا أصلًا.
٢ - أن تبلغ المسألة جميع المجتهدين؛ لأنها إذا لم تبلغ الجميع لم يتحقق إجماع؛ لأنه لا يمكن نسبة الحكم إلى من يجهله.
٣ - أن يمضي زمن يكفي للنظر والتأمل في تلك المسألة؛ لينقطع احتمال أنهم سكتوا لكونهم في مهلة النظر (١).
واختلف العلماء في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال إجمالًا:
القول الأول: أنه حجة وليس إجماعًا.
القول الثاني: أنه إجماع وحجة.
القول الثالث: أنه ليس بإجماع (٢).
• أدلة القول الأول:
أولًا: أن سكوت الساكتين من المجتهدين دليل على موافقتهم على القول المعلن الذي اشتهر عند الناس، وإلا كان سكوتهم كتمًا للحق وما يعتقدون صحته، وهذا لا يجوز، ويجب أن ينزه علماء الأمة عن ذلك (٣).
ثانيًا: أن اشتراط التصريح بالقول من كل المجتهدين شرط صعب المنال، ومن النادر تحققه، ومن المعتاد للناس أن يفتي البعض ويسكت الباقون لعدم الحاجة، إلا أن يكونوا مخالفين لما أُفتي به، فدل ذلك على أن سكوتهم إقرار منهم (٤).
ثالثًا: أن سكوت المجتهد عن التصريح بمخالفته للرأي المعلن لا يعني بالضرورة موافقته على ذلك، ولكن عند النظر إلى عموم المجتهدين؛ فإنهم لن يسكتوا كلهم إلا وهم موافقون، ولكن لوجود احتمال مخالفة البعض دون أن يصرحوا برأيهم، لأي سببٍ كان؛ دل ذلك على أن رتبة هذا الإجماع أقل من سابقه، نظرًا لتعرضه لاحتمال
_________________
(١) "حجية الإجماع" (٢٢٦)، "الإجماع" للدكتور عبد الفتاح حسيني (١٣١)، وانظر: "التقرير والتحبير" (٣/ ١٠٢)، "كشف الأسرار" (١/ ٢٢٨)، "أحكام الإجماع" للمحمد (٥٣).
(٢) "العدة" (٤/ ١١٧٠)، "الوصول إلى الأصول" لابن برهان (٢/ ١٢٦)، "الإحكام" للآمدي (١/ ٢٥٢)، "شرح الروضة" للطوفي (٣/ ٧٨)، "حاشية العطار على الجلال" (٢/ ٢٢٢).
(٣) "حجية الإجماع" (٢٣١).
(٤) "حجية الإجماع" (٢٣١).
[ ٤٠ ]
النقض بالمخالفة، فكان ذلك إجماعًا قطعيًّا، وهذا حجة ظنية، واللَّه تعالى أعلم.
• دليل القول الثاني: استدلوا بأدلة القول الأول، ولكنهم لم يراعوا تطرق الاحتمال إلى مخالفة البعض وسكوتهم لمراعاتهم آداب الخلاف أو أي سبب آخر، وهذا هو الجواب على استدلالهم (١).
• دليل القول الثالث: أن قول المجتهد لا يعرف إلا من تصريحه، أو دليل على رضاه وإقراره؛ لأنه قد يسكت لرضاه، وقد يسكت لعدم اجتهاده في المسألة؛ أو توقفه؛ أو لخوفه من الجهر بالمخالفة؛ أو لأي سبب كان، وما دام قد تطرق الاحتمال بالدليل فقد سقط (٢).
• وجوابه: أن سكوت المجتهد بعد مدة يتمكن من خلالها النظر في المسألة، يدل على موافقته، وإلا لكان ذلك طعنًا في ديانته وعلمه؛ لأنه واجب عليه بيان الحق الذي يراه في المسألة، أما إذا كان يخاف من الجهر بالقول، فإنه إذا كان الخوف معتبرًا شرعًا، فإنه لا يتحقق الإجماع السكوتي؛ نظرًا لوجود أمر يضعف الظن بالموافقة، ومع كل ذلك فمثل هذه الاحتمالات هي التي تنزل مرتبة هذا الإجماع إلى الحجة الظنية دون القطعية (٣).
والظاهر -واللَّه أعلم- أن الإجماع السكوتي حجة يؤخذ به كدليل من الأدلة، ولكن ليس إجماعًا قطعيًا رافعًا للخلاف، وذلك لما ذُكر من الأدلة.